شرح كتاب التوحيد مختصر 17

الدرس في شرح كتاب التوحيد مختصر 17، الدرس السابع عشر:من( باب ما جاء في الرياء ... باب قول الله تعالى:ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف الرياء والتحذير من الشرك الخفي

يُعرَّف الرياء بأنه إظهار العبادة لإرادة مدح الناس، ويُحذر من خطورته وكونه شركًا خفيًا قد يؤدي إلى إحباط الأعمال الصالحة. الرسول صلى الله عليه وسلم حذر أصحابه من الشرك الخفي.

خطورة إرادة الدنيا بالعمل الصالح

يُحذر من إرادة الدنيا بالعمل الصالح، حيث يدخل صاحبه في الوعيد النبوي، ويشبه بذلك أهل الكفر في إرادتهم الدنيا بالأعمال الصالحة. يُستدل على ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

التعلق بالدنيا وآثاره السلبية

يتناول التحذير النبوي من التعلق بالدنيا والمال، حيث يصبح الإنسان عبدًا لها ويغضب إذا لم ينل ما يريد، فيخسر الدنيا والآخرة. كما يُشرح الدعاء النبوي على من يتعلق بالدنيا بالسقوط والتعاسة.

التفريغ النصي الكامل

ما جاء بالرياء في هذا الباب، خير في المؤلف -رحمه الله تعالى- الأدلة الواردة فيما تعلق بالرياء. والرياء مشتق من الرؤية، وهي إظهار العبادة لإرادة مدح الناس. فهذه أو هذا معنى الرياء كما ذكر ذلك الحافظ -رحمه الله تعالى-. فالرياء مشتق من الرؤية، لها معنى من الرؤية البصرية، يقوم رجل في عبادة العبادات الشرعية، القصد من هذه العبادة جذب أنظار الناس إليه، وما يستفيد من ذلك مدح الناس، يريد مدح الناس، يريد ثناء الناس لما يرونه من صلاحه، من صلاته، من صيامه، من نفقته. وهنا تأتي فائدة أخرى متعلقة بذلك، إذن ما الفرق بين الرياء والسمعة؟ الفرق بينهما واضح من اشتقاقهما، الرياء من الرؤية، والسمعة من السمع. فالرياء من الرؤية، تفعله الأعمال لكي يراك الناس، والسمعة ترفع صوتك بأشياء حتى يسمعك الناس. فالرياء متعلقة بالنظر، والسمعة متعلقة بالسمع، مثل قراءة القرآن، مثل وعظ الوعظ، فقد يتكلم بعض الناس بكلمات ويريد من هذه الكلمات جذب أسماع الناس إليه، يحسن صوته بالقرآن ليس رغبة في نيل ترتيل القرآن، لا، رغبته في هذا التحسين والترتيل أن ينال ماذا؟ سمع الناس، يستمعون إليه فيمدحونه ويثنون عليه، ويذكرونه بخير. وهكذا الخطيب قد يخطب في خطبة أو ماذا أو في محاضرة، وقصد بهذا الوعظ ليس نفع الناس، وإنما يجذب أسماع الناس. فكل الرياء صاحب الرياء، وصاحب السمعة القصد من أفعالهم جذب مدح الناس. فالرياء بأفعاله، وكذلك صاحب السمعة بصوته، وكل ذلك ما أدى إلى واحد. فقال: «باب ما جاء في الرياء». ووجه إدخال الرياء في باب التوحيد؛ لأن من الرياء ما يكون شركًا، من الرياء ما يكون شركًا. فناسب أن يدخل هذا الباب في كتاب التوحيد. ومن صور الرياء الشركي: قال علماء مثله بمن يدخل في الإسلام رياءً، يدخل في الدين رياءً، يريد جذب أنظار الناس، رجل كافر أراد أن ينال ماذا؟ تسليط الأضواء عليه، وأن يذكر في المجالس والجرائد المحلية والدولية والعالمية. فماذا فعل؟ قال: «أشهد أن لا إله إلا الله». كبر الناس: «ما شاء الله، الفنان العالمي أسلم، وذات الرجل الدبلوماسي أسلم». وما دخل رغبه في الإسلام، أراد الرياء فقط، مدح الناس، ثناء الناس، جلب أنظار الناس إليه. فهذا ينفعه هذا رياء الكفر، ولو دخل في الإسلام بلسانه، لكن ما أراد الإسلام حقيقة. فهذا رياء شركي. ومثل أيضًا علماء بالرياء الشركي: إذا رأى في عمل تركه، كفر، إن رأى في عمل تركه كفر. مثل ماذا؟ مثل الصلاة، على قول من قال بتكفير ترك الصلاة. فالذي يقول بأن ترك الصلاة كفر، فمتى ما رأى العبد في صلاته، فهو كافر. هذا على قول من قال بأن الصلاة تركها كفر. إذا صلى ما يصلي إلا لثناء الناس، لا يريد مرضاة الله -جل وعلا-، فعمله حابط. فإنه ما صلى، الذي يرائي بعمل يحبط عمله. فصلاة مع رياء، معناها لا صلى. إذا ما صلى على مذهب من قال أن تارك الصلاة كافر، فهذا كافر؛ لأن الصلاة لم تقبل، ما أدى صلاة على الوجه المطلوب. فيقول العلماء: هذا على قول من قال بأن ترك الصلاة كافر، فمن رأى في صلاته فقد كفر. وهذا كلام على هذه المسألة، وثم يكون تنازع بعد ذلك، هذه المسألة الخلافية فيمن قال بكفر تارك الصلاة. ما هي الصلاة يكفر بها؟ هل بترك صلوات الخمس؟ أو هل بترك الجمع والجماعة، وفضل الجمع وصلوات الخمس الأخرى؟ أو يكون بترك صلاة واحدة؟ وهذه مسألة كذلك متنازع عند من قال بتكفير تارك الصلاة. ولكن هكذا يمثل العلماء، إذا مثلوا بالرياء الشركي مثلوا بهذه الصورة: أن يرائي بعمل تركه كفر. فبالرياء يكون منه الشرك. فناسب أن يدخل في كتاب التوحيد. قال مؤلف -رحمه الله تعالى-: «وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾». ساق المؤلف -رحمه الله تعالى- بالتحذير من الرياء بهذه الآية: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. وهذا موطن الشاهد من الآية: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. وهذه الآية يستدل بها العلماء على وجوب الإخلاص: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. وكما مر معنا: «أحدًا» نكرة، ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ نكرة في سياق النهي، تفيد العموم. فالله لا يرضى أن يشرك معه أي أحد، سواء كان ملكًا، سواء كان النبي، سواء كان مخلوقًا، ولو كان كذلك. كلام الناس هذا يشرك مع الله -جل وعلا-. الأصل أن العبادة تؤدى لمرضاة الله فقط، لا غير. فإذا زاحم النية شيء آخر، كأنك تريد أن تؤدي الصلاة لله ولمرضاة الناس، لكلام الناس، لثناء الناس، لمدح الناس، فكأنك نافست الله في قصد العبادة. هنا دخلت في الشرك؛ لأن هذه العبادة أصبحت مشاركة بين الله وبين المخلوقين، زوحمت. فهنا وقع الشرك. فقال تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. العبادة أخلصها لله، لا تجعل تخالف شيء من رغبات أو شيء من إرادات. ولهذا كان علماء يستدلون بهذه الآية على وجوب الإخلاص، ويردون به على أصحاب الرياء الذي يرائي، يدخل في الآية: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. فإنه قد ماذا؟ جعل مع الله شريكًا، جعل مع الله شريكًا، وذاك في القصد والإرادة. قال مؤلف -رحمه الله تعالى-: «عن أبي هريرة -مرفوعة-: قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه» رواه مسلم». هذا الحديث الصحيح، وهو حديث مرفوع، يقول فيه ربنا -جل وعلا-: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري». وهذا موطن الشاهد: «من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري». وهنا نكرة: «عملًا» نكرة في سياق الشرط، وكذلك مر معنا من قواعد الأصولية: أن النكرة إذا جاءت في سياق الشرط، فإنها تفيد العموم. «من عمل عملًا» أي عمل تعمله، أي عمل تعمله تتقرب به إلى الله -جل وعلا-، من أذكار، من أوراد، من أعمال صالحة، من صلاة، من زكاة، من نفقة. «من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري»، شاركت غير الله في هذا العمل. ويدخل في ذلك الرياء؛ لأن المرائي إذا صلى يصلي، وفي قصده أن ينال كلام الناس. يدخل أحد الناس إلى الصلاة، يدخل المسجد فيرى أن زيدًا وعبيدًا هنا في ميمنته، فإذا صلى قلت: «أحسن صلاتي»، يقول: «الله أكبر» يكبر، ويطاطئ برأسه، يدل على خشوعه، وربما يترنم بالآيات، مظهرًا تدبره. وإذا ركع انخفض راكعًا بكل هدوء وطمأنينة، ويشد ظهره متبعًا للسنة، ويرفع حركات الله الحمد. ظاهرها السنة، لكن ماذا؟ قَصده جذب أنظار الناس، يريد أن الناس ينظرون إليه، ومن يمدحونه ويذكرون بخير. انظر: «فلان ما أحسن صلاته، فلان طيب، أدع للسنة». وكذلك يريد ماذا؟ أن الناس يثنون عليه خيرًا. وخاصة بعض الناس مثل من يفعل يريد ماذا؟ إذا كان أراد يعني محمده أو منقبه فيفعل هذه الأشياء. فأشياء من ذلك هذا أشرك، هذا أشرك الشرك، والشراكة مشاركة، مشاركة الشرك مأخوذة من المشاركة. فهذه فيه معنى المشاركة؛ لأنك لأن هذا المخلوق إن سألته قال: «أنا أصلي لله -جل وعلا-»، لكن شارك العمل بالشرك. وشرك ماذا؟ هو قصد المخلوقين. قال: «تركته وشركه»، أحبط الله عملك. فمن عمل عملًا فيه رياء، فإن عمله محبط. فإن عمله يحبط. وهذا الحديث ظاهر دلالة فيما ينهى عن الشرك، وأن الشرك مما حرمه الله -جل وعلا-، ولا يجوز أن يتعبد الله بعمل فيه رياء. قال مؤلف -رحمه الله تعالى-: «وعن أبي سعيد -مرفوعة-: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قالوا: «بلى». قال: «الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل». رواه أحمد». هذا الحديث رواه كذلك ابن ماجة والحاكم، ورواه ابن ماجة والحاكم، ويحسنه الشيخ الألباني في «صحيح الجامع». ويحسنه الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- في «صحيح الجامع». وأعله آخرون، ذهب جماعة من العلماء إلى تضعيفه. ومنهم شيخنا مقبل -رحمه الله تعالى- يذهب إلى تضعيف وإلى تعليل هذا الحديث. ولكن شيخ الألباني لعله شواهد ورآها أنها تصلح. على صحة هذا الحديث، يقول نبي: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قالوا: «بلى». قال: «الشرك الخفي». فيه دلالة على حرص النبي -عليه الصلاة والسلام- على توضيح أمته ماذا؟ مما يضرهم في دين ودنياهم. وفيه كذلك خوف الرسول على أصحابه من الوقوع في الشرك. إذا كان ذلك في أصحاب نبينا، فما بالك بأمثالنا؟ فنحن من باب أولى وأولى. الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- بلغوا المبلغ العالي من التقى والورع والخوف والوجل من الله -جل وعلا-. ومع ذلك كله كانوا يخاف عليهم من يقع فيهم شيء من هذا الشرك، من الشرك الخفي، وهو الرياء. فإذا كان في الصلاة يخاف على أصحابه، فنحن من باب أولى أن نخشى على أنفسنا. فالمسلم يتحرى في أعماله، ويبتعد عن ما يكون فيه رياء وسمعة. وكم استطاع الإبليس البغيض اللعين أن يخدع عباد الله في هذه الأعمال؟ كم من عمل يعمله ظاهره لله، في الله، لكن ماذا؟ فتش ومحص ليعلم أن في عمله نسبة من النظر إلى كلام الناس، والبحث عن أنظار الناس. وهذا مرض ماذا؟ مرض بغيض، مرض خبيث. قال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» المسيح الدجال أعظم خطر يواجه البشرية. ومع ذاك يا الله نبيه أن هذا الشرك يخشاه من أصحابه؛ لأن المسيح قد ماذا؟ قد يستطيع الخلق أن يتركوه، وأن يعلموا فتنته بما أوتوا من سبل النجاة. لكن الشرك بخافيه لا يعلم. الدجال أمامك تعرفه، وتواجه بالذي يدفعك عنه. لكن الشرك الخفي ما تدري عنه، ما تدري. وتسرب إلى داخل قلبك وصدرك، فتأصلت أعمالك لغير الله -جل وعلا-. قال: «بلى». قال: «الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل». هو يصلي، فما تسرب إليه الرياء، فصل لغير الله -سبحانه وتعالى-. والصلاة تثير فقط، وإلا يدخل ذلك في كل أعمال، في كل أعمال. يدخل في ذلك النفق والصدق، وكذلك البناء ونحو ذلك. ولعل يخفى عليكم حديث الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار، أول من تسعر بهم النار. ما الذي أوقعهم في غضب الله -جل وعلا-، وأصبحوا ماذا؟ من أول من يدخلون نار جهنم؟ الذي أوقعهم في ذلك الرياء، الرياء والسمعة. ذاك المناضل، وذاك المجادل، وذاك المناضل، وذاك القارئ، وذاك المنفق. ذاك أنفق أمواله، لكن ما أراد وجه الله، وإنما أراد كلام الناس، أن يقال عنه: «جواد». وقد قيل فيؤمر فيسحب إلى النار. وآخر المجاهد ترك ماله وعياله وأهله ووطنه، ماذا؟ على حد زعمه أنه يريد رفع راية كلمة: «لا إله إلا الله». لكن في حقيقة أمره ما جاهد، وما قاتل إلا ليقال عنه: «مناضل»، يقال عنه: «شجاع»، يقال عنه: «جريء». أراد السمعة. فهذا يجرجر على وجهه إلى نار جهنم. وأما الثالث فذاك الذي ماذا؟ يعلم الناس الخير، لكن لا يعلم لله، وفي الله، لنفع نفسه أولًا، ثم نفع إخوانه، ولا أراد لرفع الجهل ماذا؟ عن أهل بلده. وإنما أراد بوعظه، وأراد بإرشاده الماذا؟ أن يسمع، وأن يجذب أسماع الناس إليه. فهذا يجرجر على قفاه وعلى وجهه إلى نار جهنم. فانظروا كيف كانت أعمالهم محبطة، محبوطة، مردودة على وجوههم؛ لما تركوا هذا الشرط العظيم، تركوا الإخلاص، ووقعوا في الشرك، وهو الشرك الأصغر، وهو الشرك الخفي. فأمر بهم فماذا؟ فألقوا في نار جهنم -والعياذ بالله-. فشاهد من ذلك: أن المؤلف -رحمه الله تعالى- أراد من هذا الباب أن يبين خطورة الرياء، وأنه مما يقدح في ماذا؟ في كمال التوحيد الواجب. فإن العبد الموحد من توحيده لله -جل وعلا-: أن يخلص العبادة لله. وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين. إخلاص الأعمال لله -جل وعلا- هذا الموحد. لكن الذي يجعل أعماله ليست لله، فقد انقدح توحيده، انقدح توحيده. فهذا من خصائص هذا الباب. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: «باب من الشرك: إرادة الإنسان بعمله الدنيا». طيب هذا الباب معناه بمعنى العام: أن الإنسان يعمل العمل الصالح، ويغرض من هذا العمل الصالح يريد دنيا. ومقصود بالدنيا أي ماذا؟ يريد ثوابها، ويريد أجرها. يريد أجرها. فهذا إنسان يعمل عملًا صالحًا، لكن يريد من هذا العمل الصالح يريد شيء من حظوظ الدنيا. يريد شيء من حظوظ الدنيا. يريد أموالًا، يريد مناصب، يريد جاهًا. فهذا الذي أراده المؤلف بقوله: «باب من الشرك: إرادة الإنسان بعمله الدنيا». وهذا الباب والذي قبله فيه تشابه. لكن يختلفان من حيث ماذا؟ يختلف هذا الباب عن الباب الذي مضى: بأن باب الرياء يريد الرجل منهم ثناء الناس، ثناء الناس. يريد سماع كلام المدح فقط، يطلب ذلك. ثناء الناس، ذاك يمدحه، ذاك يزكيه، ذاك ماذا يثني عليه. يريد جذب كلام وأسماع الناس إليه، هذا رياء، هذا المرائي. أما هذا الباب: إرادة الإنسان بعمله الدنيا، فهذا يريد عرضًا من أعراض الدنيا، يريد عرضًا من أعراض الدنيا. ولا يريد فقط ثناء الناس، بل ما هو أعظم من ذلك، يريد دنيا، منصبًا، جاهًا، مالًا. فيبذل دينه، ويبذل أعماله الصالحة لكي يتحصل على ذلك. لكي يتحصل على ذلك. فهذا الفرق بين البابين. الرياء يريد كلام الناس. وأما هذا الباب فلمن أراد عرضًا من أعراض الدنيا. وكلهما خاسر، هذا خاسر، وذاك خاسر. قال علماء: هذا الباب أعظم من الذي يريد عرض الدنيا، أعظم من المرائي. قال: لماذا؟ قال: لأن المرائي قد يقع منه الرياء أحيانًا، أحيانًا يقع منه الرياء، أو يعرض عليه الرياء أحيانًا. أما الذي يريد عرض الدنيا، قال: ماذا؟ قد يسترسل معه ذلك، يسترسل معه ذلك، ويكون ماذا؟ في كثير من أعماله. ويكون في كثير من أعماله. هذا الذي يريد عرض الدنيا إذا وجد أن هذه الطريقة سبيل في جذب الدنيا، سيتقدم أكثر من مرة. إذا استطاع بالعمل الصالح أن يأتيه بمال، سأمشي على هذا المنوال. هذا باب خير. فأصبح ماذا؟ يفعل أعماله الصالحة لطلب الدنيا. مثل الرجل يحفظ القرآن -مثلًا- لماذا يحفظ القرآن؟ يحفظ القرآن همه أن ينال منصبًا، أن ينال منصبًا، ينال جاهًا. وهكذا يفعل، يتزيى ماذا؟ مثلًا بزي السنة، هو لا يحب السنة ولا شيء، لكن يرى أنه إذا تزيى بزي السنة في مجتمع سني أنه ماذا؟ سيحضى بمنصب. فيتحرى أن يعمل هذا العمل الصالح، ليس حبًا في السنة، لكن حبًا في المال، حبًا في المال. فيتخذ السنة سلمًا لكي يصعد إليه حتى يرتقي إلى عرض من أعراض الدنيا. وهكذا قس مثل بعض الناس، لربما يجيد شخص يريد أن يكون قاضيًا، يريد أن يكون قاضيًا على قرية. يسمع أن القضاء يستنمون في وظيفة مئات الألوف. فيقول: «أنني سأحفظ الشريعة، أتعلم الشريعة». وليس حبًا في الشريعة، ولا حبًا في الأحكام الإسلامية، لكن هذا الطريق لكي يوصل لهذا المنصب. فيتعلم ذلك. هذا ماذا؟ عمله لدنيا، ليس عمله لله، وفي الله. وهكذا قس، وهكذا قس. كذلك الرجل يريد شيء من عرض الدنيا، يريد الزواج، يتقرب إلى بني فلان، أريد بنتهم. قال: «انتبه». قال: «فلان وناس أهل استقامة وصلاة، وأنت ما أنت مصلي، إذا علموك أنك تارك صلاة، ما يعقلك بنتهم». قال: «خلاص سأصلي هذه الأيام، شهر لما يتم موضوع الخطوبة، وثم أبطل الصلاة -والعياذ بالله-». فيبعث بعض الناس فيصلي، يصلي، يحصل هذا موجود. فيصلي لماذا؟ حتى عمه يرى، قال: «فلنصلي في الصف الأول». الصف الأول يحصل. الحلقات العلمية وله، هو الحلقات، وله هو الحلق. الصلاة -والعياذ بالله-، لكن يريد ماذا؟ كما يقول الشاعر: «صلى وصام لأمر كان يطلبه، فلما انقضى الأمر فلا صلى ولا صام». فهذا يريد بالعمل الصالح شيء من حظوظ الدنيا، يد امرأة، مال، منصب، جاه. وهذا كثير، وهذا كثير. فهذا الفعل ماذا؟ يدخل في هذا الوعيد: «باب من الشرك: إرادة الإنسان بعمله الدنيا». فهذا من الشرك؛ لأن المرائي أشرك؛ لأنه دخل مدح الناس. وهذا أيضًا أشرك؛ لأنه دخل ماذا؟ قصد الدنيا. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: «وقول الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾». استدل المؤلف -رحمه الله تعالى- بهذه الآية لبيان أن هذا من صنيع أهل الكفر، أن هذا من صنيع أهل الكفر. فمن صنيع الكفار أنهم ماذا؟ حظهم أنهم يريدون مطالب الدنيا، نيتهم وقصدهم أنهم يعيشون للدنيا. فالمؤمن يحذر لا يكون هذا حاله، لا يكون حاله في الدنيا كحال كافر. قصده وطمعه في الدنيا حظ الدنيا، قصده لا يخرج عن ماذا؟ عن نيل مرضاة البطن ومرضاة الفرج. المؤمن أعظم من ذلك، قصده يعيش في هذه الدنيا يريد مرضاة الله -جل وعلا-. فالكافر هذا حياته يريد بقدر ما يستطيع أن يعمل الأعمال، يريد بذلك حظًا من حظوظ الدنيا. ففي قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يقع عمله، ثوابه: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ نعطيهم أعمالهم. رجل يفعل الأعمال يريد الصحة، نعطيه صحة. يريد يفعل الأعمال يريد ماذا؟ ثواب الدنيا من المال والمنصب، نعطيه إياها. لكن بقي هل هذا على إطلاقه؟ قال علماء: هذا ليس على إطلاقه، ليس كل من... لكن مقيدة بآية أخرى. هذه الآية مقيدة بآية أخرى، وهي في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ﴾. فربنا -جل وعلا- سيعطي الدنيا لمن أرادها، لكن بإرادته، لمن أراد -سبحانه وتعالى-. فلهذا هنا يرتفع الإشكال؛ لأن بعضنا سيقول: كيف ربنا يقول: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ ونعطيهم الذي يريدون؟ وكيف نرى بعض الكفار يريد الدنيا وما يعطيها؟ يفعل أعمالهم وما يعطي الدنيا، ولا يعطي الصحة، ولا يعطي الرغد في العيش؟ يقال: نعم، هذه الآية لسَعْيِ إطلاقها، فهي مقيدة بتلكم الآية. فربنا -إن شاء- يعطي الدنيا لمن أراد، يعطي الدنيا لمن أراد. فليس كل كافر يتحفر على دنيا، ليس كل كافر يتحفر على دنيا. وإنما يعطيها الرب لمن أراد، ولمن شاء -سبحانه وتعالى-. قالوا: «في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن يعطى رضي، وإن لم يعطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلن تقش». طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث أغبر مغبرة قدما، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استؤذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع». هذا الحديث فيه مسائل متعلقة بهذا الباب. أولًا في قول نبينا: «تعس»، قال علماء: «تعس» تأتي بمعان، تأتي بمعنى شقي، وتأتي بمعنى سقط، وتأتي بمعنى هلك. هذا من معاني «تعس». قال -عليه الصلاة والسلام-: «تعس عبد الدينار، عبد الدينار» أي طالبه، أي طالبه. الرجل يطلب الدينار، وشبه بالعبد، يدل على عظيم حرصه، يدل على عظيم طلبه للدينار، حيث أنه ماذا؟ أصبح كالعبد، أصبح كالعبد للمال. الدينار والدينار هنا ما كان من ذهب. «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم». والدرهم ما كان من الفضة. العملات عند العرب كانوا يتعاملون بالدينار والدرهم. فالدينار عندهم ما كان مسكوكًا من ذهب، والدرهم ما كان مسكوكًا من فضة. فهنا معنى الذهب: الدينار والدرهم، فدنانير من الذهب، والدراهم من الفضة. «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم». وهذا دعاء يدعو نبينا -عليه الصلاة والسلام- على هؤلاء الحرصاء، الحريصين على جمع الأموال. من ذهبوا في الضحى أن شبهم نبينا بالعبودية. فدعا عليهم بالشقاء والتعاسة. قال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة». والخميصة والخميلة: هي أسماء أثواب، أثواب وأزياء لها معنى خاص عند أهلها. الخميصة والخميلة: أنواع أثواب، أثواب كان عربي يستخدمونها. ومن الأشياء التي تنظر الناس إليها لنفاستها ولغلائها هذا: الخميصة والخميلة. العمى في ذلك لهم ماذا؟ مسميات، تعريفها. لكن نعلم بالجملة: أن الخميصة والخميلة: عبارة عن أثواب. وهي من أثواب الغالية عند العرب. قال -عليه الصلاة والسلام-: «تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة». فنبينا ذكر هؤلاء: هم ناس حرصوا على الدنيا، حرصوا على مالها، وحرصوا على ماذا؟ على ثيابها وزينتها. قال نبينا: «إن أعطي رضي، وإن لم يعطَ سخط». بلغ من حال هذا العبد للدنيا أنه يتعامل مع الله -جل وعلا- بهذه المعاملة. تعامله مع الله قائم على الدنيا. تعامله مع الله، تعامل مع الدنيا، ليس فقط يتعامل مع الخلق على الدنيا، بل حتى مع الله. حتى مع ربه -جل وعلا- بلغ من تعامله مع ربه -جل وعلا-: أنه إن أعطي رضي، أي إن قدر الله له رزقًا. معنى «إن أعطي»: أي إن قدر له رزقًا. إن قدر له رزقًا ما دفع رضي. أعطاه الله الصحة والمال والولد، الحمد لله، رضي، تنفس الصعداء، وانشرح صدره، واستروح قلبه، ارتاح من ذلك. قال: «وإن لم يعطَ سخط». إن لم يعطه الله -جل وعلا- ما أراد وما طلب، تسخط على ربه -جل وعلا-. إيش هذا؟ ليش أنا؟ ليش كذا؟ إيش هذا؟ أي يا رب؟ ماذا فعلت؟ ليس أنا أدعو كم سنين، ما ربي ما استجاب لي؟ يتسخط، يتذمر ماذا؟ من غضب ربه -سبحانه وتعالى- عليه. هذا حال الدنيا، يتعامل مع الخلق عبدًا لهم. «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم». ويتعامل كذلك مع الخلق على الدنيا. إن أعطاه ربنا شيء من الدنيا رضي. ولا يفكر بالدين، ليس له وزن. يؤخذ دينه، لا يؤخذ دينه، ليس له اعتبار. إنما الاعتبار عنده رضا وولاء، والبراء على الدنيا. أعطي شيء من الدنيا رضي، وفرح. وإن أخذ شيء من الدنيا غضب، وسخط. قال -عليه الصلاة والسلام-: «تعس وانتكس». «تعس وانتكس». قال علماء: هنا «الانتكاثة» بمعنى معاودة المرض، بمعاودة المرض. يدعى عليه نبيه ماذا؟ أن تأتيه الأمراض، والأقذار. «انتكاثة»، دعا عليه بمعاودة المرض، أن يعاوده المرض. وقيل: «تعس وانتكس» على قول من قال: «تعس» أي سقط. «تعس» سقط. و«انتكس» أي انشغل بسقطته حتى سقط مرة أخرى. هنا «تعس وانتكس» بمعنى سقط، وانشغل بسقطته حتى سقط مرة أخرى. أي سقوط كل وسقوط. «تعس وانتكس» أي سقط، فانشغل بسقطته حتى سقط مرة أخرى. هذا يفسر من بعض العلماء: «تعس وانتكس». تخيلها، هذا صورة. يعني يسير، سقط، فماذا؟ يعني يصير ناس من سقوط، يسقط مرة ثانية. وهكذا كلما سقط، يسقط مرة أخرى، ينشغل بسقوطه. دعا نبينا بكثرة السقوط: «تعس وانتكس». «وإذا شيك فلن تقش». أو «فلن تقش». هنا معنى «إذا شيك»: أي إذا أصيب بشوكة. «شيك» إذا أصيب بشوكة. دخل شوك. قال: «وإذا شيك فلن تقش». أو «فلن تقش» أي لا تخرج هذه الشوكة، لا تخرج هذه الشوكة. ولو بالمنقاش. «تقش» وهو استخدام المنقاش. المنقاش: هي الآلة التي تستخدم هذه للأخذ الشوك ونحو ذلك. آلة رفيعة تستخدم. وهي موجودة هذا الأزمان، تستخدم إذا كان هناك ماذا؟ شوك صغير في الداخل، يؤتى بالمنقاش، فماذا؟ يخرج. يخرج هذه ماذا؟ الجراحات، أو هذه الوخزة. فدعا لنبينا أن هذا الرجل يصاب بشوكة، فيؤتى بالمنقاش على حدته، يريد أن ينقش، فما يستطيع. تبقى هذه الشوكة في رجله. طب لماذا هذه الدعوات؟ «تعس وانتكس»، دعا عليه بالسقوط. ولماذا دعا لنبينا هذا؟ «شيك فلن تقش» يصاب بشوكة، فلن ينتقش منها؟ قال علماء: أراد نبينا أن هذا العبد يصد عن الدنيا، أنه يصد عن الدنيا. شبه نبينا هذا الرجل يجري يجري خلف الدنيا، يجري جري خلف الدنيا، لدرجة لجريه أنه ما باله بدينه، ما باله بدينه. أصبح عبدًا يرى الدنيا أمامه، يرى الدنانير، يرى الدراهم، يرى الأموال، يرى المناصب، يرى الجاه. ما يرى للدنيا، فيجري خلفها. فدعا عليه نبينا أنه لا يواصل هذا الطريق. فمن دعاها: أنه هذا ينشغل بسقوطه، يسقط كل ما نشغل، سقط، سقط. أو كذلك يصاب بشوكة، يريد أن يجري، يعني يريد أن يتأخر. للحق بالدنيا، فدعنا من أن يعامل هذا المخلوق على قصد قصده. بل أن يسارع يتأخر عنها، بماذا؟ بسقوطه، أو بأخذ نقش. كلما يأتي بمنقاش ينقش، ما يأتي. يعتبر منقاش من أحد الآلات النافعة في أخذ ماذا؟ هذه الأشواك. فهي ما نفعت. ما الذي سينفعه؟ سيتأخر في جلوسه. فدعنا نبينا على خلاف قصده: أن يريد الهروع للدنيا. فدعنا نبينا أن لا يهرع، بل يبقى في محله. ماذا؟ يباضع، ويكاسب، ويذهب عن الدنيا، ولا يدركها. فيكون بهذا الحال خسر الدنيا والآخرة. خسر ما عند الله -جل وعلا- من رضوان، من ث