الدرس في عقيدة أهل السنة والجماعة 44، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول الدرس المرتبة الرابعة من مراتب القدر وهي الخلق، موضحاً أن الله خالق كل شيء بما في ذلك أعمال العباد، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. ويرد على من يزعم أن العبد يخلق فعله بنفسه، مؤكداً أن أفعال العباد مخلوقة لله مع إثبات المشيئة والاختيار للعبد.
يقرر المقطع أن للعبد مشيئة واختياراً حقيقيين مخلوقين لله، وأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله وعلمه السابق، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. ويرد على الجبرية والقدرية، مبيناً أن مذهب أهل السنة هو إثبات الاختيار للعبد مع تبعيته لمشيئة الله.
يشرح المقطع موقف أهل السنة في أن أفعال العباد مخلوقة لله مع إثبات مشيئة العبد واختياره، مستدلاً بآيات القرآن التي تثبت الأمرين معاً. ويبين أن التوفيق نعمة زائدة من الله على من يشاء، ولا يعذر العبد بترك الطاعة بدعوى عدم التوفيق ما دام قادراً على الأخذ بالأسباب.
يؤكد المتحدث أن الإنسان يرتكب المعاصي بإرادته الحرة واختياره دون إكراه، فهو يخطط وينفذ الأفعال المحرمة بمشيئته الخاصة. ويختتم الدرس بالصلاة على النبي ودعوة للاشتراك في القناة.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: "المرتبة الرابعة: الخلق". فنؤمن بأن الله تعالى خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل، له مقاليد السماوات والأرض. ذكر رحمه الله تعالى المرتبة الرابعة من مراتب القدر، وهي مرتبة الخلق. ومعنى الإيمان بمرتبة الخلق: الإيمان بأن الله جل وعلا خالق كل شيء. فالله جل وعلا خالق كل شيء، خالق العباد وخالق أعمالهم. فما من شيء في ملكوت الله جل وعلا حادث من مخلوقات الله جل وعلا فهو من خلق الله سبحانه وتعالى. هذا معنى الإيمان بمرتبة الخلق. وأدلة هذه المرتبة والإيمان بهذه المرتبة كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. فالله جل وعلا خلق العباد وخلق أعمال العباد. وقال جل وعلا: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. وقال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. وقال جل وعلا: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. والنصوص كثيرة في كتاب الله فيها بيان أن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، خلق العباد وخلق أعمال العباد. وكذلك الأحاديث في سنة النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة في بيان هذه المرتبة ووجوب الإيمان بها. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته». إن الله يصنع كل صانع وصنعته، فالله جل وعلا هو الذي يصنع الصانع، فيخلق الصانع هذا الذي يصنع أعمال، فالصانع وعمله مخلوق لله جل وعلا. إن الله يصنع كل صانع وصنعته، فالصانع مخلوق لله جل وعلا، الذي يصنع هذه الأشياء من طائرات أو من دبابات أو من سفن أو من أبواب أو من غير ذلك هو مخلوق لله عز وجل، وصنعته كذلك وعمله كذلك، كل ذلك مخلوق لله سبحانه وتعالى. قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة في الصحيحين: «إن الله جل وعلا يقول: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي». ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي. فيه وعيد لمن يضاهي خلق الله جل وعلا، فيصنع هذه التماثيل وصورها، فهذا فيه مضاهاة لخلق الله سبحانه وتعالى، لأن الخلق إنما هو لله جل وعلا. فمن صار يماثل أو يأخذ بأسباب مماثلة رب العالمين جل وعلا، وينازع ربه سبحانه وتعالى في هذا، فهذا متوعد بهذا الوعيد العظيم: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي». قال عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون». لماذا؟ لأنهم يضاهون بخلق الله جل وعلا. ففيه الوعيد فيمن صار ينازع رب جل وعلا في خلقه، بمعنى بتصوير المخلوقات وتكوين أشياء تشابه خلق الله جل وعلا. إن جعل العيون والأنف والآذان واليدين والرجلين، هذا فيه مضاهاة لخلق الله سبحانه وتعالى. وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جل وعلا يقول: خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، فحرمت عليهم ما أحللت لهم». فالله جل وعلا خلق عباده حنفاء، أي على الفطرة. فهذا فيه بيان أن الله جل وعلا هو الذي خلق، وهذا من النصوص الواردة في ذكر خلق الله جل وعلا لعباده. واختلف في هذه المرتبة القدرية الذين قالوا: العباد يخلقون أفعال أنفسهم. فجعل العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، جعل العبد مخلوقا لله عز وجل وفعله مخلوقا لنفسه، أي للعبد. وهذا باطل؛ لأنه تعطيل لكامل هذه المرتبة التي أثبتها الله عز وجل. حين يقولون: العبد يخلق فعل نفسه، استثنوا هذا من خلق الله، استثنوا هذا من خلق الله جل وعلا، كأنهم يقولون: إلا أفعال العباد، يعني أنها ليست مخلوقة لله. إذن صار الله جل وعلا ليس هو خالق كل شيء. لماذا؟ لأن هؤلاء يقولون: العبد يخلق فعل نفسه. إذن فعل العبد ليس من خلق الله جل وعلا. والله جل وعلا يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. والله جل وعلا يقول: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. الله خلقكم وما تعملون، خلقكم أيها العباد وما تعملون أيضا كذلك، أي أعمالكم التي تعملونها فهي من خلق الله جل وعلا. الأفعال الصادرة من العباد هي من خلق الله جل وعلا. ولا يمنع هذا أن يكون لهم المشيئة والاختيار. المشيئة والاختيار: فالعباد لهم مشيئة واختيار، يختارون إما طريق الهدى وإما طريق الضلالة، وإما طريق الشكر وإما طريق الكفران. ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. ف للعبد مشيئة وله اختيار، يختار... يختار. وهذا الاختيار من العبد هو عمل. إذا اختار العبد شيئا، هذا عمل من أعمال العبد. هذا العمل الصادر وهو الاختيار، المشيئة من العبد، هو خلق لله سبحانه وتعالى. ف للعبد يختار ويشاء، وله مشيئة واختيار، وهذه المشيئة والاختيار للعبد هي من خلق الله سبحانه وتعالى، لأن مشيئة العبد واختيار العبد عمل منه، وأعمال العباد مخلوقة لله سبحانه وتعالى. وهذه المشيئة والاختيار الذي جعله الله سبحانه وتعالى للعباد هو تابع لمشيئة الله جل وعلا، تابع لمشيئة الله جل وعلا. ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. أي أن مشيئة العباد تابعة لمشيئة الله جل وعلا، تابعة لمشيئة الله جل وعلا التي علم بها جل وعلا مشيئة العبد. فالله جل وعلا هو الذي خالق العباد، وهو يعلم ما يشاءون وما يختارون، لأنه لا يخفى عليه شيء جل وعلا، لا يخفى عليه شيء جل وعلا من أعمال عباده. فهو سبحانه وتعالى يعلم ما يختار عباده. فعلمه جل وعلا باختيار عباده، وعلمه جل وعلا بمشيئتهم، فشاء لهم ما شاءوا، شاء لهم ما علم أنهم يشاؤونه. فالأمر مرتبط بعلم الله جل وعلا الذي لا يخفى عليه شيء. الذي يعلم ماذا يعمل عباده وهو الله سبحانه وتعالى، قد علم مشيئتهم التي يشاؤونها ويشاءونها. فإذا جعل ذلك لهم، وشاء لهم ما شاءوا، لا ينفي هذا أنه لم يجعل لهم اختيارا ولم يجعل لهم مشيئة، بل جعل لهم اختيارا ومشيئة، علمها منهم، علمها منهم أنهم يختارونها. فلما علم أنهم يختارون ذلك ويشاءون ذلك، شاء لهم ذلك سبحانه وتعالى، لعلمه السابق بما يختار عباده وما يشاءون. كما قال سبحانه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. خلافا للجبرية الذين عطلوا العبد عن الاختيار والمشيئة، وقالوا: العبد لا اختيار له ولا مشيئة، وإنما هو كالريشة في مهب الريش، وأفعاله الصادرة منه إنما هي أفعال غير اختيارية، ما يفعلها باختياره. نعم، كما أن الريشة تلك تتحرك، لا تتحرك باختيارها، وإنما الريح تحركها. فجعل العبد كالريشة، لا يفعل باختياره، وإنما هناك شيء يحركه، ويزعمون أن ذلك هو فعل الله جل وعلا. ولذلك وقعوا في الطوام: جعلوا المعاصي الصادرة منهم طاعات، جعلوا المعاصي الصادرة منهم طاعات لله جل وعلا، قالوا: لأنها من فعل الله والله يرضاها. والجبرية كذلك منهم الأشاعرة الذين قالوا بالجبر في الباطن والاختيار في الظاهر. قالوا: العبد في ظاهره أنه مختار ويفعل العمل باختياره، لكنه في الباطن مجبور، ونسبت إليه الأعمال وأنه فعلها، من باب الكسب، من باب الكسب. لما واقعها اكتسبها. ولذلك اخترع أبو الحسن الأشعري لفظ الكسب، الذي هو من محالات العقول، وترفضه العقول، ومن الأقوال والأفهام التي لا تدنو للأفهام، يعني إنها مرفوضة ومخالفة للعقل والنقل. وهو أنهم يجعلون العبد كالسكين التي تقطع. فإذا أخذ أحد السكين وقطع بها، قالوا: قطعت السكين الخبز، قطعت السكين الخبز. والحقيقة إنما قطعت بمحرك آخر، وهي اليد التي حركت هذه السكين فقطعت الخبز. قالوا: هكذا العبد يفعل العمل، وظاهره أنه هو الذي فعل العمل. إذا قام صلى، أو إذا قام فعل كذا أو فعل كذا، طاعة ومعصية، ظاهره أنه هو الذي يفعل، فالظاهر. لكنه في الباطن مجبور، يعني محرك بشيء يحركه. هذا الجبر، أو هذا الكسب عند الأشاعرة، كله ضلال. بل العبد يفعل العبد باختياره، غير مجبور، لا في الظاهر ولا في الباطن. بل يفعل العبد العمل باختياره. وحين يقوم يصلي، هل يشعر بأن أحدا يدفعه؟ أبدا. وحين يصوم، وحين يفعل المعصية، هل يشعر بأن أحدا يدفعه وأنه مجبور على هذا الفعل، وكأنه يحرك وأنه يدفع؟ أبدا. فكيف يقاس ذلك الفعل، فعل السكين في قطع الخبز، بعمل أو فعل الإنسان؟ فعل السكين واضح: هناك من يدفعها ومن يحركها. نعم، ما تحركت من نفسها وقطعت، وإنما قطعت لما حركت. لكن الإنسان، ما الذي يدفعه؟ أيرى أحدا يدفعه لكي يصلي؟ أبدا. يقوم باختياره وبمشيئته، يفعل باختيار وبمشيئة جعلها الله سبحانه وتعالى له. وهكذا القدرية الذين جعلوا العبد مستقلا بمشيئته، وأن مشيئته غير تابعة لمشيئة الله جل وعلا، فعطلوا الله جل وعلا عن عموم مشيئته. والآية رد على الطائفتين، وهي من النصوص المحكمة في كتاب الله جل وعلا. كما أن قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على طائفتين: أهل التمثيل وأهل التعطيل. أهل التمثيل الذين مثلوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، في هذه الآية رد عليهم بقوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وأهل التعطيل الذين عطلوا صفات الخالق، في الآية رد عليهم بقوله جل وعلا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وهذه الآية: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فيها رد على هاتين الطائفتين: الجبرية والقدرية. الجبرية الذين لم يثبتوا مشيئة واختيار للعبد، والله جل وعلا قال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، فأثبت مشيئة للعباد. ورد على القدرية الذين قالوا: العبد مستقل بمشيئته، ومشيئته غير تابعة لمشيئة الله، والرد عليهم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فهذه من النصوص المحكمة التي فيها الرد على أهل الزيغ والضلال، وفيها الحجة لمذهب أهل السنة والجماعة الذين قالوا: للعبد مشيئة واختيار، وهذه المشيئة والاختيار تابع لمشيئة الله جل وعلا واختياره، لما علم من اختيار عبده، لما شاء أن يختاره. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالعباد وأفعالهم. قال الإمام البخاري رحمه الله: رسالة عظيمة في الرد على هؤلاء القدرية، وهي "خلق أفعال العباد". فيها الأدلة التي تدل على منهج أهل السنة والجماعة، وبيان ضلال هؤلاء، بإقامة الأدلة على أن العباد وأعمالهم مخلوقة لله سبحانه وتعالى، ولا ينافي هذا أن للعباد مشيئة واختيار. فلهم مشيئة واختيار، والله جل وعلا خلق أفعالهم. الفعل الصادر من العبد من خلق الله، والمشيئة والاختيار جعله الله سبحانه وتعالى لعباده، وهذه المشيئة والاختيار بمشيئة الله سبحانه وتعالى. فهذا ما يتعلق بهذه المرتبة، وهي مرتبة الخلق. قال رحمه الله تعالى: "وهذه المراتب الأربع شاملة لما يكون من الله تعالى نفسه، ولما يكون من العباد. فكل ما يقوم به العباد من أقوال أو أفعال أو تروك، فهي معلومة لله تعالى، مكتوبة عنده، والله تعالى قد شاءها وخلقها". قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. قال رحمه الله: "ولكننا مع ذلك نؤمن بأن الله تعالى جعل للعبد اختيارا وقدرة، بهما يكون الفعل". والدليل على أن فعل العبد باختياره وقدرته أمور: الأول: قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾. قال: فأثبت للعبد إتيانا بمشيئته، وإعدادا بإرادته. ذكر رحمه الله تعالى هذه النصوص في بيان ما يتعلق بمرتبة الخلق، وأن الله سبحانه وتعالى قد شاء ذلك من عباده، أي الأفعال التي فعلوها. ولو لم يقدر جل وعلا أنهم يفعلونها، لما كتب ذلك وشاء ذلك. لكن ما صدر من العباد فهو بمشيئة الله سبحانه وتعالى التي شاءها وكتبها. فإذا صدرت من عباده، نعم كانت وفق مشيئته سبحانه وتعالى، وأفعالهم التي تصدر منهم هي خلق لله سبحانه وتعالى. وذكر رحمه الله تعالى الأدلة التي تدل على أن للعبد اختيارا وقدرة ومشيئة يفعل بها. فذكر قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. فهذه الآية فيها بيان أن العبد هو الذي يقوم بهذا. فالله جل وعلا جعل له المشيئة في هذا الأمر، يأتي حرثه أنى شاء، أي كيف شاء، بما يوافق شرع الله سبحانه وتعالى. فهذا يدل على أن الله جل وعلا جعل هذا العبد يختاره ويعمله بنفسه، فأضافه إلى عبده، يختار ذلك ويفعل ذلك ويشاء ذلك. وكذلك الآية التي هي قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾. فهذا الإعداد من العبد يدل على أن الله جل وعلا خيرهم في ذلك، أمرهم بهذا الإعداد. فهم إذا صدقوا مع الله جل وعلا وأرادوا الخروج حقا، لأعدوا العدة، ولا أحد يمنعهم من إعداد العدة. فالأمر إليهم، أمروا بذلك. فمن الناس من امتثل وصدق مع ربه جل وعلا، فقام بهذا الفعل وأعد العدة بمشيئته واختياره. ما فعل ذلك مكرها، وما دفع لما قام يعد العدة أبدا. وذلك كذلك الذي فرط وقعد ولم يخرج، ما أحد دفعه لما قام. إذا قام يريد إعداد العدة، ما دفع ليقعد. نعم، وأيضا لا يجد نفسه مكرها على القعود وأن لا يخرج أبدا. جعل الله سبحانه وتعالى لهم مشيئة واختيارا. لكن الذي بقي: التوفيق. التوفيق: فالله جل وعلا وفق هؤلاء وأعانهم، لما صدقوا مع الله سبحانه وتعالى. وهؤلاء لم يوفقهم جل وعلا. وهذا ليس بلازم عن الله جل وعلا، ليس بلازم عن الله جل وعلا أن يوفق الجميع. هكذا اقتضت حكمته سبحانه وتعالى. فالإعانة شيء زائد من الله جل وعلا على فعل العبد، هو ما أمر بأن يفعل، هو ما أمر بأن يفعل. عنده مشيئة واختيار يفعل بهما. التوفيق من الله جل وعلا لمن شاء من عباده. لا يقول العبد: لم يوفقني الله. أنت مأمور بفعل الطاعات. وما يدريك أن الله جل وعلا لم يوفقك، لم يوفقك؟ هل حرصت؟ هل أخذت بالأسباب؟ هل أخذت بالأسباب حتى تقول: الله جل وعلا لم يوفقني؟ هل قمت تتوضأ لكي تصلي؟ إذا كنت صادقا تريد الصلاة، نعم، هل دخلت المسجد؟ جلست خارج المسجد ولم تدخل المسجد. لماذا لم تصلي؟ قال: لم يوفقني الله. من الذي أعلمك؟ من الذي أعلمك أن الله جل وعلا لم يوفقك ولم يهدك؟ هل أخذت بالأسباب؟ هل تقربت إلى الله جل وعلا؟ هل دخلت المسجد فأطردت منه؟ بعد ذلك خرجت. إذا قلت لك: لماذا لم تصلي؟ قال: لم أصل. دخلت المسجد فأخرجت وأطردت، سحبت سحباً؟ أبدا. نعم، فأنت عندك مشيئة واختيار. إذا أنت صادق مع الله جل وعلا، أمر التوفيق وعدم التوفيق هذا أمر غيبي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. أنت مأمور بالأخذ بأسباب الطاعات وفعل الطاعات. افعل الطاعات، تقرب إلى الله جل وعلا. انظر: أحد سيردك؟ أبدا. والله ما أحد سيردك إذا أنت صادق. عندك مشيئة وعندك اختيار. تريد أن تصلي، تريد أن تفعل الطاعات، بمشيئتك واختيارك. لا تكره على ذلك أبدا، وإنما تفعل ذلك بقدر اختيارك. فهذا شيء واضح ومحسوس، لا يرده أو يغالط فيه إلا مكابر، إلا مكابر. وإلا هذا شيء محسوس عند كل أحد: أنه إذا أراد أن يأتي بالطاعة، لا يجد أحدا يرده. نعم، ولا يجد كذلك أحدا يدفعه إلى المعصية دفعا، ويسحبه للمعصية سحباً. أبدا. هو يفعل ويقوم ويخطط ليسرق، أو ليفعل كذا، أو ليقتل، أو كذا. نعم، بمشيئة واختيار. نواصل في درس لاحق. وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. اشتركوا في القناة.