الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 100، الدرس المائة:من( فصل:باب عقوبة من خادع النبي صلى الله عليه وسلم ... فأصبح قد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ذكر الشيخ أبو عبد الرحمن مقبل بن هاد الوادعي حديثًا يدل على عقوبة من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أخرجته الأرض ثلاث مرات بعد دفنه، وهذا يعد آية من آيات صدق رسالة النبي. هذا يدل على أن الله يؤيد رسوله بمعجزات وعقوبات لمن يكذب عليه.
يجب معاملة الناس على أساس ما يظهرونه وترك بواطنهم لله تعالى، والكذب يؤدي إلى الفجور والنار ولا يمكن للكاذب أن يمر دون أن يفضحه الله. هذا يؤكد أهمية الصدق في التعامل مع الناس.
يُناقش أهمية معرفة دين الشخص قبل تقديمه كإمام، ويحذر من الاكتفاء بمظاهر الحفظ والقراءة دون التأكد من صلاح الشخص. النبي صلى الله عليه وسلم كان يولي أهمية لتعيين الإمام الصالح.
يشرح كيف أن الله عز وجل يعاقب المفسدين في الأرض، مستشهدًا بوقائع في زمن الصحابة وما يحدث حتى يومنا هذا. الله يمهل ولا يهمل وإذا أخذ أحدًا أخذه أخذ عزيز مقتدر.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هاد الوادعي، رحمه الله تعالى، في كتابي «الصحيح المسند من دلائل النبوة»: قال رحمه الله تعالى: فصل باب عقوبة من كذب على نبي صلى الله عليه وسلم. قال البخاري، رحمه الله: حدثنا أبو معمر، وهو عبد الله بن عمر المنقري، قال: حدثنا عبد الوارث، وهو ابن سعيد التنوري، قال: حدثنا عبد العزيز، وهو ابن صهيب البناني مولاهم، وابنان من قريش، قال: عن أنس رضي الله عنه قال: كان رجل نصرانيًا فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاد نصرانيًا -يعني ارتد بعد أن رجع إلى قومه- فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، كذب على النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه، فحفروا له فأعمقوا -يعني زادوا في الحفر- فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه خارج القبر، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح قد لفظته الأرض، ومعنى أن ثلاث مرات الأرض تطرده وتخرجه إلى الأعلى، قال: فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه. قال: وأخرجه مسلم. أورد شيخنا رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لدلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته، وقد ذكر ذلك قبله من صنف في دلائل النبوة. والشاهد منه أن الله عز وجل جعل من دلائل نبوة وصدق رسالته عقاب من فعل مثل هذا الفعل، فكان آية تدل أنه عذاب من الله وتأييد لرسوله عليه الصلاة والسلام. ومثل هذا لا يفعله الناس ولا يستطيعونه، فعلم بذلك أن هذا من الآيات التي أيد بها نبينا عليه الصلاة والسلام. فمن كان منصفًا علم واستيقن أن مثل ذلك لا يكون إلا من علامات صدق رسالة ما بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام، ولكن للأسف أكثر الناس لا ينصفون ويكابرون، وإلا أهل العدل لا يجد بدًا إلا أن يقر بهذا الحق ويشهد لنبينا عليه الصلاة والسلام بالرسالة. وفي الحديث مسائل أخرى، من هذه المسائل وجوب معاملة الناس على ظواهرهم، فإن هذا الرجل كان نصرانيًا فأظهر الإسلام والله أعلم بباطنه، فأعطاه المسلمون ما ظهر من إسلامه، فعاد نصرانيًا فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، افترى على النبي عليه الصلاة والسلام، بل افترى على الله سبحانه وتعالى، فعاقبه الله بهذا العقاب. فالشاهد: أهل الإسلام أمروا أن يعطوا الناس على ظواهرهم، وما كان من بواطنهم فأمره إلى الله سبحانه وتعالى. وليس شيء أدل ويؤكد ذلك بمثل حال المنافقين، فقد أخبر الله عز وجل النبي عليه الصلاة والسلام ببعض أعمالهم الخفية، ومع ذلك أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم ما أظهروا من أعمالهم. وفيه كذلك شؤم الكذب على صاحبه، فإن الكذب حبله قصير، مهما كذب المرء فإنه لا بد أن يفضح في الدنيا قبل الآخرة. فمن أبطن نفاقًا أو أظهر خلاف ما يبطن فكان كافرًا فإنه لا بد أن يفضحه الله عز وجل في الدنيا قبل الآخرة، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى. قال: يا ربنا جل وعلا فيما حدث به نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو لا ينطق عن الهوى: «إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». فالشاهد: لا يمكن لصاحب كذب أن يمر من هذه الدنيا وقد كذب ولم يفضحه الله، لا بد وأن يفضحه الله في الدنيا قبل الآخرة، فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار. وهذا مثال من أمثلة كثيرة ونظائر عديدة في الكتاب والسنة وفي تاريخ الناس وحياتهم ما يؤيد هذا المعنى ويؤكده. وفيه من المسائل كذلك عدم الاغترار بمن قرأ القرآن وحفظه، فليس حفظ القرآن وقراءته معيار للتزكية، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الخوارج أنهم يقرؤون القرآن ومع ذلك لا يجاوز تراقيهم. فليس الشأن كل الشأن بحفظ القرآن، وإن كان هو من الأعمال الصالحة، لكن الشأن كل الشأن أن يكون المرء عاملًا بالقرآن مصدقًا له. فصاحب العمل القليل ولو لم يكن عنده حفظ خير وأحب عند الله من صاحب العمل الصالح خير وأحب عند الله من غيره، ولو كان غيره أحفظ منه وأكثر علمًا، لأن العلم إذا لم يكن معه صدق وعمل فهو حجة على صاحبه. فهذا مثال أنه قد يحفظ القرآن بعض من في قلبه نفاق وشك أو من يدخل بالإسلام ليطعن فيه. وليس أدل على ذلك حال الكثير من المنافقين قديمًا وحديثًا الذين تعلموا علوم الإسلام وربما حفظوا شيئًا من القرآن وهم كفار، ومن هؤلاء من يسمى بالمستشرقين، فالمستشرقون الكثير منهم كفار لم يدخلوا في الإسلام، وما ذلك إلا أن اعتنوا بالعلوم الإسلامية اعتنوا بالقرآن واعتنوا بالسنة، وإن كانت لهم مقاصد متنوعة ومنها محاربة هذا الدين. فلذلك لا يغتر إنسان بمثل هذا، فينبغي أن يعرف الناس الميزان والمعيار الذي يعرف به الصالح من غيره وأهل الكفاءة من غيرهم. ولذلك كان كمثال يقرب هذا المعنى من سنة النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لا يأم الناس إلا إمامهم. فهذا المعنى صح بأحاديث متنوعة كثيرة تدل عليه، فجاء في السنن من حديث أنس: «إذا زار الرجل قومًا فلا يصلي بهم، وليصلي بهم رجل منهم». قال العلماء: هذا له فوائد ومعاني كثيرة، ومن هذه الفوائد أنه قد يكون الزائر ليس كفء، فصلاة الإمام الراتب خير من صلاة الزائر ولو كان الزائر أحفظ للقرآن، لأنه قد يكون عنده حفظ لكن ما عنده عمل. وهذا كثير يقع، يأتي إنسان مثلًا في بلدة لا يعرفه الناس، جديد عليهم، فيظهر لهم أنه يحفظ القرآن وأنه يحسن الكلام فيقدمونه قبل أن يخالطونه ويعاشرونه ويعرفون دينه، فإذا بهم بعد مخالطته يعرفون أنه لا يصلح أن يكون إمامًا للناس، إذن أخطأوا حين تعجلوا فجعلوا ظاهر ما ظهر من حفظه كافيًا في تقديمه، وليس الأمر كذلك. ولا ينافي ذلك: «يا أم القوم، أقرأهم لكتاب الله»، لأن المقصود بالأقرأ لكتاب الله الأقرأ الذي عنده دين، أما من لم تعرف دينه، أنت ما عرف دين هذا الإنسان كيف تقدمه؟ فقط بمجرد أنه أظهر لك حسن قراءة، وكذلك كثرة حفظ، فهذا ليس معيار وميزان. وقد أخبرنا بعض الثقات أن رجلًا مصريًا نصرانيًا صلى بالناس جمعة وأمًا ببلدة فترة من الزمن، مدرس مبتعث يحفظ شيء من القرآن ويحسن شيء من الكلام، فصار يصلي بالناس الجمعة ويظهر لهم الإسلام، وإذا بعد فترة يكتشفون أنه نصراني ليس بمسلم. فهذه من مساوئ أن لا يعلم الناس ويعرف حالهم، فلا يتعجل في مثل هذا الباب، فيؤم القوم أقرأهم لكتاب الله ممن عرف دينه، وأما من لا يعرف دينه كيف يقدم؟ ربما يكون من أهل الأهواء، فضلًا أن يكون منافقًا أو غير ذلك. ولا يعني ذلك سوء الظن بالناس، ولكن يعني ذلك أن لا نجعل الناس محل عبث، فهذا الدين يأمرنا بالمحافظة على هذه الأمانات حتى لا يعبث العابثون بالمجتمع. وفيه من المسائل كذلك ما يجعل الله عز وجل من الآيات في عقاب المنافقين والمفسدين، فإن هذا من سنة الله عز وجل. وهذا الحديث يدلنا على شيء من ذلك، وقد وقع كذلك في زمن الصحابة نحو ذلك من عاجل عقاب الله عز وجل لبعض المفسدين، وهكذا هو إلى يومنا هذا يجد الناس آيات في عقوبة الله عز وجل للمفسدين في الأرض، سواء من رؤوس الكفر أو كان سلك مسلكهم، فللناس في ذلك قصص وأخبار كثيرة تدل على أن الله عز وجل يمهل ولا يهمل، وأنه إذا أخذ أخذ عزيز مقتدر سبحانه وتعالى، فيجعل للناس في ذلك آيات وعبر. وكم قد أهلك الله عز وجل وعذب أممًا فضلًا عن أفراد بما فيه للناس آية وعبرة. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم.