الدرس في شرح كتاب الأصول الثلاثة 17، الدرس السابع عشر:من(أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد ... ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد في مكة لمدة عشر سنين قبل نزول معظم الفرائض. ثم عرج به إلى السماء وفُرضت عليه الصلوات الخمس، فصلى بها في مكة ثلاث سنين.
أُمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلوات الخمس أثناء رحلة المعراج، وصار أداؤها فريضة يومية. استمرت هذه الصلاة في مكة حتى الهجرة إلى المدينة.
أمر الله نبيه بالهجرة إلى المدينة التي أصبحت دار إسلام، وعرّف المؤلف الهجرة بأنها الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. بيّن أن الهجرة فريضة باقية إلى قيام الساعة مع انقطاع هجرة مكة للمدينة بعد الفتح.
اختلف العلماء في وجوب الهجرة من بلد إسلامي تظهر فيه البدع والمعاصي، ورجحوا أنها تتفاوت حسب قدرة المسلم على إقامة دينه وإنكار المنكر. استدلوا بآيات سورة النساء والعنكبوت وبحديث «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة».
اختتم المتحدث الجلسة بالدعاء بالتوفيق له وللحضور، ثم ردد دعاء الختم المعروف: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: أخذ على هذا عشر سنين يدعو إلى التوحيد، وبعد العشر عرج به إلى السماء، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وصلى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أمر بالهجرة إلى المدينة. والهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة. والدليل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾. وقوله تعالى: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾. قال البغوي رحمه الله: سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان. والدليل على الهجرة من السنة: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها». هذه الفقرة من كلام المؤلف رحمه الله تعالى، أولها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ يدعو الناس إلى التوحيد عشر سنين في مكة، عشر سنوات يدعو إلى الأمر المهم والعظيم وهو توحيد الله عز وجل، ولم تكن هناك كثير من الفرائض قد فرضت. عشر سنين في مكة لم تكن كثير من الفرائض قد فرضت، كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك، وإنما أول تخليص الناس مما وقعوا فيه من عبادة غير الله سبحانه وتعالى. ثم بعد ذلك، أي بعد العشر السنوات، عرج به إلى السماء. هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل ذلك؟ ذكر العلماء أنه كان يصلي، كان يصلي عليه الصلاة والسلام قبل أن يعرج به إلى السماء وتفرض عليه الصلوات الخمس، حتى قال بعضهم: إن الصلاة كانت في أول النهار وفي آخر النهار، صلاة الفجر وصلاة المغرب، ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾، وكذلك ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴾، كانت صلاتان في اليوم. ثم بعد ذلك عرج به إلى السماء، عرج به بالمعراج، والذي عرج به هو جبريل عليه السلام، وربطت الدابة التي أسري عليها من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ربطت عند بيت المقدس، ثم عرج به على السلم، لأن المعراج معناه السلم، والعروج الصعود، فصعد به صلى الله عليه وسلم إلى السماء السابعة، حيث سمع عليه الصلاة والسلام صريف الأقلام، وكلمه الله عز وجل، كلمه كما كلم الله عز وجل موسى، وسمعه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي هذا رد على أولئك الذين يقولون: إن كلام الله معنى واحد قائم بالذات، أو هو كما يقولون: الكلام النفساني، وإنما جاء بعد ذلك تعبير، تعبير جبريل عبر عما في نفس الله عز وجل، وهذا كلام باطل، كلام الأشاعرة، هذا كلام باطل. فالله عز وجل تكلم بحرف وصوت، وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم، ليس بينه وبين ربه أحد، أي واسطة. لما فرض عليه الصلوات الخمس، فرضت عليه الصلوات الخمس من فوق سبع سماوات، وهذا يدل على أهمية الصلاة، وأن العبد ينبغي عليه أن يحافظ على هذا الركن العظيم، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام. فهذه نعمة عظيمة، وأيضا في العروج والصعود إلى السماء وتكليم الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عليه السلام، هذا فيه دليل على تسليته بعد أن صده قومه وآذوه، فسلاه الله عز وجل بأن رفعه تلك المنزلة العظيمة التي لم يبلغها أحد من البشر، فرفعه الله إلى فوق سبع سماوات، وفرض عليه تلك الصلوات الخمس، وهي خمس في العدد وخمسون في الأجر، نعمة من الله سبحانه وتعالى، ينبغي علينا أن نحافظ على هذه الشعيرة العظيمة من شعائر الإسلام. صلى في مكة ثلاث سنين، أي بعد أن فرضت عليه الصلوات الخمس، صلى في مكة بالصلوات الخمس هذه التي هي معروفة: الفجر، الظهر، العصر، المغرب، العشاء، كم؟ ثلاث سنين، يصلي عليه الصلاة والسلام هو ومن معه من من آمن به عليه الصلاة والسلام من الرجال والنساء، فكمل بذلك ثلاثة عشر عاما في مكة. الدعوة في مكة منذ أن بعثه الله في الأربعين إلى أن هاجر، ثلاثة عشر عاما يدعو الناس إلى التوحيد. وبعد العشر، قال: وبعد هاي، بعد الثلاث، أمر بالهجرة إلى المدينة، أمره الله سبحانه وتعالى بأن يهاجر إلى المدينة، لأن المدينة أصبحت مأوى لأهل الإيمان ولأهل الإسلام، قد هيئت الدعوة هناك، وهكذا الذي يجد مكانا طيبا للدعوة إلى الله يذهب إليه يدعو، وأيضا يعبد الله سبحانه وتعالى بدون إيذاء. مكة فيها إيذاء، ولهذا أمره الله عز وجل أن يهاجر إلى المدينة، لأن في تلك الفترة مكة دار كفر، والمدينة دار إسلام، دار إسلام، فأمر من الله سبحانه وتعالى أن يهاجر. وكذلك قال: والهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. بلد الإسلام: المدينة صارت بلد إسلام، هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم ليقيم الشعائر الإسلامية، ويعبد الله سبحانه وتعالى هو ومن معه من أهل الإيمان بدون إيذاء، خلاف من كان في مكة، فإنه كان يؤذى ويضرب وربما قتل. يقول: الهجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. هذا التعريف:سمى التعريف الاصطلاحي، والتعريف العام اللغوي، لأن اللغة أوسع. الهجرة معناها الترك، معناه: الهجرة في اللغة ماذا؟ الترك والانتقال، الترك والانتقال. وأما التعريف الذي هو اصطلاحي فهو يكون خاص، فيكون انتقال من بلد شرك أو كفر إلى بلاد إسلام. هذه الهجرة الشرعية. والهجرة من مكة إلى المدينة قد انقطعت، قد انقطعت لماذا؟ لأن مكة بعد ذلك صارت دار إسلام بفتح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عام الفتح، لا، قد انقطعت، ولهذا قال: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا». المسلم يجب عليه أن يهاجر من بلاد كفر وشرك إلى بلاد الإسلام، لأن المراد من الهجرة هو وهي عبادة الله بدون إيذاء، أنه يقيم الشعائر الإسلامية جميعها بدون أن يضرب أو يسجن أو أنه يفعل به ما لا يتحمله. ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: والهجرة فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. أي بلاد فيها الشرك وكفر. وتعريف دار الشرك ودار الكفر كما قال أهل العلم: هي التي يكون الغالب عليها الكفر والشرك، بمعنى أنه ظاهر وسائد، ظاهر وسائد، الغالب عليها ظاهر، سيسمى دار كفر. أما الحكم على الناس، هل يقال لهم مشركين وكفار؟ لا، ما يحكم على كل منهم بحسبه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه الدار مثلا التي يحكمها كفار، والغالب عليها الكفر، وكفر ظاهر، والشرك ظاهر، يقال لها دار كفر. لأن الناس الذين يقيمون فيها، تعبداتهم وشعائرهم يقيمونها على ملة الكفر. إذا كان الكفر فيها سائدا وظاهرا، يقال لها دار كفر. حكم على الناس: يقال كل بحسبه، كل بحسبه، فلا يحكم على الشخص بعد ذلك إلا بما يعمله. فريضة على هؤلاء، ما يوجب عليهم ينتقلوا حتى يقيموا الشعائر التعبدية بدون إيذاء. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة بأن يهاجروا من مكة إلى المدينة، وقد كانوا قبل ذلك هاجروا الهجرتين إلى أرض الحبشة. وهل تسمى الآن الهجرة إلى أرض الحبشة هجرة؟ مع أنهم يسمونها هجرة، ولا لا؟ قلنا: الهجرتين، هاجر الهجرتين، يعني هاجر إلى الحبشة أو المدينة، يتعرف بطريق بعض الصحابة. طيب، مع أننا قلنا في تعريفها: هي الانتقال من بلاد الكفر إلى بلاد إسلام، وهل الحبشة كانت بلاد إسلام؟ ما كانت بلاد إسلام، ولا لا؟ كانوا على دين النصارى، النجاشي كان ماذا؟ كان على دين النصارى قبل أن يسلم. فلان انتقلوا من مكة دار كفر، قبل أن يهاجر إلى مدينة، إلى دار كفر أخرى. هل هذا تسمى هجرة، أو لماذا تسمى هجرة بالمعنى الاصطلاحي؟ قال العلماء: لا تسمى هجرة، لكن بالمعنى اللغوي تسمى هجرة، لأنها انتقال من بلد إلى بلد، الانتقال والتحول والترك، هذا يقال له لغة: هجرة. فيكون هجرة الصحابة من باب المعنى اللغوي إلى فين؟ إلى الحبشة، من باب المعنى اللغوي. ومنه من قال: بل هي بالمعنى الاصطلاح، لكن هناك تعريف آخر ذكروه، الإمام النووي رحمه الله تعالى في معنى الهجرة، وهو: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن، سواء كانت هذه دار الأمن دار كفر أو دار سلام، بغض النظر. دار الخوف: مكة كانت دار خوف، ما يستطيعون يعبدون فيها الله. الحبشة كانت دار أمن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اذهبوا إلى الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد»، معنى أنهم سيكونون آمنين، ما سيظلمهم. فهذا التعريف الثاني للإمام النووي رحمه الله تعالى الذي ذكره في معنى الهجرة الاصطلاحية، أيضا يقول: إنه ليس الهجرة هي انتقال من بلاد شرك إلى بلاد إسلام، وإنما أيضا لها معنى آخر: انتقال من بلاد خوف إلى بلاد أمن. فيكون على هذا ماذا نقول؟ يصح أن يقال للذين هاجروا للحبشة: لهم هجرة، ولها هذا، النبي صلى الله عليه وسلم سماها هجرة، وقال: «أنتم أصحاب الهجرتين، لكم أجران». طيب، قال: فريضة على هذه الأمة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. وكذلك ذكر العلماء أنه يدخل في هذا ترك بلاد البدع والمعاصي إلى بلاد السنة والطاعة، السنة والطاعة. ولهذا ذكروا عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه قال: لا يحل لأحد أن يسكن، أو قال: يجلس في بلد يسب فيها السلف، يعني بلاد انتشر فيها سب الصحابة ومن تبعهم بإحسان، لا يحل للشخص يجلس فيها، انتشر فيها، فاسم هؤلاء هو أهل بدع، لهذا ينتقل، لأنه ما يستطيع أن يدافع، سيؤذى، هؤلاء يسبون الصحابة، ينتقل من هذه الدار إلى دار أخرى، أو بلاد كثرة فيها الزينة والربا وكذا وكذا من المعاصي والفواحش، ينتقل منها إلى بلاد ليس فيها معاصي. وقد حصل ذلك في زمن بني إسرائيل، في ذلك الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، وقال له ذلك العالم: إن بلدك بلاد معصية، فرحل إلى بلد، إلى قوم يعبدون الله تعالى، فاعبد الله معهم. يعني هنا نصحه ذلك العالم، قال العلماء في هذا: إن الانتقال من بلاد البدع والمعاصي قد يكون واجبا، وقد يكون مستحبا، حسبه، لأن العلماء رحمهم الله تعالى ما كلهم رأى أن ذلك يجب. واضح: هذه البلاد بلاد إسلام، لكن فيها معاصي، أو فيها بدع، هن بلاد الإسلام، يظهرون دين الإسلام، يرفعون فيها الأذان، يصلون صلوات، لكن فيها معاصي. أما الواجبة وفريضة فهي من بلاد شرك إلى بلاد الإسلام، هذا ما في خلاف. لكن من بلاد إسلام إلى بلاد إسلام، إلى بلاد طاعة، لأن بلاد المسلمين تختلف، فبعض البلاد الإسلام فيها فيها المعاصي منتشرة، ما يستطيع المسلم أنه يعني ينكرها، وإذا ينكرها أوذي. بعض بلاد الإسلام فيها العري والعياذ بالله، النساء يخرجهم يعني لابسات إلى الركب أو إلى الفخاذ، ولا أحد يستطيع يكلمهن، وكذلك الحجاب، حجاب كأنك يعني تعيش في بلاد نصارى، من النساء التي تراهم، التي تراهم في الشوارع والعياذ بالله. فهذه الآن بلاد معاصي، مع أنها هذه بلاد، بلاد إسلام محسوبة ضمن بلاد المسلمين، مثل لبنان هذه، أو بيروت، أو غيرها، أو تونس، فيها يعني معاصي كثيرة، وهي بلاد إسلام، يقوم عليها بأنها من بلاد المسلمين. هؤلاء العلماء يرون ماذا؟ يرون أن الهجرة منها مستحبة، ومنهم من يقول: بل واجبة، إذا أوذي ولم يستطع أن يعبد الله عز وجل، أو خاف على عرضه، فإنه يهاجر منها. وذكروا في ذلك مثلا: أن في بغداد قد انتشر في بعض الأزمنة في بغداد، يعني انتشرت الفواحش، وانتشرت البدع، كبدعة القول بخلق القرآن وغيرها، فبعض العلماء رأى الهجرة منها، فهاجر وخرج يحفظ بدينه، وبعضهم مكث وصبر للدعوة إلى الله وإنكار المنكر، مثل الإمام أحمد رحمه الله تعالى، صبر في محنة خلق القرآن، وكان في بغداد، مع أن الحكم لأنه قد تكون هناك حاكم دولة يكون على رأي أهل البدع والأهواء، ويفتن الناس ببدعة من البدع، إما تقول بها وإما تقتل، فقد قتل بعض العلماء في فتنة خلق القرآن في زمن الواثق، في زمن الواثق. فهذه مسألة فيها خلاف بين العلماء، أي في الهجرة من بلاد الإسلام إلى بلاد الإسلام، لكن بلاد الإسلام هذه فيها بدع ومعاصي، هل هي واجبة مستحبة؟ فمن العلماء من يرى وجوبها، ومنهم من يقول مستحبة، ومنهم من يقول: كل بحسبه، ينظر في حاله، إذا استطاع أن يقيم دينه بدون إيذاء، مع قوته وصلابته في الدين وإنكاره للمنكر، فهذه في حقه مستحبة، هذه في حقه مستحبة، ولا يلزمه الهجرة من ذلك البلاد، ما أمن مطمئنا قائما بما يجب عليه في دينه. قال: وهي باقية إلى أن تقوم الساعة، يعني أن الهجرة من بلاد المعاصي إلى بلاد الطاعة، وبلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، هذه باقية إلى أن تقوم الساعة، كما سيأتي في الحديث: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة»، والتوبة متى تنقطع؟ إذا طلعت الشمس من مغربها. يعني الهجرة باقية. والدليل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ﴾، يعني هذه الآية من سورة النساء، الملائكة توبخ هؤلاء، ظلموا أنفسهم بماذا؟ فيما كنتم، أين كنتم، ماذا تعملون؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، نحن مستضعفون. قالوا: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾، أنتم تقولون أنكم ما استطعتم تقيموا الشعائر، ما استطعتم تقيموا دينكم، أرض الله واسعة، لماذا ما خرجتم، ما هاجرتم؟ ﴿ فَتَهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾. قالوا: اختلف العلماء، هل هؤلاء الذين توفاهم الملائكة ظالمين، هل هم من أهل الإيمان، أم هم كفار، أم هم كفار في الأصل؟ يعني أن وقفتهم عند الموت، هل هم كفار، أم هم أهل إيمان؟ بخلاف الآية الثانية، فهم مؤمنون، لأنه قال: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ﴾، ختموا بسم الإيمان. لكن في هذه: ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾، ظلم أنفسهم، قالوا: إما أن يكونوا ظلموا أنفسهم بالمعصية، وإما أن يكونوا يعني بالمعصية التي دون الشرك، وإما أن يكونوا ظلموا أنفسهم بالشرك، بالبقاء في بلاد الشرك. ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾، دل على أن البقاء في أرض الشرك إما أن يكون كفرا وشركا، عياذا بالله، وإما أن يكون كبيرة من الكبائر، لأنه متوعد عليه بالعذاب الأليم، وهو جهنم وساءت مصيرا، وهذا ما يكون إلا لعظيمة من العظائم. فإما أن يكون هذا الجالس راضيا بما عليه المشركون، ويخرج معهم، ويعينهم، وإما أن يكون غير راض، لكنه ماذا؟ فإن كان الأول، فإنه منهم، وإن كان الثاني، فهو عاص ببقائه مع استطاعته للخروج من بلاد الشرك، لأن الجلوس في بلاد الشرك يعتبر إعانة لهم، إعانة لهم، وربما يكون فيه نصرة لهم أو تأييد لهم، وتكثير لسوادهم، كما جاء في حديث الأسود بن نغيز، عن ابن عباس، أنه كتب في غزوة، وفي بعث، فأنه هو ابن عباس، أن يخرج، يعني أنه لا يكثر سواد أهل الشرك، ما يجوز الإنسان يكثر سواد أهل البدع والضلال، أو أهل الشرك، يجي يسمعهم، يكثر سوادهم. وهكذا هنا، عذر الله عز وجل المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾. إن كانوا مؤمنين، فإن الله عز وجل عذر منهم من كان مستضعفا من الرجال، كان يكون كبيرا في السن، أو النساء التي ليس لها محرم، أو ما تستطيع السفر، والولدان، أي الأطفال الصغار. هؤلاء لعجز هذه الأصناف الثلاثة معذورون، والله عز وجل يعلم من هو المعذور من غير المعذور، ومن هو المستطيع من غير المستطيع. ﴿ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾، وعسى في القرآن للتحقيق، أي أن الله عفا عنهم، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾، وهذه دل على رحمته سبحانه وتعالى، وأنه حكم عدل لا يظلم أحدا. وقوله تعالى: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾، قال البغوي رحمه الله: سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا. هذه الآية الثانية في العنكبوت، الآية الثانية في سورة العنكبوت، إنها نزلت في أولئك الذين خرجوا بعد ذلك في غزوة بدر، لأنهم كانوا مستخفين بإسلامهم، لو أظهروه لقتلوا، لعذبوا، هم ما يريدون، فهم يظهرون لأهل الشرك أنهم نحن وأنتم سواء، ما يظهرون شيء من دين الإسلام، ما يظهرون شيء من دين الإسلام. ولهذا لما قالوهم: تعالوا نخرج إلى الغزوة لقتال ضد المسلمين، خرجوا معهم على أنهم مثلهم، لأنهم لو قالوا: لا، نحن ما سنخرج، نحن مسلمون، نوما بالله، لقالوا: أنتم إذا عرفناكم، أنتم مستخفون بالإسلام، فيعذبونهم. ولهذا خرجوا معهم، ظلموا أنفسهم بالخروج مع أهل الشرك، وربما جاء السهم في أحدهم فقتل، وظن من المشركين، عياذا بالله، هذا ظلم نفسه، كان ينبغي عليه أن يخرج من هذه البلاد إلى البلاد الأخرى، وأن يهاجر من مكة إلى المدينة، ولا يخرج مع أهل الشرك. قال: لم يهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان. والدليل على الهجرة من السنة: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها». فإذن هذه يعني من المؤلف رحمه الله تعالى، هذا الكلام الذي ذكره في هذه الفقرة، هي كل تدخل في معرفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن من دان بدين الإسلام الذي بعث به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يجب عليه أن يقتدي بنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد شرع الله عز وجل للمؤمنين أن يعبدوا الله عز وجل بكامل إراداتهم وحريتهم، دون أن يؤذوا، دون أن يؤذوا، فيهاجروا من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ومن بلاد المعاصي وكذلك البدع إلى بلاد السنة والطاعة، لأن المقصود من الهجرة هي ترك المعصية، وهذا إلى قيام الساعة، ترك المعاصي، الهجرة ترك المعاصي، وهذا إلى قيام الساعة. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وإلى هنا، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.