التعليقات على كتاب الأدب المفرد 194

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 194، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

قصة جويرية بنت الحارث وتغيير اسمها

يروي قصة جويرية بنت الحارث وتغيير اسمها من برة إلى جويرية. يبين المقطع أهمية تغيير الأسماء القبيحة.

أهمية تغيير الأسماء وتأثيرها

يشرح أهمية تغيير الأسماء التي تحمل معاني قبيحة أو تزكية للنفس. يبرز فضيلة جويرية في العبادة والذكر.

فضل الذكر والدعاء في الأوقات المختلفة

يذكر فضل الذكر بمضاعفة الأجر ويستحب الدعاء في الصباح. يبين أثر قول سبحان الله وبحمده بأعداد لا تحصى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد: حدثنا علي، وهو ابن عبد الله المديني الملقب بحية الوادي، قال: حدثنا سفيان، وهو ابن عيينة، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، مولى آل طلحة، وكان عالما بالعربية، كما قال ابن عيينة رحمه الله: كان أعلم من عندنا بالعربية، قال: سمعت كريبا، أبا رشدين، وهو كريب بن أبي مسلم، مولى ابن عباس، عن ابن عباس، وهو عبد الله بن عباس، عن جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، وهي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، سباها النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع. وقد روي مرسلا بسند صحيح، كما قال الحافظ رحمه الله: أن أباها أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن ابنتي لا ينبغي مثلها أن يسبى، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أليس إذا خيرتها فقد أحسنت؟ قال: بلى، فخيرها النبي عليه الصلاة والسلام -يعني بين رسول الله وبين أبيها- فاختارت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها، وكان اسمها برة، فحول النبي صلى الله عليه وسلم اسمها فسماها جويرية، فخرج وكره أن يدخل واسمها برة، ثم رجع إليها بعدما تعالى النهار، وهي في مجلسها، فقال: ما زلت في مجلسك؟ لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بكلماتك وزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. قال محمد: حدثنا علي، قال: حدثنا به سفيان غير مرة، قال: حدثنا محمد عن كريب عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عند جويرية، ولم يقل عن جويرية إلا مرة. هذا الحديث صحيح، وأصل الحديث في صحيح الإمام مسلم، بل الحديث في صحيح الإمام مسلم، لكن ليس في سياق واحد، بل ذكر الإمام مسلم رحمه الله قصة تغيير اسمها في مكان مستقل، وهو في كتاب الآداب، وذكر قصة دخول النبي صلى الله عليه وسلم عليها وهي جالسة في كتاب الاستغفار. وفي هذا الحديث استحباب تغيير الاسم إذا كان فيه شيء من التزكية أو القبح، فيختار الاسم الحسن، فالنبي عليه الصلاة والسلام غير اسم جويرية، وكان اسمها برة، فغيره عليه الصلاة والسلام إلى جويرية. وهكذا غير اسم زينب بنت أبي سلمة، وكذلك أيضا زينب بنت جحش، فكان اسمهما برة، فغيره النبي عليه الصلاة والسلام إلى زينب، وقال الله أعلم بأهل البر منكم، فلما كان في هذا الاسم تزكية للنفس غيره النبي عليه الصلاة والسلام. أو كذلك إذا كان الاسم فيه شيء من القبح، كاسم العاصي، فغير النبي عليه الصلاة والسلام اسم رجل كان اسمه العاص، فغيره إلى مطيع، وهكذا أيضا غير النبي عليه الصلاة والسلام اسم شهاب إلى هشام، وهكذا اسم عاصية إلى جميلة، وغير ذلك مما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من تغيير الأسماء واختيار الاسم الحسن. فيمر المسلم إذا سمى ولده أن يسميه باسم حسن، وإذا سمي باسم فيه تزكية أو فيه شيء من القبح، فإنه يغير ويبدل ويختار له الاسم الحسن. وكذلك أيضا فيه فضيلة لجويرية رضي الله تعالى عنها، فإنها كانت من العابدات الصالحات القانتات لله سبحانه وتعالى. وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي جالسة -يعني بعد الصبح، بعد صلاة الفجر- بقيت في مجلسها تذكر الله. وقد جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي صائمة في يوم جمعة، فقال: أصمت أمس -يعني الخميس- قالت: لا، قال: أتصومين غدا -يعني السبت- قالت: لا، قال: فأفطري إذن. الشاهد أنها كانت تحرص على الطاعة والعبادة من الصيام وذكر الله سبحانه وتعالى. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من عندها، ثم رجع إليها بعدما تعالى النهار -يعني ارتفعت الشمس، وصار الوقت في الضحى- وهي في مجلسها -يعني جالسة بعد أن صلت- تذكر الله سبحانه وتعالى، فقال: ما زلت في مجلسك؟ لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، فذكر النبي عليه الصلاة والسلام هذه الكلمات، وأنها لو وزنت بكلماتها لو وزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. سبحان الله وبحمده، أي: تنزه الله سبحانه وتعالى عن كل نقص وعن كل عيب، فهو جل وعلا الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، وهو جل وعلا الذي يستحق الحمد في سائر الأحوال وفي سائر الأزمان. فسبح الله عز وجل وحمده عدد خلقه، ورضى نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته -يعني عدد ذلك- يسبح الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر لا يحصى؛ فخلق الله سبحانه وتعالى لا يحصون. وهكذا أيضا مداد كلمات الله، مداد كلماته، والمراد هنا المبالغة في الكثرة؛ لأن كلمات الله سبحانه وتعالى لا تحصى، ولا يمكن أن تعد، ولا تنفد، ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾، لو جعل البحر كله مدادا ليكتب به كلام الله سبحانه وتعالى، نفد البحر ولم تنفذ كلمات الله سبحانه وتعالى، ولو جئنا بمثله مددا، لو جئ بمثل البحر بمثله عشرات ومئات المرات لنفده ولم تنفذ كلمات الله سبحانه وتعالى. فأنت تسبح الله سبحانه وتعالى وتحمده عدد ذلك مما لا يحصى، فلذلك كانت هذه الكلمات لها هذا الشأن العظيم: عدد خلق الله، ورضى نفسه سبحانه وتعالى، وزنة عرشه، ومدد أو مداد كلماته. ففي هذا استحباب هذا الدعاء، يستحب أن يأتي به الإنسان، وأن يذكر الله سبحانه وتعالى به في سائر الأوقات، وهكذا أيضا في وقت الصباح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه لجويرية أن تقوله في مجلسها بعد صلاتها للصبح، فيكون ذلك من أذكار الصباح التي يستحب الإنسان أن يأتي بها وأن يحافظ عليها. وإلهنا والله تعالى أعلم.