الدرس في قراءة في فتاوى اللجنة الدائمة في الصيام والزكاة 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يجب على المريض الذي أفطر لمرض خطير أن يصبر ويرجو الشفاء ثم يقضي الأيام الفائتة، ولا يسقط القضاء بمجرد ظن عدم الشفاء. إذا ثبت طبياً أن المرض مستعصٍ لا يرجى برؤه، وجب الإطعام عن كل يوم مسكيناً نصف صاع من قوت البلد، ولا يجزئ إخراج النقود.
الأخذ بالرخصة (الإفطار وقصر الصلاة) في السفر أفضل من الصيام والإتمام، مستنداً إلى أحاديث نبوية، مع تفصيل أن الصيام يُستحب إذا لم يشق على المسافر. يُرخص للمسافر في أداء العمرة أو أي سفر مشروع أن يفطر في رمضان بشرط أن يكون سفراً معتبراً شرعاً.
يكون الفطر في السفر أفضل من الصيام عندما يترتب عليه نفع متعدٍ للآخرين، كما دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم في تفضيل المفطرين الذين خدموا الركب. تتغير الأفضلية بتغير الأحوال: الصيام أفضل لمن لا مشقة عليه ولا يفوت مصلحة، بينما الفطر أفضل لمن كان فطره سبباً في نفع إخوانه أو قيامه بمسؤولياته.
يختتم الشيخ الدرس بالإعلان عن مواصلة الشرح في درس قادم إن شاء الله، ويختتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فيقول السائل: أصبت بمرض خطير في العشر الأواخر من رمضان، واضطرتني ظروف المرض أن أفطر أربعة أيام من ذلك الشهر المبارك، وكان أملي أن أشفى من المرض فأقضيها فيما بعد، ولكن المرض استمر بي حتى الآن، ونحن نستقبل رمضان جديد، ولم أتمكن من قضاء الأيام التي أفطرتها من رمضان الفائت، وليس عندي استطاعة في صيام الشهر المقبل نظرا لما أعانيه من هذا المرض، وليس عندي يقين في شفائي من المرض فيما بعد. أطلب التكرم بإجابتي تحريريا فيما يلزم، مع التكرم ببيان قيمة الإطعام في الوقت الحاضر بالنقود على حسب حالة المطعِم والمطعَم، وإذا لم يكن هناك مساكين متعددون في القرية فهل أكرر الإنفاق على المساكين المعينين بالقرية؟ الجواب: إذا كان الأمر كما ذكرت فعليك أن تصبر، فعليك أن تصبر حتى يشفيك الله من هذا المرض، ثم تقضي ما فاتك من الأيام التي أفطرتها من شهور رمضان التي تدركها. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾. وكذلك كونك تظن في نفسك أنك لن تشفى، فهذا لا يصح أن يبنى عليه الحكم، أو أن يبنى عليه الحكم بأنك لن تشفى، بأنك تطعم عن الأيام الماضية ويسقط عنك القضاء. وعليك حسن الظن بالله ورجاء الشفاء، مع الاستعداد للآخرة. شفاك الله من كل سوء، وأعانتك على أداء الواجب. ومتى قرر الأطباء أن هذا المرض الذي تشكو منه لا تستطيع معه الصيام، لا يرجى شفاؤه، فإن عليك أن تطعم عن كل يوم مسكينًا نصف صاع من قوت البلد من تمر أو غيره، عن الشهور الماضية والمستقبلة. وإذا عشيت مسكينًا أو غديته بعدد الأيام التي عليك، كفى ذلك. أما النقود فلا يجزي إخراجها. وبالله التوفيق. يعني هذا عنده هذا المرض الذي جعله لا يستطيع أن يصوم بعض أيام رمضان، فالجواب كان عليه أن يصبر على هذا المرض حتى يشفى منه، إلا إذا كان بتقرير من الأطباء المختصين بأن هذا المرض من الأمراض المستعصية التي لا يرجى شفاؤها، فهذا يفطر ويطعم عن كل يوم أفطره مسكينًا نصف صاع، على فتوى اللجنة، وهو أحد الأقوال في هذه المسألة، من تمر أو بر أو غير ذلك. وذكر في الجواب بأن يحسن الظن بالله جل وعلا، بأن الله جل وعلا سيشفيه. بعض الناس يسيء الظن فيقول: أنا لن أشفى. لماذا تحكم على نفسك بأنك لن تشفى؟ ومن الذي قال لك أنك لن تشفى؟ الواجب أن يحسن العبد الظن بالله جل وعلا، وأنه سيشفى من هذا المرض. لكن إذا كان المرض من الأمراض المستعصية بتقرير الأطباء المختصين، فيقولون: هذا المرض يعني لا يرجى برؤه، يعني علاجه، وإلا فالشفاء بيد الله سبحانه وتعالى. كم هناك من الأمراض المستعصية التي ربما قد قرر الأطباء أنها من الأمراض التي لا يرجى برؤها وشفاؤها، ومع هذا شفى أصحابها. لكن هذا على الغالب، أنه مثل هذه الأمراض المستعصية تستمر مع الإنسان، تستمر مع الإنسان، علم ذلك بالتجربة، علم ذلك بالتجربة، وإلا فالأمر لله جل وعلا من قبل ومن بعد. يقول السائل: ما حكم الصلاة والصيام في السفر؟ هل الإتمام والصيام أفضل، أم الأخذ بالرخصة المشروع أفضل؟ مع العلم أن البعيد قريب في وقتنا الحاضر، وليس هناك صعوبة في السفر. الجواب: يجوز الإفطار للمسافر في رمضان، وقصر الصلاة الرباعية، وذلك أفضل من الصيام والإتمام، لما ثبت من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه»، ولقوله عليه السلام: «ليس من البر الصيام في السفر». وبالله التوفيق. يعني يجوز للإنسان أن يفطر في السفر، وهكذا عليه أن يقصر الصلوات الرباعية، وهي الأفضل في حقه. الصيام والإفطار فيه خلاف بين العلماء، والجواب هنا وهو أحد الأقوال في المسألة، بأن الأفضل أن يفطر ليأخذ بالرخصة، لأن الله جل وعلا يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. وقول آخر بأن الصيام أفضل، الصيام أفضل ما دام لم تبلغ المشقة بهذا الصائم، المشقة التي بلغت ذلك الرجل الذي قيل فيه: «ليس من البر الصيام في السفر». فإنها حادثة حصلت لرجل كان قد صام في السفر، لكن شق عليه، شق عليه الصيام حتى أغمي عليه، فاجتمع عليه الناس، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ليس من البر الصيام في السفر». فليس من البر الصيام في السفر في حق من يشق عليه، حتى تبلغ المشقة به هذا الحال الذي وصل إليه هذا الرجل. أما من كان يستطيع أن يصوم في السفر ولا يجد مشقة، فلعله والله أعلم الأفضل أن يصوم، الأفضل أن يصوم، لأن النبي عليه السلام قد صام في السفر مع وجود مشقة، لكن لم تكن تلك المشقة قد بلغت مبلغًا، وأقر عبد الله بالروحاء كذلك على صيامه، حتى لا يقال هذا من خصوصياته عليه الصلاة والسلام. فعلم بهذا أن الأفضل براءة الذمة والصيام في السفر، ما دام أن الإنسان لا يجد مشقة في صيامه. ويحمل الحديث «ليس من البر الصيام في السفر» على أنه في حق من بلغت به المشقة في صيامه في السفر إلى هذا الحال الذي بلغ هذا الرجل حتى أغمي عليه، فحينئذ ليس من البر الصيام في السفر، بل الأفضل في حق من يشق عليه أن يفطر ويأتي الرخصة ويأخذ بها، فإن الله جل وعلا يحب ذلك. والله أعلم. يقول السائل: اختلفت الأقوال بالنسبة للفطر في رمضان لمن كان مسافرًا من الجنوب لأداء العمرة، نرجو إفتاءنا في ذلك الأمر، وفقهم الله لصيامه وقيامه، إنه السميع مجيب الدعاء. الجواب: من كان مسافرًا سفرًا تقصر الصلاة في مثله، رخص له في الفطر في رمضان، سواء كان سفره لعمرة، أو لصلة رحم، أو لصديق، أو لطلب علم، أو تجارة، أو نحو ذلك من الأسفار المباحة، لقوله تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾. وبالله التوفيق. يعني الإنسان إذا كان مسافرًا، وسافر سفرًا، وهذا السفر مما دلت عليه أدلة الشرع أنه من السفر الذي يرخص لصاحبه فيه للإفطار، وهكذا من قصر الصلاة الرباعية، فهذا هو الذي ينبغي. لكن إذا لم يكن ذلك من السفر في شيء، وإنما سماه سفرًا لعدم وجود الوصف الذي يستحق أن يوصف به ذلك السفر، بأن يكون سفرًا، فإن هذا لا يحل معه الإفطار، ولا يقصر معه الصلاة. وإنما السفر الذي عده الناس في عرفهم سفرًا، وهذا أحد الأقوال في هذه المسألة، والآخر بالمسافة التي قدرت، وأن من قطعها كان من أهل السفر الذين يترخصون برخص السفر. قال السائل: ما معنى قول الرسول عليه السلام: «من صام فله أجر، ومن أفطر فله أجران»؟ الجواب: الحديث المعروف في هذا ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر، فمنا الصائم ومنا المفطر. قال: فنزلنا منزلًا في يوم حار، أكثرنا ظلًا صاحب الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده. قال: فسقط الصوام، وقام المفطرون، فضربوا الأبنية وسقوا الركاب. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر». وفي رواية أخرى لمسلم عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فصام بعض وأفطر بعض، فتحزم المفطرون وعملوا، وضعف الصائمون عن بعض العمل، فقال في ذلك: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر». ومعنى الحديثين واضح، والقصد بيان أن الأخذ برخصة الفطر، أن الأخذ برخصة الفطر في السفر عند المشقة وشدة الحر، خير من الأخذ بالعزيمة وهو الصوم. أما الحديث الذي ذكرته فلا نعلم له أصلًا. وبالله التوفيق. يعني النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر»، وذلك لأنهم قاموا بعمل كان فيه نفع لغيرهم، وفيه مصلحة متعدية. فالذين صاموا كانت مصلحتهم غير متعدية، غير متعدية لغيرهم، والذين أفطروا كانت مصلحتهم متعدية لغيرهم، فقاموا بهذه الأعمال من ضرب الأبنية وسقي الركاب. ولذلك الأفضل في حق الإنسان الإفطار إذا كان في إفطاره تحصيل مصلحة متعدية، ما دام أنه قد رخص له الشرع. شخص رخص له الفطر في رمضان، ومع فطره تتحصل مقاصد ومصالح متعدية لغيره، هل الأفضل أن يصوم ويأخذ بالعزيمة، أو الأفضل أن يفطر؟ نقول: أفضل أن يفطر، لأنه أولًا ممن رخص له، ثانيًا لأنه في فطره تحصيل منافع متعدية، تحصيل منافع متعدية. كمن خرج مثلا مع جماعة في سفر، فإذا صام مثلا ما استطاع أن يتحرك معهم، يذهب هنا ويذهب هنا، ويخدم هؤلاء، يحتاجون مثلا أمورا. كمن يخرج مثلا للعمرة في رمضان مثلا، يكون هو أمير، يكون هو أمير هذه الرفقة، لكن يحتاج مع هذه الإمارة إلى حركة، يذهب إلى هنا ويأتي بهذا ويفعل كذا ويخرج هنا، لكن إذا صام مثلا، إذا صام ما استطاع أن يقوم بهذه المهام وتحصيل هذه المنافع المتعدية لرفقته التي هو أمير عليها. فما الأفضل في حقه؟ نقول: الأفضل في حقه الإفطار، أن يفطر لينفع إخوانه، ليتحرك، أن في فطره تحصيل منافع متعدية. وهذا الحديث يدل على هذا. فالنبي السلام أثنى على هؤلاء الذين أفطروا، لما تحصل من إفطارهم على تحصيل منافع متعدية لغيرهم: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر». وإلا كما تقدم، فإن الصوم أفضل في حق المسافر الذي لا يجد مشقة، والذي كذلك لا يترتب عليه تحصيل منافع لإخوانه، وبسبب صيامه لا تحصل تلك المنافع، فليس في حقه الأفضل الصيام. فالأمر مع الدليل، الأمر مع الدليل من حيث الأفضلية، فأحيانا يكون الأفضل الصيام في السفر، وأحيانا يكون الإفطار في السفر، بالنظر إلى ما يحصل وإلىحوال المترتبة مع الصيام ومع الإفطار. ونواصل إن شاء الله في درس لاحق، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.