الدرس في كتاب الإيمان 21، باب وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يوجب الحديث النبوي محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل والولد والناس أجمعين، وهذه المحبة شرط للإيمان وزيادته ونقصانه. حب النبي صلى الله عليه وسلم تابع لمحبة الله وابتغاء مرضاته.
فضل النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة بعد الله سبحانه وتعالى هو أعظم الفضل، ومتابعته دليل على صدق المحبة. المتصوفة أخطأوا في فهمهم للمحبة حيث اقتصروا على الصلاة عليه دون الطاعة والمتابعة.
الدرس ينتهي بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، مما يظهر التأكيد على أهمية الصلاة على النبي في الإسلام. هذا الختام يعزز مكانة الصلاة على النبي في الإيمان والعمل الصالح.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين. قال حديث أنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». قال: أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان. أورد المؤلف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب هذا الحديث، وهو من الأحاديث الصحيحة التي اتفق عليها الشيخان: البخاري ومسلم. وعلى ما سبق من قاعدته -رحمه الله-، فهذا الباب: «باب وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم» إلى آخره، هو ما بُوّب به هذه الأحاديث بهذا المعنى في صحيح مسلم، أي ممن شرح الصحيح، ومعناها يدل على ذلك. وقد اخرج الإمام البخاري -رحمه الله- هذا الحديث من طريق شيخه أبي اليمان، قال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، قال: حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، فذكر الحديث بلفظه. وفي الحديث مسائل، من أهم هذه المسائل: فيه معنى هذا التبويب الذي بَوّب به الإمام البخاري -رحمه الله-، فحب النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه» إلى آخره. ومعنى أنه ينقص من الإيمان بنقصان هذه المحبة. وفيه كذلك ضد ذلك، وهو أن حب النبي صلى الله عليه وسلم من أسباب زيادة الإيمان، فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بضدها. وفيه كذلك أن الناس يتفاوتون في الإيمان بتفاوت حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم. وكل ما أمر الله عز وجل بحبه فإنه بمعنى ذلك، والمسلم لا يحب شيئًا لذاته إلا الله سبحانه وتعالى. وما سوى الله يحب لله، حتى حب النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك فإن مراتب المحبة تابعة لمحبة الله سبحانه وتعالى وابتغاء مرضاته. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم سبب كل خير للناس في دينهم، بل وحتى في دنياهم، بما بعثه الله عز وجل به من هذا الدين العظيم الذي تقوم به أديان الناس، وهكذا كذلك أمور دنياهم على أكمل وأفضل وأحسن الوجوه، فإنه يحب عليه الصلاة والسلام الحب الذي ينبغي أن يكون أعظم من حب الوالد والولد والناس أجمعين. لأن فضله على هذه الأمة بعد الله سبحانه وتعالى هو أعظم الفضل، إذ كل خير يصيب هذا الإنسان يصل إليه بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بفضل رسوله عليه الصلاة والسلام الذي أدى الأمانة، وتحمل هذه الرسالة. وهكذا كذلك يقال في مراتب ما يحب لله سبحانه وتعالى، فإنه ينزل المحبة التي أمر الله عز وجل بها. وفي هذا الحديث من المسائل وجوب هذه المحبة، ليس هذا فحسب، بل كما بَوّب المؤلف -رحمه الله- هنا وجوب هذه المحبة، أي للنبي عليه الصلاة والسلام أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين. لماذا يجب أن تكون أكثر؟ لأن حقه أعظم عليه الصلاة والسلام. فإن كان لنا لوالدينا معنى الأبوة النسبية، فإن لنبينا عليه الصلاة والسلام الأبوة الدينية وكذلك العلمية، وهذا أعظم وأعظم. بل إن حق الوالدين عرف من طريقه، بما أنزل الله عز وجل عليه من العلم. فالوالدان -فضلا عن غيرهم- يقران بفضل النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وكذلك حقه. وغيره كثير مما كان فيه دخول الخير للناس، ولهذا كان حبه من واجبات هذا الدين. وهكذا كما يقال في حب الله عز وجل بالنسبة للمؤمن، فكذلك حب الرسول صلى الله عليه وسلم. وحبه -كما تقدم- تبع لحب الله سبحانه وتعالى، والمؤمن لا يكمل إيمانه إلا بتحقق هذه المحبة. كما أنه قد لا يوجد أصل الإيمان إلا قد لا يوجد أصل الإيمان بسبب تخلف هذه المحبة. ولهذا فصل في شرح هذا الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم» على معنيين: لا يؤمن أي لا يتم ولا يكمل، لمن أصل المحبة موجودة. ولا يؤمن أي يكون كافرًا، فيمن أصل المحبة غير موجودة، مثل المنافق، فإنه قد يظهر خصال الإيمان والإسلام، لكنه منافق نفاق اعتقادي، يفعل ذلك لأغراض. فهذا الذي ليس في قلبه حب للنبي عليه الصلاة والسلام كافر. ولهذا لا يمكن أن يوجد مؤمن عرف حقيقة الإيمان إلا ويحب النبي عليه الصلاة والسلام، كما لا يوجد عبد لله لا يحب الله أبدًا، لا يمكن. فكذلك بالنسبة لحب النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا نفي الإيمان في هذا الموضع، لأن نفيه قد يكون نفيًا لأصله كحال المنافقين، وقد يكون نفيًا لكماله، وذلك كحال المؤمنين وتفاوتهم في هذه المحبة. ولهذا تجد أن الناس يتفاوتون في المتابعة تبعًا للتفاوت في هذه المحبة. ومن ذلك آية المحنة في قول الله عز وجل: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾. فالمؤمن الحقيقي الذي كمل في محبته، وكمل في متابعة وطاعته. وبه نعرف أن برهان المحبة ليس هو ما يدعيه الإنسان بلسانه، ولكن ما يكون بمتابعته وطاعته. وبه نعرف خطأ وضلال المتصوفة ومن سلك مسلكهم، إذ ظنوا أن المحبة تقف عند الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. وهذا وإن كان مستحبًا على الوجه المشروع، ولابد من تقييده بهذا القيد، لأن هؤلاء توسعوا بهذا الباب توسعًا أدخلهم في البدع والخرافات والضلالات، بل والشركيات من الغلو فيه عليه الصلاة والسلام، حتى عبدوه من دون الله. ومع ذلك تجدهم في غاية من البعد عن معنى الطاعة والمتابعة، فيكون ادعاؤهم الحب للنبي عليه الصلاة والسلام كاذبًا، إذ لو كان صادقًا لاتبعوه وأطاعوه عليه الصلاة والسلام. فربما تجد أحدهم يحضر هذه الموالد البدعية والشركية، ويكثر من الصلاة بلسانه على النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه من أبعد الناس عن الطاعة والمتابعة، حتى ربما تجد بعضهم تاركًا للصلاة، فاعلًا للمنكرات والفواحش. فإذا جاء يوم المولد أو تلك الزيارات الشركية والاجتماعات البدعية، كان من المسابقين إليها، حتى جعلها هي الدين، كأن الدين ينحصر فيها. وهذا ما يطمع به شياطين الجن والإنس، أتَصرفوا هؤلاء الجهال عما يجب عليهم، وأخرجوهم من الدين الحق إلى هذه البدع والخرافات والضلالات. نكتفي بهذا القدر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.