الدرس في أسس حل النزاع، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 20 ذو الحجة 1431هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع كيفية تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع نزاع بين الأنصار، ويبرز أهمية المبادرة في حل النزاعات وإصلاح ذات البين. يشير إلى عظم أجر إصلاح ذات البين وخطورة إفسادها.
يؤكد الخطيب على أهمية التثبت في الأخبار ونقلها، ويحذر من عواقب عدم التثبت في نقل الأخبار. يستشهد بآية قرآنية وأحاديث نبوية وأمثلة تاريخية لتوضيح أهمية التثبت في حل النزاعات وتجنب الفتن.
يُبين النبي صلى الله عليه وسلم أهمية الجمع بين الإنكار والتأليف في حل القضايا وإصلاح المنكرات. يُظهر هذا النهج حرص النبي على حفظ الوحدة والمودة بين المسلمين، كما فعل مع الأنصار عندما وجدهم غير راضين عن توزيع الغنائم.
عذر هارون عليه السلام لموسى عليه السلام هو خشيته من أن يُتهم بتفرقة بني إسرائيل وعدم اتباع قول موسى. كان هارون قلقًا من أن يُقال إنه لم يراع قول موسى ولم ينتظر توجيهاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. أشهد أن محمدًا رسول الله. حي على الصلاة، حي على الصلاة. حي على الفلاح، حي على الفلاح. الله أكبر، الله أكبر. لا إله إلا الله. أشهد أن محمدًا رسول الله. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وعن غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم قالوا: عندما أفاء الله جل وعلا على رسوله في يوم حنين، وقسم الغنائم ولم يعط الأنصار منها شيئًا، وكأن الأنصار وجدوا في نفوسهم، إذ لم يصبهم ما أصاب الناس أي من الغنائم، حتى كثرت منهم القالة. فمشى سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في نفوسهم. فقال عليه الصلاة والسلام: فمما قال يا رسول الله: من قسمتك لهذه الغنائم في سائر العرب، ولم يكن فيهم من ذلك شيء. فقال عليه الصلاة والسلام: فاجمع لي قومك في هذه الحضيرة، فإذا اجتمعوا فأعلمني. فخرج سعد بن عبادة، فصرخ في قومه وجمعهم في تلكم الحضيرة. فلما اجتمعوا، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، هذا الحي من الأنصار قد اجتمعوا لك حيثما أمرت. فخرج نبينا عليه الصلاة والسلام إليهم، فقام خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «يا معشر الأنصار، حديث بلغني عنكم». فقال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسول الله، يعطي قريشًا ويتركنا، وإن سيوفنا لتقطر من دمائهم. فقال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وأعداء فألف الله بين قلوبكم، وعالة فأغناكم الله بي؟» فقالوا: بلى. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟» فقالوا: ماذا نقول وبماذا نجيب؟ المن لله ولرسوله. فقال عليه الصلاة والسلام: «لو شئتم لقلتم ولصدقتم، لقلتم: جئتنا طريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك، وخائفًا فأمناك، ومخذولًا فنصرناك». فقال الأنصار: المن لله ولرسوله. فقال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الأنصار، أوجدتم في نفوسكم في لعاعة من الدنيا؟ أتألف بها قومًا أسلموا حديث عهد بكفر، وتركتكم وكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام؟» ثم قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، لو أن الناس سلكوا شعبًا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنتم امرأً من الأنصار. الأنصار شعار والناس دثار، وإنكم بعدي ستلقون أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». «اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار». قال الراوي: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم من البكاء، وقالوا: رضينا بالله ورسوله قسمة وحظًا. عباد الله، إن هذا الحديث ليعتبر أنموذجًا عظيمًا وأسلوبًا حكيمًا في حل النزاعات وفك الخصومات التي تقع بين الناس. فما أحوجنا عباد الله إلى التأمل في هذا الحديث في كيفية طريقته، وكيف أنه عليه الصلاة والسلام بكلماته ومقاله أثر على هذا الحي من الأنصار حتى غير حالهم من حال إلى حال. وإنني في هذا المقام سأسلط الكلام على أهم المبادئ والعناصر التي ظهرت في طريقته عليه الصلاة والسلام في حل هذه القضية. ومن هذه المبادئ إخواني في الله مبدأ المبادرة. نبينا صلى الله عليه وسلم عندما علم بخبر الأنصار ما توان عنهم، وما تقاعس عن مشكلتهم، وإنما سارع وبادر إلى جمعهم. فما هي إلا مدة يسيرة وبرهة من الزمن انتهى أمرها وعادت الأمور إلى مجاريها. وهكذا الذي ينبغي عليه أن يكون المسلم كلما علم بظهور الفتن بتطاير شررها وبظهور رأسها، سارع إلى قطع دابر الفتنة من أصلها وأساسها. وكان هذا حاله صلوات ربي وسلام عليه المسارع والمبادرة إلى قطع الخصومات والمنازعات. ومن ذلك ما جاء عند الطبراني في معجمه عندما كادت أن تقع مقتلة بين الأوس والخزرج بعدما دخل بينهم الداخل وأثار فيهم الحمية، ففزعوا إلى أسلحتهم وكادوا أن يقتتلوا، فبلغ ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم. قال الراوي: فخرج عليه الصلاة والسلام مسرعًا قد حسر عن ساقيه، ثم أمر بفض النزاع. هكذا كان حاله وهكذا كان شأنه المبادرة والمسارعة عليه الصلاة والسلام إلى فض النزاعات والخصومات. ولا يتأتى هذا المبدأ أي مبدأ المبادرة إلا في حق من اعتقد واستشعر بعظم الصلح بين الناس، وعلم بفداحة وخطورة الخصومات. ثبت في السنن عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أدلكم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «إصلاح ذات البين، إصلاح ذات البين، وإفساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكنها تحلق الدين». ولهذا فإن نبينا عليه الصلاة والسلام بشر بالخير الوفير والعظيم في حق من بادر الإصلاح بين الناس، سواء أكان إصلاحًا بين المسلمين بعضهم فيما بين بعض، أو إصلاحًا لنفسه مع غيره ممن تخاف معه أو تقاطع. ثبت في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث، يعرض هذا ويعرض ذاك، وخيرهم من يبدأ بالسلام». انظر يا عبد الله لمن هي الخيرية ولمن هي الأفضلية؟ جعلها نبينا صلى الله عليه وسلم لمن بادر ولمن سارع إلى سد هذه الثغرة إن وجدت في مجتمعات المسلمين. وأسفًا كم نرى من كثير من المسلمين ممن ابتلوا بالخصومات لسنوات عديدة ولفترات مديدة، وقد تكون قطيعته مع أرحامه، مع والديه، مع أبيه أو مع أمه، أو مع إخوانه وأصحابه، أو مع جيرانه وزملائه، وتمر عليه السنون وهو على هذه الحالة لا يبادر، تقاعس عن المبادرة للصلح. فهذا له جزاء عند الله، جل وعلا، على هذا التقاعس. ثبت في السنن وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي خراش السلمي رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «من هجر أخاه سنة كان كسفك دمه». من هجر أخاه سنة كان كسفك دمه. هذا إذا كان الأخ من عموم المسلمين، فكيف إذا كان من أرحامك؟ فالعذاب أشد وأنكى. وهكذا عباد الله نصلط الضوء على مبدأ آخر وعنصر مهم بدأ في هذه الحادثة التي حلها نبينا عليه الصلاة والسلام، ألا وهو مبدأ التثبت. نبينا عليه الصلاة والسلام عندما ابتدأ خطبته مع الأنصار، أول ما بدأ به أن قال لهم: «يا معشر الأنصار، حديث بلغني عنكم». وهذه العبارة وإشارة من نبينا عليه الصلاة والسلام بضرورة وأهمية التثبت في الأخبار، لما لها من فوائد. فإن من فوائدها أن يمكنك أن تستمع للطرف الآخر ما عنده من أمور. وهذا الذي أراده نبينا عليه الصلاة والسلام من سؤاله. وقد يراد من هذا السؤال التأكد من صحة الأخبار وعن وقوعها. وإننا عباد الله في هذه الأزمان ابتلينا ممن ينقل الأخبار من هنا وهنالك، إما بزيادة في معناها أو بإخلال في معناها، وهذا الإخلال يؤدي إلى ظهور الخصومات والنزاعات بين المسلمين. قال إمام السعدي رحمه الله تعالى: التثبت في سماع الأخبار ونقلها وتمحيصها وإذاعتها والبناء عليها أصل عظيم نافع كبير، أمر الله جل وعلا به ورسوله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. ثم قال رحمه الله تعالى: وخوّف الناس بهذا الأمر، الأولى على اختلاف مراتبهم، والعلماء على تفاوت درجاتهم. نعم عباد الله، علينا بالتثبت، وخاصة في مثل هذه القضايا، وفي مثل هذه المسائل التي يتناقلها الناس في أعراض بعضهم عن بعض. واعلموا عباد الله أن من أعظم صور التثبت أنك تستثبت من الخبر من صاحبه، وممن لو تعلق بالأمر بأن تذهب إليه، وأن تجالسه، وأن تحدثه، وأن تستمع منه. فإن هذا أسلم، بل إن هذا أحكم. وكم هي الخصومات التي ظهرت والنزاعات التي انتشرت بين المسلمين والمسلمات، لا لشيء وإنما لأخبار كاذبة أو قصص حابطة أو روايات كاذبة مفتراة، ليس عليها أصل ولا أساس، وإنما هي محض افتراء. لو أن أصحابها رجعوا إلى أهلها لكفاهم الله شر هذا النزاع. ثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يحكي عن نفسه أنه كان ذات ليلة في بيته، فإذا بآت يدق عليه الباب، ففتح الباب فإذا برجل. وقال: يا عمر، قد حدث أمر عظيم. فقال عمر: جاءت غسان -وهو قوم من الكفار- ظنوا أنهم سيغزونهم. قال: جاء الغسان. فقال الرجل: لا، بل ما هو أعظم من ذلك وأطول. طلق النبي نساءه. فقام عمر وجمع عليه ثيابه، ثم ذهب إلى بنتي حفصة -وهي من زوجاته عليه الصلاة والسلام- فدخل عليها وهي تبكي. فقال: أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا أدري. فذهب عمر رضي الله تعالى عنه إلى المسجد، فإذا برهط من الناس وهم يبكون عند المسجد، وفي رواية: إذا بجماعة من المسلمين ينكثون الحصى، وهم يقولون: طلق النبي نساءه. ومع ذلك لم يرض عمر هذا المقام، بل استأذن على رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى أذن له، فدخل على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم متكئ على حصيرته، وقد أثر الحصير على جنبه عليه الصلاة والسلام. فقال عمر: يا رسول الله، أطلقت نساءك؟ فرفع نبينا عليه الصلاة والسلام رأسه، فقال: لا. فقال عمر: الله أكبر. وفي رواية: قال عمر: فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق النبي، لم يطلق النبي أزواجه. انظر عباد الله إلى هذا المبدأ الذي مشى عليه عمر رضي الله تعالى عنه. وهكذا الناس عباد الله، لو أنهم في زمن الإشاعات والأخبار التي فيها تطاول على أعراض المسلمين والمسلمات، لو أنهم ذهبوا إلى صاحب الخبر وإلى من يهمه الأمر، لكان في ذلك السلامة مما نراه من الفتن التي تعج وتموج في مجتمعات المسلمين. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفع بما قلنا. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. فمما مضى عباد الله نرى في هذا الحديث وهو من هديه وسيرته عليه الصلاة والسلام في بيان كيفيته في حل القضايا التي تقع بين المسلمين، كهذه الحادثة عندما وجد الأنصار في نفوسهم شيئًا من رسول الله عليه الصلاة والسلام، عندما رأوه أنه قسم الغنائم على العرب ولم يصبهم شيء من ذلك. فسارع نبينا عليه الصلاة والسلام إلى جمعهم ووعظهم، وأثر فيهم تأثيرًا بليغًا حتى غير حالهم من حال. وكان الكلام إخواني في الله في أهم المبادئ والعناصر التي استند عليها نبينا عليه الصلاة والسلام في حل هذه القضية. وكان مما مضى ذكر مبدأ المبادرة، والثاني التثبت. وأيضًا مما يستفاد من خطبتي عليه الصلاة والسلام أنه سارع إلى توضيح العلة والسببية التي من أجلها فعل هذه القسمة. وفيه فائدة أن المرأة المسلم متى ما عمل عملًا وكان عمله قد التبس أمره على جماعات من الناس حتى كثرت فيهم الظنون وزادت فيهم القالة، فعليه أن يبين لهم ويوضح لهم حقيقة الأمر حتى يرفع هذا اللبس الذي انقدح في أذهانهم. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام عندما قسم الغنائم على العرب وترك الأنصار، فهم لم يتفطنوا لما أراده عليه الصلاة والسلام، فوجدوا في أنفسهم. فلما علم نبينا أن الأمر قد وصل إلى هذا الحال، رأى أن من البيان أن يبين لهم هذا الأمر. فكان من خطبتي عليه الصلاة والسلام أن قال: «يا معشر الأنصار، أوجدتم في نفوسكم في لعاعة من الدنيا؟ أتألف بها قومًا أسلموا حديث عهد بكفر، وتركتكم ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام؟». فهذا عذره عليه الصلاة والسلام، إنما قسم هذه الأموال على العرب، وذلك ليتألفهم للإسلام، ولم يعط الأنصار شيئًا لأنهم على قوة في الإسلام والإيمان. فعلى هذا عباد الله، كان نبينا عليه الصلاة والسلام في جميع أمره، متى ما ظهرت الظنون أو وقع اللبس بين الناس، سرعان ما سارع إلى إزالة هذا اللبس. فمن ذلكم لما كان في حجه عليه الصلاة والسلام في وقت إحرامه، إذ بقوم أهدوا إليه عليه الصلاة والسلام صيدًا، فقام عليه الصلاة والسلام ورد الصيد إليهم. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن لم نرده عليكم إلا لأن قومًا حرموا». وهكذا ما جاء في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام كان ذات ليلة مع أحد زوجاته، فقد خرجا من مسجده. فإذا برجلين من الصحابة رأوا نبينا مع امرأة، فأسرعا في المشي. فلما رآهما نبينا عليه الصلاة والسلام، وخشي عليهما أن يقذف الشيطان في قلبهما شيئًا، قال: «على رسلكما، على رسلكما، إنها صفية زوجتي». فهكذا يا عبد الله، على كل واحد منا متى ما فعل فعلًا وكان هذا الفعل قد انقدح في الأذهان وساءت به الظنون، فعليه أن يزيل هذا اللبس وذلك بتبيينه وتوضيحه كما فعل عليه الصلاة والسلام. فإن هذا من هديه. وأيضًا عباد الله مما يستفاد من هذه الحادثة ومن حله عليه الصلاة والسلام لهذه القضية، أنه عالجها وحلها بالجمع بين الإنكار وبين التأليف. فنبينا عليه الصلاة والسلام قام بالإنكار على الأنصار، وعاتبهم على ما وجد في نفوسهم وصدورهم، وذكرهم بنعمة الله عليهم: «ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟». لكن مع هذا الإنكار منه عليه الصلاة والسلام، إلا أنه حرص على إبقاء المودة والإخاء والمحبة، ولم ينسَ للقوم فضلهم وسابقتهم في الإسلام، فدعا لهم بتلكم الدعوات اليمنى من أفضل الدعاء وأحسنه، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار». فهكذا كان عليه الصلاة والسلام. فما أحوجنا عباد الله، ما أحوجنا عباد الله إلى سلوك هذه الطريقة البديعة التي سلكها نبينا صلى الله عليه وسلم، الجمع بين الإنكار وبين التأليف. فينبغي على كل مصلح أنه يقوم بالإنكار وإصلاح الزلة مع الحفاظ والحرص على جمع الكلمة. الناس عباد الله في هذا الباب على طرفين: فمن الناس من يكون همه على حد زعمه الحرص على جمع الكلمة وعلى وحدة المسلمين، ولكن على حساب الدين. فهو لا ينبه على أخطائهم، ولا ينوه على أرشاد ضلالاتهم وأخطائهم وزلاتهم، وإنما يجمعهم على ما هم عليه بعجرهم وبجرهم. فمنهم من عنده انحلال في معتقده، ومنهم من عنده خلل في توحيده، ومنهم من عنده الطراب في منهجه. وأما أولئك فإنهم يجمعون هؤلاء، وإن احتج عليهم وإن كلموا في هذا المبدأ، سرعان ما يحتجزون واعتذروا بأن إن كان المنكر فإنه يشتت الصفوف ويمزق المسلمين. وهذا المبدأ عباد الله من المبادئ الضالة الخاطئة القاصرة. فنبينا عليه الصلاة والسلام كان من وصفه ومن صفته أنه فرق بين الناس، فرق بين الحق والباطل، وبين الرشاد والغواية. وعلى طرف ثاني، فإن هناك طائفة من الناس همهم بإنكار أي منكر وتصفية الأرض من أي مخالف، ولو كان ذلك على حساب تشتت المسلمين وعلى تمزقهم وعلى ضعفهم وانخذالهم. فترى قد رفع راية التنفير، وراية التشهير، وراية التعيير، ومنهم من أضاف التكفير والتفجير، ساحوا في الأرض فسادًا، شتتوا الأمة ومزقوها، دون مراعاة للمصالح الشرعية والضوابط المرعية التي ينبغي أن يضبط بها الناس في تغييرهم للمنكرات. عباد الله، اعلموا رعاكم الله أن من أعظم مبادئ الدين هذا الذي بينه نبينا عليه الصلاة والسلام في صلحه وفي حله لقضية الأنصار، أنه عليه الصلاة والسلام مع أنه قام بالإنكار عليهم، إلا أنه حريص على جمع الكلمة. فانظروا عباد الله بماذا انتهى خطابه وبماذا انتهت كلماته؟ فأخبر أن القوم خرجوا وقد أخضلوا لحاهم بالبكاء، وقالوا: رضينا بالله قسمة وحظًا، رضينا بالله ورسوله قسمة وحظًا. نعم عباد الله، هكذا يكون عليه الدعاة إلى الله، وهكذا كل مصلح، سواء كان حاكمًا في شعبه أو كان كذلك داعيًا في قومه، أو كان كذلك أبًا في بيته. أنه إذا أراد أن يصحح الزلة عليه أن يحافظ على الألفة. وعلى هذا كانت دعوة الأنبياء جميعًا. قال إمام البغوي رحمه الله تعالى: بعث الله الأنبياء كلهم لإقامة التوحيد والألفة، وترك الفرقة والمخالفة. فعلى هذا صار الأنبياء، فكانوا ينكرون على أقوامهم ما كان منهم من الكفر والإلحاد والشرك، مع هذا الإنكار إلا أنهم كانوا يتألفونهم. فهذا إبراهيم عليه السلام، كيف كان ناصحًا مسترشدًا لأبيه الذي بلغ في الكفر مبلغًا؟ انظر إلى إنكاره وأمره بمقابلة تألفه وتودده لأبيه. قال الله تعالى عنه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ إلى آخر الآيات. انظر يا عبد الله إلى إنكار المنكر مع تألف مع تودد لوالده: «يا أبت، يا أبت». وهكذا قل في حقه عليه الصلاة والسلام عندما ذهب إلى عمه أبي طالب، والذي كان على ملة الكفر والشرك. انظر إلى إنكاره وإلى دعوته عليه الصلاة والسلام إلى التوحيد ومع تودده: «يا عم، يا عم، قل لا إله إلا الله». وهكذا يا عبد الله، كم نحكي عن أحوال الأنبياء مع أممهم، جمعوا بين الأمرين: بين إنكار المنكر والحرص على حفظ الكلمة وعلى جمع الناس. وهذا هارون عليه السلام عندما ظهر الكفر في بني إسرائيل، قام منكرًا عليهم قائلًا لهم: «يا قوم، إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن، فاتبعوني وأطيعوا أمري». ثم قدم موسى عليه السلام، فتفاجأ بحال بني إسرائيل وأنهم أصبحوا عبادًا لذلكم العجل. فغضب على هارون أنهم لم يلحقوا به ولم يخبره بخبر القوم. فماذا كان عذر هارون عليه السلام؟ قال لأخيه موسى: «إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي». «إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي». سبحان الله، هذا عذره.