أهمية العلم 2

الدرس في أهمية العلم 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل طلب العلم الشرعي وضرورة الإخلاص فيه

العلم الشرعي هو أجل المطالب وأساس الإيمان، ويجب أن يُطلب بإخلاص لوجه الله وحده. العلماء هم هداة الناس كنجوم السماء، وصفاتهم تشمل العلم الواسع والثبات والعبادة والزهد.

حقوق العلماء على المسلمين

على المسلمين الترحم على العلماء والدعاء لهم، وعدم غيبتهم أو الطعن فيهم، مع توقيرهم واحترام اختلافهم. الدفاع عن أعراضهم ومعرفة قدرهم واجب، لأن وجودهم نعمة وذهابهم يعني ذهاب العلم.

أهمية العلماء وخطر فقدانهم

حذر النبي ﷺ من أن العلم يُقبض بموت العلماء، فيتبع الناس جهالاً فيضلون. موت العالم ثلمة في الإسلام لا تُسد، ووجب تعلم العلم قبل رفعه.

  • 22 جمادى الأولى 1432هـ - 25/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد سبق معنا في ليلة ماضية تذاكر بعض ما يتعلق بأصل عظيم وأمر كبير مما أرسل به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومما حث أمته عليه وعلى تحصيله وعلى الجد في طلبه، ألا وهو ما يتعلق بطلب العلم الشرعي النافع، وأن ذلك يعتبر من أعظم ما فنيت فيه الأعمار واستغلت فيه الأوقات، وإن له لمكانة عظمى وأهمية كبرى في هذا الدين العظيم. وذكرنا ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كما في كتابه "مفتاح دار السعادة"، قال رحمه الله تعالى: "العلم من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، العلم من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، ولا تقوم شجرة الإيمان إلا على ساق العلم والمعرفة، إلا على ساق العلم والمعرفة، فالعلم إذن أجل المطالب وأسنى المواهب، فالعلم إذن أجل المطالب وأسنى المواهب". ونبي عليه الصلاة والسلام كان يحث أمته على تحصيل العلم وعلى حضور مجالس العلم، كما سبق معنا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة»، رواه مسلم رحمه الله. وهكذا حديث معاوية بن أبي سفيان الذي رواه الشيخان، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين، من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». مفهوم ذلك أن من لم يوفق إلى طريق العلم فهذا لربما كان ممن لم يرد الله به خيرًا. ولهذا يقول بعض أهل العلم: إذا رأيت الرجل يسلق طريق العلم ويوفق إلى تحصيل العلم، فاعلم أن هذا قد أراد الله به خيرًا، فاعلم أن هذا قد أراد الله به خيرًا. وهكذا جاء في البخاري من حديث عثمان رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه، خيركم من تعلم القرآن وعلمه». وهكذا أيضًا سبق معنا ما ذكر عن سلفنا الصالح رحمة الله عليهم من الحث على الجد في تحصيل العلم النافع، وأن المسلم لا ينبغي له أن يرغب وأن يزهد عن تحصيل هذا الخير، بل ينبغي عليه أن يكون سباقًا إلى ذلك، وأن يكون جادًا ومجتهدًا في تحصيل ذلك. فهذا الإمام سفيان بن عيينة أبو محمد الهلالي رحمه الله تعالى كان يقول: «لم يُعطَ أحد شيئًا أفضل من النبوة، لم يُعطَ أحد شيئًا أفضل من النبوة، وما هناك شيء بعد النبوة أفضل من العلم والفقه، أفضل من العلم والفقه». وهكذا يقول الإمام الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله أبو بكر، أبو بكر الزهري رحمه الله تعالى، كان يقول: «ما عُبد الله بمثل الفقه، ما عُبد الله بمثل الفقه». وهكذا كان يقول الإمام أحمد رحمه الله، الإمام أحمد بن حنبل أبو عبد الله المروزي الشيباني، إمام أهل السنة والجماعة في عصره، كان يقول: «العلم لا يعدله شيء لمن صلحت نيته، العلم لا يعدله شيء لمن صلحت نيته». قيل له: يا إمام، وما صلحت نيته؟ قال: «أن ينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه، أن ينوي بذلك -أي بطلبه للعلم- رفع الجهل عن نفسه وعن غيره، رفع الجهل عن نفسه وعن غيره». وهكذا أيضًا كان يقول الإمام الشافعي محمد بن إدريس أبو عبد الله الشافعي القرشي رحمه الله تعالى، كان يقول: «طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، طلب العلم أفضل من صلاة النافلة». وقال الإمام أبو عبد الرحمن المروزي عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: «ما من شيء أفضل من طلب العلم من أجل الله، ما من شيء أفضل من طلب العلم لله، وما من شيء أبغض من طلب العلم لغير الله». سَنُبّه يا طالب العلم أن تميل نيتك وأن يتغير قصدك، فالعلم كغيره من العبادات، بل هو من أجل العبادات التي تحتاج إلى نية صحيحة، وتحتاج إلى صدق مع الله عز وجل، وتحتاج إلى إخلاص هذا العمل لله سبحانه وتعالى. فإذا تغيرت النية وإذا اختلف القصد، فإن هذا الأمر يكون نقمة على صاحبه، ويكون وبالًا على صاحبه. بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة أن من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة رجل طلب العلم لا لأجل الله عز وجل، ولكن لأجل أن يقال: عالم، وقد قيل، فيؤمر به فيسحب على وجهه إلى النار. فلابد أيها الإخوة في الله من تحري النية الصحيحة والقصد الخالص الذي يكون لله عز وجل، لا يشاركه في ذلك أحد من الناس، لا يشاركهم في ذلك أحد من الناس. وهكذا قال الإمام أبو مسلم الخولاني رحمه الله تعالى مبينًا مكانة العلماء في أوساط الناس، وأن وجودهم يعتبر هداية ويعتبر نعمة، قال رحمه الله تعالى: «العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، فإذا بدت للناس اهتدوا، وإذا خفيت عليهم تحيروا». انظر إلى هذا التشبيه العظيم، يشبه العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، وكما سبق معنا أن الله عز وجل قد وصف هذه النجوم بقوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16]، فالذين يسيرون في البراري وهكذا الصحاري فإنهم يهتدون بالنجم، وهكذا من كان يسير ليلًا بالبحر كذلك أيضًا يهتدي بهذا النجم، فإذا ظهر النجم اهتدى، وإذا خفي فإنه يتحير. وهكذا العلماء أيها الإخوة في الله، فإنه إن وجدوا اهتدى الناس بهم، وبينوا للناس طريق الحق من الباطل، والهداية من الضلالة، والسنة من البدعة، والشرك من التوحيد. ولهذا ربنا عز وجل قد أمر بالرجوع إليهم، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وهكذا قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: 83]، أذاعوا به، ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، انظر، لا يعلمه كل الناس، لكن قال: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83]. إذن العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، فإذا بدت للناس اهتدوا، وإن اختفت تحيروا، تحير الناس. ولهذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى واصفًا أولئك العلماء: «فهم النجوم لكل عابد سائر يرجو الإله وجنة الحيواني فهم النجوم لكل عابد سائر يرجو الإله وجنة الحيواني». فهذا مما يدل على أهمية العلم، وعلى أنه ينبغي على المسلم أن يسعى ويسلك طريق العلم حتى ينال هذا الخير، وينال هذه الرفعة وهذه المكانة التي جعلها الله عز وجل لمن وفق لهذا الخير. ولا ييأس المسلم، فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20]، وما كان عطاء ربك محظورًا، وفضل الله عز وجل عظيم، ورحمة الله سبحانه وتعالى واسعة. قد يقول قائل: كيف يعرف العالم؟ قد يقول قائل: كيف يعرف العالم؟ فالعلماء لهم أوصاف ولهم ضوابط يعرفون بها. من هذه -إخواني في الله- أولاً: أن العالم يعرف بعلمه، فعلمه تعتبر ميزة كبيرة تميزه عن غيره، تميزه عن غيره. وهكذا أيضًا يعرف العالم برسوخ قدمه في هذا الباب، أي في العلم، ولا سيما عند الشبه وعند توالي الفتن، فالعالم يعرف في مثل هذه المواقف. ولهذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «إن الراسخ في العلم، إن الراسخ في العلم لو وردت عليه الشبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينه ولا قدحت فيه شكًا». هكذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، يقول: «إن الراسخ في العلم لو وردت عليه الشبه بعدد أمواج البحر، كم عدد أمواج البحر؟ لا يحصي ذلك إلا الله عز وجل، إلا الله عز وجل، يقول: إن الراسخ في العلم لو تواردت عليه الشبه بعدد أمواج البحر لما أزالت يقينه ولا قدحت فيه شكًا، ولا قدحت فيه شكًا». وهكذا أيضًا يعرف العلماء بنسكهم وعباداتهم وزهدهم وعملهم بهذا العلم، فإن العلم إذا لم يعمل به صاحبه كان حجة عليه، كان حجة عليه. ولهذا من سمات أهل العلم أنهم يعملون بما علموا، فتجده على عبادة، وتجده على نسك وصلاح، وتجده على زهد من هذه الدنيا. وهكذا أيضًا يعرف العلماء بشهادة مشائخهم وعلمائهم لهم أنهم من أهل العلم، أنهم من أهل العلم. قال الإمام مالك بن أنس أبو عبد الله الأصبحي، إمام دار الهجرة، قال رحمه الله تعالى: «ما جلست للفتيا حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم أني أهل لذلك». الإمام مالك رحمه الله يقول: «ما جلست للفتيا حتى شهد لي سبعون، سبعون شيخًا من أهل العلم أني أهل لذلك». ونعم الإمام، الإمام مالك رحمه الله تعالى. ولهذا كان مجلس مالك رحمه الله كان مجلسًا عظيمًا، وعليه المهابة والوقار والسكينة. نعم، كما ذكر ذلك أهل العلم. ولهذا قيل في مجلسه: «يأبى الجواب فلا يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقانِ أدب الوقار وعز سلطان التقى فهو المهيب وليس ذا سلطاني فهو المهيب وليس ذا سلطاني». فهذا مما يدل على ماذا؟ على أن العلماء يعرفون بأوصاف، هذا بعضها، هذا بعضها. والمسلم ينبغي عليه أن يسأل الله عز وجل العلم النافع، يسأل الله عز وجل العلم النافع. فقد كان أعلم هذه الأمة، بل أعلم الناس بالله عز وجل وبدين الله عز وجل، النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل الله عز وجل العلم النافع. فقد أخرج الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «سلوا الله علمًا نافعًا، سلوا الله علمًا نافعًا، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع، سلوا الله علمًا نافعًا، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع». بل جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع». النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو بهذه الدعوات العظيمات: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها». أربع دعوات عظيمات كان نبينا عليه الصلاة والسلام يدعو الله عز وجل إياها: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها». وأيضًا مما ينبغي علينا أن نتنبه له أن العلماء، كما أن لهم مكانة عظيمة ودرجة رفيعة في هذا الدين العظيم، بينها ربنا جل في علاه في كتابه، وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام في صحيح سنته، كذلك أيضًا إن لهؤلاء العلماء حقوقًا علينا معاشر المسلمين، لهم علينا حقوقًا ينبغي علينا أن نؤدي هذا الحق وأن نقوم به حق القيام. فمن حقوق العلماء علينا أولاً: الترحم عليهم والدعاء لهم بالخير. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا﴾ [الحشر: 10]، يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]، ربنا إنك رؤوف رحيم. فهذا من علامات الصلاح في هذا الإنسان، حين أن يدعو لأهل الخير، ويدعو لأهل العلم، ويدعو لأهل الفضل لما بذلوه ولما يبذلوه من تعليم للناس ونصح للناس ودعوة للناس، يدعو لهم بالخير، أن الله عز وجل يرحم من مات منهم، ويحفظ ويعين من كان حيًا منهم، إلى غير ذلك من هذه الدعوات المباركات. وهكذا أيضًا من حقوق العلماء علينا: عدم غيبتهم، ألا نقع فيهم بالغيبة، وألا نقع فيهم بالطعن والغمز واللمز. فإن هذا، أي الطعن والغمز واللمز، وهكذا غيبة العلماء في المجالس، هذا إن دل على شيء دل على سوء ذلك الطاعن، وعلى سوء سريرته. وإلا فماذا عسى أن فعل أهل العلم غير أنهم بذلوا الغالي والنفيس في بذل هذا العلم، وهكذا تحصيل هذا العلم، وهكذا نشر ذلكم الخير؟ وهذا أمر لا يغيظ إلا أعداء الإسلام، لا يغيظ إلا أعداء الإسلام، يغيظهم أن الإسلام ينتشر شرقًا وغربًا، وهكذا يغيظهم أن الخير يحل وأن الشر يرتفع، يغيظهم أن الناس يقبلون على التوحيد ويبتعدون عن الشرك، أن الناس يعملون بالسنن ويتركون البدع، يبغضهم أن الناس يقبلون على الخير ويبتعدون عن الشر. فهذا أمر أيها الإخوة في الله، نعم يعتبر من حقوق العلماء عدم الوقوع، نعم، بالطعن فيهم، وهكذا التعرض لفضائل، التعرض لهم بالغمز واللمز، وهكذا ذكر معايبهم، وهكذا أيضًا غيبتهم في المجالس. وهذا أمر قد انتشر وعم وطم بلاؤه، ولا يسلم منه إلا من سلمه الله عز وجل. وهكذا أيضًا من حقوق أولئك العلماء: احترامهم وتوقيرهم وتقديرهم، وأن تتسع القلوب وأن تتسع الصدور لما يحصل بينهم من اختلاف. هذا يعتبر من حقوق العلماء علينا: احترامهم وتقديرهم. وهكذا أيضًا أن تتسع صدورنا، لا سيما طلاب العلم، لما قد يحصل من اختلاف بينهم. ولهذا قال الإمام العثيمين محمد بن صالح أبو عبد الله رحمه الله تعالى: «قال: وعلى طلبة، وعلى طلبة العلم احترام العلماء وتقديرهم، وأن تتسع صدورهم لما يحصل بينهم من اختلاف، بين العلماء وغيرهم». كلمات عظيمات نافعات، لكن نعم قد يخل كثير من طلاب العلم بمثل هذه الوصايا وبمثل هذه التوجيهات من أمثال أولئك الجبال، أئمة الأعلام. يقول الإمام ابن عثيمين رحمه الله تعالى: «قال: وعلى طلبة العلم احترام العلماء وتقديرهم، وأن تتسع صدورهم لما يحصل بينهم من اختلاف، لما يحصل من اختلاف بين العلماء وغيرهم». وقال الشيخ الإمام الفوزان حفظه الله تعالى: «قال: فالواجب أن نعرف لهم قدرهم ونحترمهم، وأن لا نقبل القالة فيهم، وأن ندافع عن أعراضهم، وأن ندافع عن أعراضهم». وهذا أمر كما سبق ينبغي على طلاب العلم خصوصًا، وعلى المسلمين عمومًا أن يراعوه في حق أهل العلم. فإذا كان نعم غيبة أو تنقص أو عدم القيام بحق مسلم من المسلمين عاميًا لا يجوز، فكيف إذا كان هذا المسلم من أهل العلم، وممن يرجع إليهم في الفتوى، وهكذا يرجع الناس إليهم عند النوازل والملمات؟ فهذا أمر ينبغي أن نتنبه له. والناظر في أحوال كثير من المسلمين أنه أصبح عند كثير منهم أعراض المسلمين، بل أعراض العلماء، أسهل ما يكون تناولها في مجلس واحد، يمكن أن يخوض في عرض كذا وكذا عالمًا من العلماء، عالمًا من العلماء، فلا يبالي، إن قال في فلان أنه لص، أو قال في آخر أنه مثلاً منحرف، أو قال في آخر أنه كذا وكذا من هذه الألقاب التي لا تليق بأهل العلم، التي لا تليق بأهل العلم. وهكذا أيضًا من حقوق أولئك العلماء: عدم تجاهل حقهم، وأنه ينبغي أن يعرف الناس بقدرهم ومكانتهم والرفعة التي آتاهم الله عز وجل إياها. ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام كما في مسند الإمام أحمد رحمه الله، وهكذا عند الحاكم وغيرهما، قال عليه الصلاة والسلام: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه، ويعرف لعالمنا حقه». فهذه بعض الحقوق التي ينبغي علينا أن نهتم بها وأن نقوم بها في حق أولئك العلماء الذين وجودهم يعتبر نعمة على الناس، ويعتبروا خيرًا للناس، كما سبق في قول الإمام الجليل أبي مسلم الخولاني رحمه الله: «هم العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، فإذا بدت اهتدى الناس، وإذا خفيت تحيروا، وإذا خفيت تحيروا». وعلى أن نعلم أيضًا إخواني في الله أن هذا العلم لا يذهب حتى يذهب أولئك العلماء، حتى يذهب أولئك العلماء، فإذا ذهب العلماء ذهب العلم معهم، ذهب العلم معهم. ولهذا سبق معنا ما قاله الإمام التابعي الجليل مطر العجل رحمه الله تعالى بعد أن دفن الصحابي الجليل أنس بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه، قال بعد أن دفنوه: «لقد دفن اليوم علمًا كثيرًا، لقد دفن اليوم علمًا كثيرًا». بل يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه الشيخان، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». بل يقول الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: 41]، قال ابن عباس، وهكذا عطاء ومجاهد: «أي بموت العلماء، أي بموت العلماء». وهكذا يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: «تعلموا العلم قبل أن يرفع، ورفع العلم بقبض العلماء». وقال الحسن البصري رحمه الله: «موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اضطرد الليل والنهار». فهذا مما يدل على أهمية وجود العلماء، وعلى أنه ينبغي أن نعرف لهم قدرهم. فنكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.