الدعوة إلى الله ووسائلها

الدعوة إلى الله ووسائلها

الدرس في الدعوة إلى الله ووسائلها، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أدلة توقيفية الدعوة إلى الله

الدعوة إلى الله عبادة توقيفية، وأدلة الكتاب والسنة تدل على ذلك وتنقسم إلى أدلة عامة وأدلة خاصة. الأدلة العامة تشمل آيات مثل ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ و﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.

أهمية التوقف في الدعوة على الدليل

يجب التوقف في الدعوة إلى الله على ما دل عليه الدليل، مستشهدا بقول الله تعالى لنبيه وبأحاديث نبوية تحذر من الابتداع. الدعوة يجب أن تكون على علم وبصيرة مستمدة من الكتاب والسنة.

وسائل الدعوة وتوقيفيتها

وسائل الدعوة إلى الله توقيفية، يجب أن تكون مبنية على الشريعة الإسلامية. يُفرق بين وسائل الدعوة وأدواتها، حيث أن الأدوات ليست توقيفية ويمكن استخدامها إذا لم تخالف الشرع.

التحذير من ابتداع العبادات

يُنبه على خطأ ابتداع أشياء في الدين لم يفعلها النبي وأصحابه والتابعون. تركهم لها مع وجود سببها يدل على عدم مشروعيتها، وسيُناقش هذا باستفاضة في دروس لاحقة.

  • 24 جمادى الأولى 1432هـ - 27/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، فموضوع هذه الليلة هو في أمر من الأمور الدعوية التي خالف فيها من خالف، كذلك منهم من كان ذلك بسبب جهله وعدم معرفته بالدليل الشرعي، ومنهم بسبب عناده وتعصبه وكذلك بدعته، فأصر على الباطل مع علمه بالحق. وهذه المسألة هي مسألة الدعوة إلى الله ووسائلها. فالدعوة إلى الله هي عبادة من العبادات التي أمر الله جل وعلا بها في كتابه، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته، من قوله وفعله عليه الصلاة والسلام. وهذه هي الدعوة، الدعوة إلى الله لها وسائل، وأهل السنة والجماعة قديما وحديثا يرون أن وسائل الدعوة إلى الله توقيفية، لدلالة أدلة الكتاب والسنة، وفهم سلف الأمة على هذا المعنى. بينما خالف في ذلك بعض الخلف قديما وحديثا، فاتخذوا وسائل لم يدل الدليل الشرعي عليها، وجعلوها من وسائل الدعوة إلى الله جل وعلا، وليس الأمر كذلك. ونذكره في هذا المجلس القصير شيئا مختصرا يسيرا مما يتعلق بهذا الموضوع. أول ذلك أدلة التي تدل على أن وسائل الدعوة توقيفية، من الكتاب ومن السنة، وهي تنقسم إلى قسمين: أدلة عامة وأدلة خاصة. فمن الأدلة العامة من كتاب الله عز وجل، وهي كذلك تنقسم إلى قسمين: أدلة عامة تدل على أصل التوقف في العبادة، وأن الأصل في العبادة التوقف، وأنه لا يجوز للإنسان أن يقوض في شيء من العبادات إلا بماذا، إلا بعلم وبدليل شرعي. وأدلة أخرى عامة تدل على عدم جواز التقول على الله ما لم يقل، وأن ينسب إلى الله جل وعلا ما لم يحكم به ويشرعه. وكلا الأمرين يدلان على هذا المعنى، وهو أن الأصل في الدعوة إلى الله التوقف، لأنها عبادة من العبادة أولا، لأن العبادة كما هو مقرر عند كل مسلم أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فكل ما أحبه الله ورضيه قولا أو فعلا ظاهرا أو باطنا فهو من العبادة. فإذا تقرر ذلك، وجب بعد ذلك ما يتبع ذلك مما سيأتي التدليل عليه. فمن أدلة الكتاب قول الله جل وعلا: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾، فبين جل وعلا أن المشرع في دينه، ومن الدين العبادة، هو الله جل وعلا، فليس لأحد أن يشرع، وأن يستحسن شيئا من الدين لم يأذن به الرب جل وعلا. ومن ذلك أمر الدعوة إلى الله. ومن ذلك، وهو من النوع الثاني، قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، والخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو لغيره من باب أولى. ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا. بل هذا نبينا عليه الصلاة والسلام كان يسأل عن الشيء ولا يجيب حتى يأتيه الوحي من الله سبحانه، فيجيب بما علمه الله. ففي صحيح البخاري ومسلم، من حديث عبد الله بن مسعود، أن اليهود جاءوا فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح، فلم يجيبهم بشيء حتى أنزل الله عز وجل عليه قوله سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وفي الصحيح، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم زار جابر بن عبد الله في مرض كان فيه، وقد أغمي عليه، فتوضأ ونضح عليه من وضوءه، فأفاق جابر بن عبد الله، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنده وأبو بكر، فخشي على نفسه من الموت، فسأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ماله: ما يأخذ منه؟ وما يذر؟ وما يصنع فيه؟ يعني كأنه ما يفعل فيه، وكيف يقسمه؟ فلم يجب عليه الصلاة والسلام بشيء حتى أنزل الله سبحانه عليه آية المواريث. والشاهد من هذا أن نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله الذي يوحى إليه، وأوحي إليه، ومع ذلك ما تجاسر أن يتكلم بشيء من دين الله إلا بعلم ووحي. فكيف يجوز لمسلم أن يزيد ويشرع في دين الله عز وجل، وفي عبادة من العبادات ما لم يأذن به ربنا جل وعلا؟ ومن الأدلة الخاصة في كتاب الله، في بيان أن الدعوة إلى الله من العبادة التي يجب التوقف فيها على ما دل عليه الدليل، قول الله جل وعلا في نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. وقوله عليه الصلاة والسلام، أو قول الله عز وجل لنبينا عليه الصلاة والسلام، والخطاب للأمة جميعا. وكما مر معنا قريبا، أن ما في القرآن مما فيه «قل» فهو فيه تأكيد الأمر مرتين، ولا يكون ذلك غالبا إلا فيما كان يحتاج إلى زيادة الاعتناء، إلا ما كان يحتاج إلى زيادة الاعتناء. إذ النبي عليه الصلاة والسلام ما أمر بالتبليغ عموما أصلا، النبي عليه الصلاة والسلام ما أمر بالتبليغ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، أمر بالتبليغ. فإذا كان أضيف مع ذلك قوله سبحانه: «قل»، فدل ذلك على زيادة الاعتناء في هذا الأمر الذي أمر به. وهذا يؤكد أن هذا الباب هو فيه من التجديد ما ليس في غيره من الأبواب الأخرى. فقوله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، أي على علم، كما فسره العلماء. فالدعوة إلى الله ما تكون إلا على علم، وهذا العلم لا يكون إلا من الكتاب ومن السنة، وهي الوسيلة التي بها تكون الدعوة إلى الله سبحانه. وهكذا قوله جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، والحكمة والموعظة الحسنة هي كذلك من أساليب الدعوة، وهي توقيفية، لا تعرف بالرأي ولا بالعاطفة ولا بغير ذلك. وهكذا من أدلة السنة العامة كثيرة، وهي كثيرة، منها قول النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عائشة بالصحيحين: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وفي رواية البخاري معلقا ومسلم موصولا: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». وهكذا كذلك في حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي بين فيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم الطريق الذي يجب على المسلم أن يسلكه جملة وتفصيلا في دينه وعبادته لربه، ومن ذلك أمر الدعوة إلى الله، وهو قوله عليه الصلاة والسلام بحديث «عرباض بن سارية» المشهور: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». والدعوة إلى الله من أوائل هذه الأمور التي وقع فيها الاختلاف، ووجب الرجوع فيه إلى ما أمر رسولنا عليه الصلاة والسلام بالرجوع إليه. فبماذا أمر في هذا الحديث؟ أمر بالرجوع لما لا، «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور». فحذر النبي عليه الصلاة والسلام من محدثات الأمور، وهي بمفهوم ومنطوق هذا الحديث ما خالف سنته وسنة الخلفاء الراشدين. وبه تعرف أن وسائل الدعوة إلى الله توقيفية، يجب سلوك سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده. ومن الأدلة الخاصة التي تدل على ذلك فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع أصحابه، فإنه أرسل أصحابه إلى الأمصار يعلمون الناس ويدعونهم، وكانت أساليب الدعوة التي كان يدعو الناس إليها محصورة في أشياء هي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، وهو العلم، العلم بالكتابة، بالكتابة، كذلك بالنصيحة، وبغير ذلك مما هو يدخل في معنى العلم. وقد أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأخذ سنته وطريقته، وأمر كذلك بأخذ طريقة أصحابه رضي الله تعالى عنهم، فدل هذا على أن الواجب التقيد بما كان عليه عليه الصلاة والسلام. بل دل الحديث الصحيح الصريح، كما في حديث «بريد» بصريح مسلم، وهو في «جهاد»، وأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أميرا فحين أرسله، والجهاد من الدعوة إلى الله، الجهاد من الدعوة إلى الله، قال: «وإن أرادوك أن تنزلهم على حكمك، على حكم الله، فلا تفعل، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري، لعلك لا تصيب حكم الله فيهم». استدل العلماء بهذا أنه لا يجوز للمسلم أن ينسب إلى الله جل وعلا شيئا وهو غير مستيقن له. فإذا كان كذلك بمثل هذا، ففي حق الدعوة إلى الله التي هي عبادة من العبادات من باب أولى. وبعد هذا كله ينبغي أن نعرف أن ما يدعى فيه أنه من وسائل الدعوة، كما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه مفصلا في مجالس لاحقة، منه ومن بعض الإخوان، أن هذه التي تدعى فيها أنها من وسائل الدعوة إلى الله هي في الحقيقة مع خروجها عن هذا الأصل، وهو أن الأصل في الوسائل، وسائل الدعوة أنها توقيفية، هي كذلك فيها مخالفات ومحاذير ومحظورات شرعية، تدل على أنها عن تلك التي دعي أنها وسائل، كما سيأتي بيانه إن شاء الله في مجالس لاحقة. ومن فهم السلف الذي يدل على أن وسائل الدعوة توقيفية أشياء كثيرة. ومن هذا الكثير ما جاء عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، أنه أنكر على قوم من المتصوفة اتخذوا النشيدة والرقص وسيلة من وسائل التدين، فوصف هؤلاء بأنهم زنادقة، وهو ما كان يفعل في زمنه مما يسمى التغبير. وعبارة الإمام الشافعي رحمه الله مشهورة معروفة في نهيه عن هذا الفعل، وأنه ترك قوما من الزنادقة في العراق يصنعون شيئا يسمى التغبير. وهكذا ذكر العلماء، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه مفصلا في ذكر تلك الوسائل المدعاة ما يدل على هذا المعنى. فهذا فهم بعض أئمتنا، أئمة أهل السنة والجماعة، مما يدل أن باب وسائل الدعوة توقيفي، وليس هو لمن شاء أن يفترع به ما شاء. وها هنا تنبيه نختم به هذه الكلمة، وهو أننا يجب أن نفرق بين وسائل الدعوة التي يدعى بها إلى الله، وبين أدوات الدعوة. فإن الأدوات، أي المصنوعات التي تستخدم في الدعوة إلى الله، ليست توقيفية، لأن هذا يعرض على الشرع، فيما لا يخالف الشرع، وما لم يخالف الشرع، ودل عموم الشرع على جوازه، فالأصل استخدامه وحله. لماذا؟ لأن بعض الناس يخلط بين الأمور، فيقول: كيف تقولون وسائل الدعوة توقيفية، وأنتم تستخدمون مكبرات الصوت، ولم يكن ذلك في زمن النبي عليه الصلاة والسلام؟ بل واستدل بعض أهل البدع كذلك بكتابة المصاحف في زمن الصحابة رضي الله عنهم، ولم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأرادوا بذلك أن يستدلوا على البدع الحسنة. وهذا خطأ، وجهلوا دين الله جل وعلا في الحقيقة. فإن هذا ليس من البدعة الحسنة في شيء، وليس هذا كذلك مما يستطيع المدعي أن يدعي فيه أنه من وسائل الدعوة، بل هذا في الحقيقة من الأدوات التي دل الدليل الشرعي على الحث في استخدامها. فإن تبليغ العلم بالوسيلة الصحيحة التي لا تخالف الشرع، دل الدليل الشرعي على ذلك. فما دل عليه الشرع فهذا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «اكتبوا لمن شاء من أبي شاه». اكتبوا لأبي شاه، لما خطب النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، فأعجب ذلك رجلا من اليمن يقال له أبو شاه، أعجبت هذه الخطبة، فقال: يا رسول الله، اكتب لي هذه الخطبة. فأمر أصحابه أن يكتبوا له هذه الخطبة. فتبليغ العلم بالكتابة، تبليغ العلم برفع الصوت، والتبليغ بهذا، من مدلول عليه الدليل. ولهذا صار أئمة أهل السنة يتخذون مبلغين في درس العلم. فهذا الإمام «شعبة» رحمه الله تعالى كان في درسه أكثر من مبلغ. بل يذكر بعض أهل الحديث أنه ربما كان له أكثر من مئة مبلغ في الدرس الواحد، يعني لأجل كثرة الناس، يكون له أكثر من مئة مبلغ، واحد في اليمين، واحد في اليسار، وأناس خلفهم، وأناس خلفهم. فإذا قال المحدث: «حدثنا فلان»، قال ذاك عن يمينه وعن يساره ومن أمامه: «حدثنا فلان»، ثم قال الذي خلفه، ثم قال الذي خلفه: «حدثنا فلان»، حتى بلغ الآخرين. فدل ذلك على أن هذا مما دل عليه الدليل الشرعي، ومما لا ينافي التوحيد. وجهل أن يخلط بين هذا وبين أن تخترع أشياء لم يأت بها أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع وجود سببها، ولم يفعلها كذلك من بعدهم من التابعين، ولا أتباع التابعين، ولا أحد من أئمة الدين المعروفين، وكان سببه موجودا، ومع ذلك ترك، ويدعى أن هذا كذلك، وهذا خطأ، وهذا جهل. وسيأتي إن شاء الله في دروس لاحقة، منه ومن بعض الإخوان، ما يدل على هذا ويؤكده. فنكتفي بهذا القدر، وهذه المقدمة، وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.