الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 48، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اسم الله القدوس يعني المتنزه عن كل نقص وعيب، ويتضمن تنزيه الله جل وعلا عن النقص والعيب ومماثلة المخلوقين. يُثبت هذا الاسم لله التنزيه عن كل ما يضاد كماله.
التسبيح الحق لله يتضمن تحميدا وتكبيرا وتعظيما بإثبات أوصاف الكمال له بما يوافق الشرع. أهل السنة يسبحون الله بما يوافق شرع الله، بينما أهل البدع ينزهون الله بعقولهم وأهوائهم.
التسبيح من أعمال الثناء العظيم لله، وقد ثبت عن النبي العديد من الأحاديث التي تبين فضله. الصلاة على النبي تعبر عن التبريك والتسليم على رسول الله وتعتبر بداية مناسبة للنصوص الدينية.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا القدوس. فالقدوس من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في موضعين من كتاب الله جل وعلا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون﴾، وفي قوله جل وعلا: ﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم﴾. قد ورد هذا الاسم -اسم الله جل وعلا القدوس- في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، قالت: كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول في ركوعه وسجوده: "سبوح قدوس رب الملائكة والروح"، سبوح قدوس رب الملائكة والروح. وثبت هذا الاسم أيضا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام بعد انتهائه عليه الصلاة والسلام من صلاة الوتر، كان يقول عليه الصلاة والسلام: "سبحان الملك القدوس"، سبحان الملك القدوس، سبحان الملك القدوس. وهذا ثبت هذا الاسم في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة عند أبي داود رحمه الله تعالى، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. بمعنى اسم الله جل وعلا القدوس السبوح، ولذلك ذكر المؤلف العلامة العثيمين فيما ذكر من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام أسماء الله جل وعلا الحسنى، فذكر منها السبوح. والسبوح ثبت في السنة، بسم الله جل وعلا السبوح ثبت في السنة كما سمعتم في حديث عائشة المتقدم في صحيح إمام مسلم: كان يقول في سجوده وركوعه "سبوح قدوس رب الملائكة والروح". وهذا للإثبات أي السبوح القدوس إثباتان عظيمان دالان على تعظيم الله جل وعلا وتنزيهه سبحانه وتعالى من كل نقص وعيب. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في معنى اسم الله جل وعلا القدوس: "وكذلك من أوصافه القدوس ذو التنزيه للتعظيم للرحمن". والمعنى أن معنى اسم الله جل وعلا القدوس أي الذي له أوصاف القدوسية جل وعلا في ذاته وأسمائه وصفاته. والقدوس الذي يعظم، فهو العظيم سبحانه وتعالى، وهو المنزه، وهو المسبح جل وعلا عن كل نقص وعيب. فهذان الإثنان، السبوح القدوس، إثنان دالان على تنزيه الله جل وعلا وتقديسه وتسبيحه من كل نقص وعيب. فكل ما ينافي صفات كماله جل وعلا، فالله جل وعلا السبوح القدوس منزه عن ذلك. وذلك لأن له الوصف الأعلى، كما قال عز وجل: ﴿ولله المثل الأعلى﴾، أي الوصف الأكمل من كل الوجوه. وهذا لازمه أن يتنزه جل وعلا السبوح القدوس عن كل نقص وعيب. فصفاته كلها صفات كمال وصفات جلال سبحانه وتعالى. ومجموع ما ينزه عنه جل وعلا السبوح القدوس أمران: الأمر الأول أن ينزه عن كل نقص وعيب وعن كل ما يضاد كماله جل وعلا، فينزه عن النقص وعن العيب وعن التعب وعن اللغوب وعن السنة والنصب والعجز وغير ذلك من صفات النقص والعيب، مع إثبات كمال ضدها. فتنزه الله جل وعلا عن صفات النقص والعيب، ذلك لثبوت كمال ضدها. فهو جل وعلا الذي لا تأخذه سنة ولا نوم لأنه الحي القيوم سبحانه وتعالى. فلكمال حياته وقيوميته جل وعلا كان متنزها عن النوم وعن السنة سبحانه وتعالى، ولكمال علمه وقدرته، فالتنزه عن العجز والضعف والنصب والتعب. والأمر الثاني أن ينزه السبوح القدوس جل وعلا عن مماثلة أحد من خلقه، أو مماثلة أحد من خلقه له، لأنه جل وعلا تعالى عن الند والنظير والكفو والمساوي والمثيل. قال جل وعلا: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، فينزه سبحانه وتعالى عن مماثلة المخلوقين. وهنا أمر لا بد أن ينتبه له في تنزيه السبوح القدوس جل وعلا عن النقص والعجز، أن يكون التنزيه والتسبيح موافقا لشرع الله جل وعلا، موافقا لكتاب الله ولسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولفهم السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله تعالى. فالتنزيه كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: لا بد أن يكون معه إثبات المحامد لله جل وعلا، فهو تنزيه وتسبيح مع إثبات المحامد لله جل وعلا. لأن الله جل وعلا قال: ﴿فسبح بحمد ربك﴾، فأمر جل وعلا بتسبيحه سبحانه وتعالى وتحميده. فعلم بهذا أن التسبيح الحق الذي معه تحميد لله جل وعلا وتكبير وتعظيم. وهذا التحميد والتكبير والتعظيم لا يكون إلا بإثبات أوصاف الكمال لله جل وعلا على ما يليق به سبحانه وتعالى. ولذلك أيضا أشار ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى كما في تفسيره لسورة النصر عند قوله جل وعلا: ﴿فسبح بحمد ربك﴾، قال رحمه الله تعالى: "ليس كل تسبيح محمود، فإن تسبيح المعطلة ليس بمحمود لأنه معه تعطيل، فليس معه إثبات للمحامد لله جل وعلا". فالتسبيح الشرعي والتنزيه الشرعي لا بد أن يكون موافقا للشرع، لا يكون التسبيح بالآراء لله جل وعلا، تنزيه الرب جل وعلا بالآراء وتقديس الرب جل وعلا بالعقول الفاسدة، ولا كذلك بالأهواء ولا بالآراء كما هو الشأن عند أرباب أهل البدع. فالشأن عند أهل البدع في التنزيه أن ينظروا بعقولهم وأن يحكموا بعقولهم. فعقولهم إذا دلتهم على أن هذا لا يناسب الرب جل وعلا، فإنهم عطلوه ولم يثبتوه لله سبحانه وتعالى. وغيرهم بالهوى، وغيرهم كذلك بالعقول، وغيرهم بالاستحسان، وغيرهم بالأذواق. أما أهل السنة والجماعة فإنهم سبحوا الله جل وعلا السبوح القدوس، ونزهوه جل وعلا بما يوافق شرع الله سبحانه وتعالى. فلا المعطلة نزهوا الله جل وعلا السبوح القدوس تنزيها شرعيا، ولا الممثلة كذلك. فأهل التعطيل بزعمهم نزهوا السبوح القدوس عن النقص والعجز، لكن كان ذلك بعدم إثبات صفات الكمال لله جل وعلا، فعطلوا الله جل وعلا عن صفاته كصفة الوجه واليدين وغيرها من صفات الكمال الثابتة لله جل وعلا. فهل هذا هو التنزيه لله سبحانه وتعالى السبوح القدوس؟ لا، ليس هذا هو التنزيه الشرعي، وإنما هذا التنزيه بالعقول الفاسدة، التنزيه بعقولهم الفاسدة. ظنوا أن تنزيه الله جل وعلا عن النقص والعجز يكون بتعطيله عن صفاته، بتعطيله عن صفاته. وقع في ذلك الجهمية ووقع في ذلك المعتزلة ووقع في ذلك الأشاعرة الذين عطلوا معاني نصوص الصفات اللائقة بالله جل وعلا. فلم يثبتوا لله جل وعلا وجها يليق بجلاله، ولم يثبتوا له الصفات اللائقة بجلاله جل وعلا، وإنما عطلوها إلى معاني عينوها بعقولهم وما يوافق أهواءهم. فليس هذا بتنزيه، وليس هذا بتسبيح للسبوح القدوس جل وعلا. كيف يكون هذا تنزيها للسبوح القدوس جل وعلا؟ وقد نزه الله جل وعلا نفسه عن قولهم هذا. كيف يكون قولهم تنزيها والله جل وعلا قد نزه نفسه جل وعلا عن قولهم؟ كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين﴾. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فسبح الله جل وعلا نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلم المرسلين لسلامة ما قالوه في الله جل وعلا من صفات النقص والعجز". فهذه الآية فيها الرد على كل من نزه الله جل وعلا بزعمه، لكن كان تنزيهه ليس معه إثبات صفات الكمال لله جل وعلا، وليس معه إثبات المحامد لله سبحانه وتعالى. فالتنزيه الحق للسبوح القدوس جل وعلا أن يكون تنزيها من غير تعطيل، بإثبات ما أثبته الله جل وعلا لنفسه في كتابه العزيز، وما صح في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام مما أثبته عليه الصلاة والسلام لربه من أسماء وصفات، من غير تمثيل ولا تكييف ولا تحريف ولا تعطيل. فهذا هو التنزيه الحق للسبوح القدوس جل وعلا. فليس كل أحد قال: أنا أنزه الرب جل وعلا، نقول له: كيف نزهته؟ هل نزهته كما أراد الله جل وعلا أن ينزه؟ أم نزهته بعقلك ونزهته بدوقك ونزهته باستحسانك ونزهته بهوى نفسك؟ فالتنزيه الحق الشرعي هو الموافق لكتاب الله ولسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. والتسبيح والتقديس لله جل وعلا السبوح القدوس من العبادات العظيمة التي يحبها السبوح القدوس جل وعلا. فالسبوح القدوس يحب من عباده أن يسبحوه، ولذلك أمر سبحانه وتعالى في عشرات الآيات من كتابه الكريم بل أكثر من ذلك بتسبيحه سبحانه وتعالى بكرة وأصيلة وبكرة وعشية وبالغدو والآصال. وأمر جل وعلا بأن يسبح سبحانه وتعالى عند نزول الشخص في مكان منخفض، سبح الله جل وعلا، وإذا علاه مرتفعا كبر الله سبحانه وتعالى كما بين ذلك النبي عليه الصلاة والسلام. فالله سبحانه وتعالى يأمر بتسبيحه في كتابه الكريم بالتسبيح أدبار النجوم والتسبيح حال السجود. والنبي عليه الصلاة والسلام في ركوعه يسبح السبوح القدوس، وفي سجوده يسبح السبوح القدوس جل وعلا. وهكذا عليه الصلاة والسلام كان عند انتهاء مجلسه يسبح الرب جل وعلا السبوح القدوس "سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك". أثنى الله جل وعلا على مخلوقاته المسبحة له في كتابه الكريم، أخبر أن الرعد يسبح بحمده والملائكة من خيفته. أخبر أن الجبال تسبح والطير تسبح والدواب تسبح، وجميع ذلك من الثناء العظيم منه جل وعلا السبوح القدوس لعباده ومخلوقاته المسبحة له جل وعلا، المنزهة له سبحانه وتعالى عن كل نقص وعيب. ولذلك كثرت الأحاديث في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام في الأمر بتسبيح جل وعلا وبيان فضائل التسبيح. فثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن أحب الكلام إلى الله جل وعلا كما في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". وهكذا عند مسلم من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال النبي عليه الصلاة والسلام: "أحب الكلام إلى الله جل وعلا: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". وهكذا في حديث أبي مالك الأشعري عند مسلم، وهكذا عند النسائي قال عليه الصلاة والسلام: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان". وقال: "تملأان أو تملأ ما بين السماء والأرض". وهكذا كذلك في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه وأرضاه عند مسلم كذلك، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟" قالوا: يا رسول الله، وكيف يكسب أحدنا كل يوم ألف حسنة؟ قال: "يقول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". فإن من قال ذلك كتبت له ألف حسنة، وحطت عنه ألف خطيئة. وهذا من فضائل التسبيح للسبوح القدوس سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة فضل التسبيح للسبوح القدوس سبحانه وتعالى. قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: "من قال سبحان الله وبحمده حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر". وهذا يدلنا على فضل التسبيح لله جل وعلا السبوح القدوس سبحانه وتعالى. بل ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه بين أن التسبيح صلاة كل المخلوقات، التسبيح صلاة كل المخلوقات. فصلاة كل المخلوقات هي تسبيح الرب سبحانه السبوح القدوس جل وعلا. فقد ثبت من حديث عبد الله بن عمر عند أبي داود، وصححه العلامة الألباني، وهو كذلك في المسند وفي الأدب المفرد للبخاري رحمه الله تعالى، أن نوحا عليه الصلاة والسلام عند موته أوصى ابنه فقال له: "آمرك بلا إله إلا الله، وآمرك بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبرها يرزق الخلق". فالتسبيح عظيم له سبحانه وتعالى، ويحب من عباده أن يسبحوه. ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام في آخر حياته يكثر من التسبيح في سجوده وفي ركوعه كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، حين نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قول الله جل وعلا: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾، قالت: كان يكثر من ذلك في سجوده وركوعه يتأول القرآن. أي يعمل ويمتثل بما جاء في القرآن، وهو أمر الله سبحانه وتعالى له بالتسبيح والتحميد. فكان عليه الصلاة والسلام يجمع بين التسبيح والتحميد كما جمعت الملائكة بين التسبيح والتحميد كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم على لسان الملائكة: ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾. فالتسبيح والتنزيه للسبوح القدوس جل وعلا لا يكون بالهوى ولا بالأذواق، وإنما كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بالتسبيح الذي معه إثبات المحامد لله جل وعلا وصفات الكمال له سبحانه وتعالى. فمن مقتضى إيمانك عبد الله باسم الله جل وعلا السبوح القدوس أن تنزهه عن كل نقص وعيب، وأن تعظمه جل وعلا، وأن تكثر من تسبيحه سبحانه جل وعلا وتعالى في سائر أحوالك، وأن تكثر من التسبيح له جل وعلا ما استطعت إلى ذلك سبيلا. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ألسنتنا ذاكرة بتسبيحه جل وعلا، وجوارحنا عاملة بطاعته، وأن يرزقنا وأن يلهمنا التسبيح جل وعلا، فإنه هو الذي يلهمه أهل الجنة حين يكونون في الجنة. فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لما يحب ويرضى. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.