من أحكام شهر شعبان  3

من أحكام شهر شعبان 3

الدرس في من أحكام شهر شعبان 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل شهر شعبان وعبادة النبي فيه

شهر شعبان شهر فاضل عند الله، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يكثر من العبادة فيه. الناس يغفلون عن طاعات هذا الشهر، والعبادة فيه مستحبة.

عرض الأعمال على الله وتأكيد استحباب الطاعات في شعبان

الأعمال تعرض على الله في أوقات مختلفة، ويكون العرض السنوي في شعبان. يُستحب الإكثار من الطاعات مثل الصيام وقراءة القرآن في هذا الشهر.

أهمية الصيام في شعبان كتمهيد لرمضان

الصيام في شعبان من الأعمال المؤكدة التي لها أجر عظيم، وهو تمهيد لصيام رمضان. الإكثار من العبادة في شعبان يجعل العبد أكثر استعدادا لعبادة الله في رمضان.

ختام بالصلاة على النبي وتسليم الأمر لله

المقطع الأخير يتضمن الصلاة على النبي وآله وصحبه، ويعبر عن التسليم لأمر الله. يشير إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء.

التفريغ النصي الكامل

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَتَمَّ إخْوَانِي فِي اللَّهِ لِمَا مَضَى ذِكْرُهُ فِي دُرُوسٍ قَدِيمَةٍ وَدُرُوسٍ مَاضِيَةٍ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِفَضِيلَةِ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي نَحْنُ نَتَفَيَّأُ ظِلَالَهُ، وَهُوَ شَهْرُ شَعْبَانَ، وَأَنَّ هَذَا الشَّهْرَ مِنْ شُهُورٍ فَاضِلَةٍ عِنْدَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ تَعَبُّدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي هَذَا الشَّهْرِ. وَبِهَذَا يَعْلَمُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنَّ فَضِيلَةَ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ زَمَنٍ مِنْ الْأَزْمِنَةِ لَا تَأْتِي ذَلِكَ مِنْ ذَاتِ أَنْفُسِنَا، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِالرُّجُوعِ إلَى الشَّرْعِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ الْمُطَهَّرَ هُوَ الَّذِي يُبَيِّنُ وَيُدَلِّلُ بَرَكَةَ الشُّهُورِ أَوْ عَدَمَ ذَلِكَ. وَكَانَ مِمَّا مَضَى إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنَّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ شَهْرِ شَعْبَانَ أَنَّهُ شَهْرٌ يَغْفُلُ عَنْهُ النَّاسُ، كَمَا صَحَّ الْخَبَرُ فِي ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَيْثُ قَالَ: «ذَاكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ عَنْهُ النَّاسُ». وَمِنْهُ اسْتَفَادَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي يَغْفُلُ عَنْهَا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، يُسْتَحَبُّ تَعْمِيرُهَا بِأَنْ تُعْمَرَ بِذِكْرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا وَبِطَاعَةِ الطَّاعَاتِ. وَاتَّكَلَمَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، وَبَيَّنُوا كَيْفَ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ وَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ فِي شَهْرٍ غَفَلَ النَّاسُ عَنْهُ عَنْ التَّعَبُّدِ فِيهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا يُعَظِّمُ لَهُ الْأَجْرَ. وَكَذَلِكَ مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ فِي الْأَسْوَاقِ فَأَجْرُهُ عَظِيمٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَعَبَّدَ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا فِي أَيَّامِ الْفِتَنِ فَأَمْرُهُ عَظِيمٌ. وَهَكَذَا مَنْ أَصْلَحَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ فِي أَيَّامِ الْغَفْلَةِ، فَإِنَّ أَجْرَهُ كَذَلِكَ يُعَظَّمُ. وَهَكَذَا فِي هَذَا الشَّهْرِ، كَمَا قَالَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «شَهْرٌ يَغْفُلُ عَنْهُ النَّاسُ». وَتَلَاحَظُ أَنَّ النَّاسَ فِي شَعْبَانَ يَغْفُلُونَ عَنْ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَمَرَ هَذَا الشَّهْرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَأَيْضًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ هَذَا الشَّهْرِ مَا جَاءَ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ فِي هَذَا الشَّهْرِ تُعْرَضُ فِيهِ الْأَعْمَالُ. وَهَذَا عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَارِدِ، وَجَمِيعِ مَنْ الْعُلَمَاءِ يُحَسِّنُونَهُ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي السِّلْسِلَةِ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ مَوَاضِعِ مِنْ كُتُبِهِ أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ. فَأَخْبَرَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ شَهْرَ شَعْبَانَ مِنْ الْأَشْهُرِ الَّتِي تُعْرَضُ فِيهِ الْأَعْمَالُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَهَذَا إِنْ دَلَّ دَلَّ عَلَى فَضِيلَتِهِ. وَإِذَا عَلِمَ الْمَرْءُ بِأَنَّ هَذَا الشَّهْرَ تُعْرَضُ فِيهِ الْأَعْمَالُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ أَعْظَمِ الدَّوَافِعِ إلَى الْإِكْثَارِ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، مِنْ قِيَامٍ، وَمِنْ صَلَاةٍ، وَمِنْ صَدَقَةٍ، وَمِنْ نَفَقَةٍ، وَمِنْ عِلْمٍ، وَمِنْ مُذَاكَرَةٍ، وَمِنْ مُرَاجَعَةٍ. فَأَجْرُهُ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ؛ لِأَنَّهُ شَهْرٌ تُعْرَضُ فِيهِ الْأَعْمَالُ. وَلِهَذَا كَانَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُكْثِرُ مِنْ الصِّيَامِ، كَانَ يَصُومُ الشَّهْرَ كُلَّهُ إلَّا قَلِيلًا. بَلْ كَانَ يَقُولُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: أَنَّ نَبِيَّنَا كَانَ يَصُومُ فِي هَذَا الشَّهْرِ حَتَّى لَا يَفْطِرَ؛ لِكَثْرَةِ صَوْمِهِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ. فَذَلِكَ قُلْنَا لِأَنَّهُ مِنْ الْأَسْبَابِ وَمِنْ الْأَيَّامِ الَّتِي تُعْرَضُ فِيهِ الْأَعْمَالُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ عَنْ عَرْضِ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَمِنْ خِلَالِ هَذَا الْحَدِيثِ يَتَضِحُ أَنَّ رَفْعَ الْأَعْمَالِ، وَأَنَّ عَرْضَ الْأَعْمَالِ مِنْهَا مَا هُوَ يَوْمِيٌّ، وَمِنْهَا مَا هُوَ أُسْبُوعِيٌّ، وَمِنْهَا مَا هُوَ سَنَوِيٌّ. فَأَمَّا الْيَوْمِيُّ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَكُونُ ذَلِكَ فِي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ». فَهَذَا التَّعَاقُبُ قَالَ الْعُلَمَاءُ: السِّرُّ فِي هَذَا التَّعَاقُبِ أَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ الَّذِي يَقَعُ فِي النَّهَارِ وَالَّذِي يَقَعُ فِي اللَّيْلِ يُعْرَضُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَأَمَّا الرَّفْعُ الْأُسْبُوعِيُّ أَوْ الْعَرْضُ الْأُسْبُوعِيُّ، مَا يَكُونُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ، وَكَذَلِكَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ إلَى اللَّهِ، تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. وَالرَّفْعُ السَّنَوِيُّ يَكُونُ فِي شَعْبَانَ، كَمَا قَالَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «هَذَا شَهْرٌ تُعْرَضُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ». فَعِنْدَنَا رَفْعٌ يَوْمِيٌّ، وَرَفْعٌ أُسْبُوعِيٌّ، وَرَفْعٌ سَنَوِيٌّ. فَرَفْعُ الْيَوْمِيُّ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالرَّفْعُ الْأُسْبُوعِيُّ فِي الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَرَفْعُ السَّنَوِيُّ يَكُونُ ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ. وَلَوْ تَلَاحَظُونَ نَبِيَّنَا عِنْدَمَا أَخْبَرَ عَنْ الرَّفْعِ الْأُسْبُوعِيِّ وَعَنْ الرَّفْعِ السَّنَوِيِّ، النَّبِيُّ يَتَعَمَّدُ الصِّيَامَ فِيهِ، يَتَعَمَّدُ الصِّيَامَ فِيهِ. وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ فِي أَيَّامِ عَرْضِ الْأَعْمَالِ يُسْتَحَبُّ مَاذَا؟ مِنْ فِعْلِ الصِّيَامِ حَتَّى يَتَقَبَّلَ، وَأَجْدَرُ بِالْقَبُولِ. وَالْأَعْمَالُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ الصَّالِحَةُ فِي هَذَا الْبَابِ قُلْنَا: مِنْ صِيَامٍ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ سَائِرُ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، لَيْسَ صِيَامًا فَقَطْ. وَلِهَذَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ كَذَلِكَ يُكْثِرُونَ مِنْ الصَّلَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُكْثِرُ مِنْ الْقِرَاءَةِ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ شَعْبَانَ بِشَهْرِ الْقِرَاءَةِ؛ لِكَثْرَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِيهِ. وَيَدْخُلُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَيَدْخُلُ فِي ذِكْرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا كَذَلِكَ، مُدَارَسَةُ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّ مُدَارَسَةَ الْعِلْمِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. فَيَنْبَغِي إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنْ نَجِدَّ وَأَنْ نَجْتَهِدَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَنْ لَا نَجْعَلَ هَذَا الشَّهْرَ شَهْرَ كَسَلٍ، بِأَنْ تُقْفَلَ الدَّفَاتِرُ وَأَنْ تُعَلَّقَ الْأَقْلَامُ، لَا، وَإِنَّمَا تُحَرِّكُ الْأَقْلَامُ، وَتُكْثِرُ فِي هَذَا الشَّهْرِ مِنْ دَرَسِ كِتَابٍ مَا يُرَاجِعُهُ مِنْ حِفْظِ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ يُرَاجِعُهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ دُرُوسٌ يُرَاجِعُهُ مَعَ إخْوَانِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، يُسْتَغَلُّ هَذَا الشَّهْرُ بِذِكْرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، أَنْ يَكُونَ فِي الْعِلْمِ، أَنْ يَكُونَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ مِنْ تَسْبِيحٍ، مِنْ اسْتِغْفَارٍ، مِنْ تَكْبِيرٍ، مِنْ تَهْلِيلٍ، مِنْ أَمْرٍ بِالْمَعْرُوفِ، مِنْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، مِنْ الدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، مِنْ إرْشَادٍ، مِنْ وَعْظٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ. بَلْ كَانَ مِنْ بَعْضِ السَّلَفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ كَانَ يَتَفَرَّغُ تَفَرُّغًا تَامًّا فِي شَعْبَانَ لِتَعَبُّدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَهَذَا الْأَمْرُ الثَّانِي إخْوَانِي فِي اللَّهِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ هَذَا الشَّهْرِ أَنَّهُ شَهْرٌ تُعْرَضُ فِيهِ الْأَعْمَالُ. إذَنْ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَدُلُّكَ عَلَى فَضِيلَةِ هَذَا الشَّهْرِ: أَوَّلًا أَنَّهُ شَهْرٌ يَغْفُلُ عَنْهُ النَّاسُ، فَفِي ذَلِكَ إحْيَاءُ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ فِيهِ. وَثَانِيًا أَنَّهُ شَهْرٌ تُعْرَضُ فِيهِ الْأَعْمَالُ. وَهُنَاكَ أَمْرٌ ثَالِثٌ اسْتَفَادَهُ الْعُلَمَاءُ لِفَضِيلَةِ هَذَا الشَّهْرِ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ شَهْرَ شَعْبَانَ أَفْضَلَ الشُّهُورِ. مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ بَالَغَ فِي شَعْبَانَ، وَقَالَ: إنَّ شَعْبَانَ أَفْضَلُ الشُّهُورِ بَعْدَ رَمَضَانَ. وَالْأَمْرُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ شَعْبَانَ مِنْ الْأَشْهُرِ الْمُلْتَصِقَةِ بِرَمَضَانَ. فَالْعِبَادَةُ وَأَدَاءُ النَّوَافِلِ إذَا كَانَتْ مُلْتَصِقَةً بِالْفَرَائِضِ، فَأَجْرُهَا أَعْظَمُ مِنْ النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ. فَعِنْدَ النَّوَافِلِ مُطْلَقَةٍ، وَنَوَافِلِ مُقَيَّدَةٍ، نَوَافِلِ مُؤَكَّدَةٍ. فَالنَّوَافِلُ الْمُؤَكَّدَةُ وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ مُلْتَصِقَةً بِفَرِيضَةٍ مِنْ الْفَرَائِضِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّهَا أَفْضَلُ. وَالطَّاعَاتِ وَالْقُرَبَاتِ وَالسُّنَنِ إذَا كَانَتْ مُلْتَصِقَةً بِفَرِيضَةٍ مِنْ الْفَرَائِضِ، أَجْرُهَا أَعْظَمُ. فَإِنَّ أَجْرَهَا أَعْظَمُ مِنْ النَّوَافِلِ الَّتِي هِيَ مُطْلَقَةٌ، لَيْسَ لَهَا تَعَلُّقٌ أَوْ الْتَصَقٌ بِفَرِيضَةٍ. قَالَ مِثَالُهُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالسُّنَنِ الْقَبْلِيَةِ وَالْبَعْدِيَةِ. السُّنَنِ الْقَبْلِيَةِ وَالْبَعْدِيَةِ، فَهُوَ الظُّهْرُ، هُنَاكَ سُنَّةٌ قَبْلِيَّةٌ وَهُنَاكَ سُنَّةٌ بَعْدِيَّةٌ. قَوْلُ الْمَغْرِبِ، هُنَاكَ سُنَّةٌ قَبْلِيَّةٌ وَسُنَّةٌ بَعْدِيَّةٌ. إنْ كَانَتْ هُنَاكَ سُنَّةٌ قَبْلِيَّةٌ مَثَلًا، أَوْ كَذَلِكَ الْعِشَاءُ. وَكَذَلِكَ بَعْضُ الصَّلَوَاتِ، مِنْهَا مَا هُوَ قَبْلِيٌّ، مِنْهَا مَا هُوَ بَعْدِيٌّ. فَقَالَ الْعُلَمَاءُ: إذَا وُجِدَتْ فَرِيضَةٌ وَيَتْبَعُهَا سُنَنٌ قَبْلِيَّةٌ وَسُنَنٌ بَعْدِيَّةٌ، فَهَذِهِ السُّنَنُ الْقَبْلِيَّةُ وَالْبَعْدِيَّةُ أَجْرُهَا أَعْظَمُ، أَجْرُهَا أَعْظَمُ مِنْ النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ. كَوْنُكَ تُؤَدِّي صَلَاةً هَكَذَا نَافِلَةً لَكَ فِيهَا أَجْرٌ، لَكِنْ مِنْ حَيْثُ بَقِيَاسِ الشَّرْعِ، فَإِنَّ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةَ وَهِيَ الْقَبْلِيَّةُ وَالْبَعْدِيَّةُ أَجْرُهَا، أَجْرُهَا أَعْظَمُ مِنْ النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ. وَقَالَ: وَعَلَى هَذَا نَقِيسُ مَا يَتَعَلَّقُ بِرَمَضَانَ. فَرَمَضَانُ هُوَ شَهْرُ الصِّيَامِ الْفَرْضِ. وَتَلَاحَظُونَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَلَاحَظُ أَنَّ رَمَضَانَ هُنَاكَ فِيهِ صِيَامٌ قَبْلِيٌّ وَصِيَامٌ بَعْدِيٌّ، مِثْلُ الْفَرِيضَةِ، صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ، هُنَاكَ صَلَوَاتٌ قَبْلِيَّةٌ وَصَلَوَاتٌ بَعْدِيَّةٌ مِنْ النَّوَافِلِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ رَمَضَانُ، رَمَضَانُ هُوَ شَهْرُ الصِّيَامِ الْفَرْضِيِّ، هُنَاكَ يُسَمَّى يُسَمَّى بِالصِّيَامِ مَاذَا بَعْدِيٌّ؟ وَهُوَ صِيَامُ شَوَّالٍ. قَالَ: وَأَيْضًا هُنَاكَ صِيَامٌ قَبْلِيٌّ وَهُوَ شَعْبَانُ. وَيُثْبِتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُكْثِرُ مِنْ صِيَامِ شَعْبَانَ. إِذَنْ هُنَاكَ صِيَامٌ رَمَضَانَ قَبْلَهُ صِيَامٌ، وَبَعْدَهُ صِيَامٌ. قَالَ: إذَنْ الصِّيَامُ الَّذِي قَبْلَ رَمَضَانَ وَبَعْدَ رَمَضَانَ يُعْتَبَرُ مِنْ الصِّيَامِ الْمُؤَكَّدِ، مِنْ الصِّيَامِ الْمُؤَكَّدِ الَّذِي أَجْرُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَائِرِ الصِّيَامِ النَّافِلَةِ. فَلِهَذَا بَعْضُهُمْ اسْتَحَبُّوا، وَقَالُوا: إنَّ الصِّيَامَ فِي شَعْبَانَ أَفْضَلُ مِنْ الصِّيَامِ فِي غَيْرِهِ. وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَإِنْ كَانَ الرَّاجِحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الصِّيَامَ فِي شَهْرِ الْمُحَرَّمِ هُوَ الْأَعْظَمُ؛ لِنَصِّ السُّنَّةِ عَلَى ذَلِكَ. لَكِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ، وَمِنْ بَابِ الدَّلَالَةِ عَلَى فَضِيلَةِ هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ وَالْمُعَظَّمِ عِنْدَ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا. أَنْ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَاسُوهُ عَلَى النَّافِلَةِ الْقَبْلِيَةِ وَالنَّافِلَةِ الْبَعْدِيَةِ. فَخُلَاصَةُ الْبَابِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ، فَهَذَا بَابُ التَّذْكِيرِ لَا غَيْرُ، مِنْ بَابِ حِرْصِنَا عَلَى تَأْدِيَةِ الْأَعْمَالِ الْمَطْلُوبَةِ وَالْأَعْمَالِ الْمَحْبُوبَةِ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا فِي هَذَا الشَّهْرِ. وَكَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَضَافَ أَمْرًا آخَرَ، أَنَّ الْعِبَادَةَ فِي شَعْبَانَ تُعْتَبَرُ تَمْهِيدًا، تُعْتَبَرُ تَمْهِيدًا لِمَاذَا؟ لِرَمَضَانَ. فَإِنَّ الْعَبْدَ مَتَى مَا أُغْفِلَ عَنْ التَّعَبُّدِ عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ فِي رَمَضَانَ يَجِدُ جَهْدًا، وَيَرَى مَاذَا؟ يَرَى الْمَشَقَّةَ فِي التَّعَبُّدِ فِي رَمَضَانَ، بِخِلَافِ الَّذِي يُكْثِرُ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالتَّعَبُّدِ فِي شَعْبَانَ، فَإِنَّ الْعِبَادَةَ تَسْتَسْلِمُ فِي حَقِّهِ فِي رَمَضَانَ. فَذَاكَ الَّذِي يُكْثِرُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي شَعْبَانَ، فَإِذَا دَخَلَ رَمَضَانَ يَرَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَيْهِ سَهْلَةٌ. وَذَاكَ الَّذِي يَحْرِصُ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَعَلَى الْمُذَاكَرَةِ وَالْمُرَاجَعَةِ فِي شَعْبَانَ، فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ يَرَى أَنَّهُ يَنْطَلِقُ وَيَنْفَلِتُ فِي الْقِرَاءَةِ وَالِاطِّلَاعِ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ. وَهَكَذَا الَّذِي يَحْرِصُ عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ فِي شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ رَمَضَانُ وَلَا يَجِدُ أَدْنَى تَعَبٍ أَوْ أَدْنَى مَشَقَّةٍ فِي صِيَامِهِ وَلَا فِي قِيَامِهِ. وَلِهَذَا تَلَاحَظُ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ النَّاسِ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي أَوَائِلِ رَمَضَانَ يَجِدُونَ الْمَشَقَّةَ. ذَاكَ الَّذِي لَرُبَّمَا فِي دُرُوسِهِ يَنَامُ، وَذَاكَ الَّذِي فِي قِيَامِهِ يَجْلِسُ، وَذَاكَ آخَرُ فِي صَوْمِهِ يَجِدُ بِالتَّعَبِ وَالْعَطَشِ وَالْضَمَأِ. تَجِدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يُعَوِّدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّعَبُّدِ فِي شَعْبَانَ. وَلِهَذَا كَانَ مِنْ سِرِّ الشَّرِيعَةِ، مِنْ أَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ: أَنَّ الْعَبْدَ يُمَهِّدُ نَفْسَهُ فِي شَعْبَانَ. وَلِهَذَا جَاءَتْ الْأُجُورُ الْكَثِيرَةُ وَالْفَضَائِلُ الْعَامَّةُ فِي اسْتِحْبَابِ إحْيَاءِ شَعْبَانَ بِالْعِبَادَاتِ، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا وَتَيْسِيرًا لَكَ فِي دُخُولِ رَمَضَانَ عَلَى أَنْ تُؤَدِيَهُ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهِ، وَعَلَى مَاذَا؟ أَفْضَلِ الْمَقَامَاتِ. فَأَسْأَلُ مَوْلَى جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.