الدرس في مقتطفات من فوائد الفوائد 15، الدرس الخامس عشر:( داء العجب ودواؤه ). ألقاها
درس اليوم يتناول موضوع داء العجب ودواءه، حيث ذكر ابن القيم عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يتقي العجب في خطبه وكتاباته ويستعيذ بالله من شر نفسه.
يشرح ابن القيم كيف أن العبد إذا نسي منة الله عليه بتوفيقه للعمل الصالح وقع في العجب، مما يؤدي إلى فساد العمل، ويوضح الفرق بين العارف والجاهل في العمل.
العارف يعمل لوجه الله معترفا بفضل الله وتوفيقه، بينما الجاهل يعمل لذاته ويمن على الله بعمله، وهذا يظهر الفرق الجوهري بين عمل العارف والجاهل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فدرسنا في هذا اليوم بإذن الله جل وعلا بعنوان «داء العجب ودواءه». قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: ذكر ابن سعد في الطبقات عن عمر بن عبد العزيز أنه كان إذا خطب على المنبر فخاف على نفسه العجب قطعه، وإذا كتب كتابا فخاف فيه العجب مزقه، ويقول: «اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي». قال العلامة ابن القيم رحمه الله: اعلم أن العبد إذا شرع في قول أو علم يبتغي به مرضات الله، مطالعا فيه منة الله عليه به وتوفيقه له فيه، وأنه بالله لا بنفسه ولا بمعرفته وفكره وحوله وقوته، بل هو الذي أنشأ له اللسان والقلب والعين والأذن، فالذي من عليه بذلك هو الذي من عليه بالقول والفعل. قال: فإذا لم يغب ذلك عن ملاحظته ونظر قلبه لم يحضره العجب الذي أصله رؤية نفسه وغيبته عن شهود منة ربه وتوفيقه وإعانته. فإذا غاب عن تلك الملاحظة وثبت النفس وقامت في مقام الدعوة، فوقع العجب، ففسد عليه القول والعمل. فتارة يحال بينه وبين تمامه، ويقطع عليه، ويكون ذلك رحمة به حتى لا يغيب عن مشاهدة المنة والتوفيق. وتارة يتم له، ولكن لا يكون له ثمرة، وإن أثمر أثمر ثمرة ضعيفة غير محصلة للمقصود. وتارة يكون ضرره عليه أعظم من انتفاعه، ويتولد له منه مفاسد شتى بحسب غيبته عن ملاحظة التوفيق والمنة، ورؤية نفسه، وأن القول والفعل به. قال: ومن هذا الموضع يصلح الله سبحانه أقوال عبده وأعماله، ويعظم له ثمرتها، أو يفسدها عليه، ويمنعه ثمرتها. فلا شيء أفسد للأعمال من العجب ورؤية النفس. قال: فإذا أراد الله بعبده خيرا، أشهده منته وتوفيقه وإعانته له في كل ما يقوله ويفعله، فلا يعجب به. ثم أشهده تقصيره فيه، وأنه لا يرضى لربه به، فيتوب إليه، ويستغفره، ويستحي أن يطلب عليه أجرا. وإذا لم يشهده ذلك، وغيبه عنه، فرأى نفسه في العمل، ورآه بعين الكمال والرضا، لم يقع ذلك العمل منه موقع القبول والرضا والمحبة. قال: فالعارف يعمل العمل لوجهه، مشاهدا فيه منته وفضله وتوفيقه، معتذرا منه إليه، مستحيا منه إذ لم يوف حقه. والجاهل يعمل العمل لحظه وهواه، ناظرا فيه إلى نفسه، يمن به على ربه، راضيا بعمله. فهذا لون، وذاك لون آخر. والله تعالى أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.