شرح أسماء الله الحسنى 73

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 73، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

اسم الله الطيب ومعناه وتأثيره

اسم الله الطيب يعني المقدس والمنزه عن كل نقص وعيب، ويقتضي من العبد أن يكون اعتقاده سليماً خالياً من الشرك والوثنية. يجب على العبد أن يحرص على طيب اعتقاده وموافقته لكتاب الله وسنة رسوله.

مقتضيات الإيمان باسم الله الطيب وآثاره

يجب على العبد أن يحرص على طيب عبادته وأقواله وأفعاله وماله، لأن الله الطيب لا يقبل إلا الطيب. يجب أن تكون العبادات موافقة لسنة النبي، والأقوال طيبة، والأفعال صالحة، والصدقات من المال الطيب.

التعبد لله باسمه الطيب والحرص على الطيب

يتعين على المسلم الحرص على الطيب في جميع أمور حياته، في المطعم والمشرب والملبس والمسكن والزوجة، وهذا من مقتضى الإيمان والتعبد لله باسمه الطيب. الطيب في جميع الأمور هو سبيل لنيل رضا الله ودخول الجنة.

الدعاء بالطيب والصلاح والختام

يجب الدعاء بأن يجعلنا الله من الذين طابت مطاعمهم ومشاربهم وملابسهم، ويقال لهم يوم القيامة سلام عليكم طيبتم فادخلوها خالدين. الختام يكون بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاهم. بعد ذلك، من أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا الطيب. فالطيب اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، ورد في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين". فقوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله طيب" يدل على أن الطيب اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى. ومعنى هذا الاسم الطيب لله جل وعلا أي المقدس والمنزه والمبرأ عن كل نقص وعيب. فهو جل وعلا الطيب في ذاته، وهو جل وعلا الطيب في صفاته وأقواله وأفعاله. فذاته جل وعلا طيبة، وهكذا أفعاله وصفاته وأقواله، فهو الطيب جل وعلا. والطيب يوصف به ذاته وصفاته وأفعاله وأقواله، بمعنى أنها كلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه، مبرأة من كل نقص وعيب وشائبة. ومن مقتضى التعبد لله جل وعلا باسمه الطيب، ومن ثمار الإيمان باسم الله جل وعلا الطيب، أن يحرص العبد على طيب اعتقاده، بأن يجعل اعتقاده طيبا؛ لأن الطيب جل وعلا لا يقبل إلا الاعتقاد الطيب. فلا يقبل إلا الاعتقادات الطيبة. والاعتقاد الطيب هو الموافق لكتاب الله ولسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ولما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾، معناه أن الإيمان المقبول عند الله جل وعلا، والإيمان الطيب الذي يقبله الله جل وعلا الطيب، هو الموافق لما جاء في الكتاب والسنة ولما كان عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. فلذلك، من مقتضى إيمانك بالله جل وعلا الطيب، ومن ثمار تعبدك له جل وعلا باسمه الطيب، أن تنظر في اعتقادك: هل اعتقادك اعتقاد سليم موافق لكتاب الله ولسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ولما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم؟ أم أن عندك اعتقادات خبيثة تعتقد في غير الله جل وعلا، تعتقد في الأولياء، تعتقد في الأموات، تعتقد العقائد الفاسدة والعقائد الخبيثة؟ فأعظم ما يحرص عليه العبد أن يجعل اعتقاده طيبا؛ لأنه يتعبد الطيب جل وعلا بهذا الاعتقاد. فأنت تتعبد ربك جل وعلا الطيب بما تحمله في قلبك من اعتقاد. فلا بد أن يكون هذا الاعتقاد طيبا الذي تتقرب به للطيب جل وعلا. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿هو من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيبين﴾، تتوفاهم الملائكة طيبين؛ أي أنهم على طيب في اعتقادهم وفي أعمالهم وفي عباداتهم. فاعتقاداتهم طيبة، وهكذا أعمالهم طيبة. فتوفتهم ملائكة الرحمة، هؤلاء الذين صاروا على هذا الحال الطيب العظيم الذي يحبه الله جل وعلا. ولذلك يقول الملك لصاحب هذه الروح: "أيتها الروح الطيبة التي في الجسد الطيب، أخرجي إلى نعيم ورضوان وإلى رب غير غضبان". وأما صاحب الاعتقاد الخبيث، فيقال لروحه: "أيتها الروح الخبيثة التي في الجسد الخبيث". فإذا حرص العبد على طيبة الاعتقاد، فإنه يختم له بالخاتمة الحسنة، فتخرج روحه طيبة إلى بارئها جل وعلا. ولذلك يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾، أتى الله بقلب سليم، بقلب طيب، قد حمل الاعتقاد الصحيح، لم يحمل الاعتقاد الفاسد، لم تشبه أدران الشرك والوثنية والاعتقادات الفاسدة. فلابد من الحرص على طيب الاعتقاد. ومن مقتضى وثمار الإيمان باسمه جل وعلا الطيب أن يحرص العبد على طيب عبادته، بأن يجعل عبادته طيبة حتى تقبل من الطيب جل وعلا. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في حديث عائشة: "من أحدث بأمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". وفي رواية لمسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". إذا العمل إذا كان غير موافق لسنة النبي عليه الصلاة والسلام فإنه عمل خبيث، ليس بعمل طيب، فلا يقبل من الطيب جل وعلا؛ لأن الطيب جل وعلا لا يقبل إلا العبادة الطيبة. قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. فإذا لا بد من طيب العبادة حتى تقبل من الطيب جل وعلا، وإلا فهي خبيثة. كل عبادة مخالفة لكتاب الله، لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهي خبيثة، غير طيبة، غير مقبولة عند الله جل وعلا. وهكذا يحرص العبد من مقتضى إيمان وتعبده لله جل وعلا باسمه الطيب أن يحرص على الأقوال الطيبة وعلى الأفعال الطيبة، فتكون أقواله طيبة وتكون أعماله طيبة. هذا الذي يقبله جل وعلا الطيب، وهذا الذي يرفع إليه جل وعلا ويصعد سبحانه وتعالى. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾. إذن، انظر في قولك يا عبد الله قبل أن تخرجه؛ لأنه إذا أردت أن يصعد إلى الطيب جل وعلا ويقبله، لابد أن تجعله قولا طيبا. فلا يصدر منك القول السيء، القول الخبيث؛ لأن هذا سيرد عليك، لن يقبله الطيب جل وعلا منك. فالأقوال الطيبة ضرب الله جل وعلا لها مثلا عظيما، والأقوال الخبيثة ضرب لها مثلا سيئا جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار﴾. إذن، الكلمة الطيبة تتفرع، فأصلها ثابت في الأرض وفرعها في السماء، تفرعت وقبلها الله جل وعلا، واجعل لصاحبها الدرجات والمنازل العالية. أما الكلمة الخبيثة فهي مردودة، وهي في السفل، ردها الله جل وعلا وذمها سبحانه وتعالى. فلابد من الحرص على الأقوال الطيبة. الكلمة الطيبة صدقة؛ لماذا؟ لأنها طيبة، فكانت صدقة، وكان الأجر من عند الله سبحانه وتعالى. وهكذا يحرص العبد على أن يخرج الطيب من ماله، عليه أن يخلص ويخرج الطيب من ماله إذا أنفق وتصدق؛ لأنه إذا تصدق وأنفق لله جل وعلا الطيب، أخرج هذا المال لله جل وعلا الطيب. فكيف يا عبد الله تخرج الرديء؟ وكيف يا عبد الله تخرج الخبيث تتقرب به إلى الطيب جل وعلا؟ وذلك قال جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد﴾. إذن، يا عبد الله، انظر في مالك إذا تصدقت، إذا أهديت. نعم، أن يكون من الطيب، لا من الرديء. كما تحب أن يهدى إليك الطيب، وأن يعطى لك الطيب، فعليك أن تخرج الطيب من مالك. ولذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. وقد ثبت بالصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ورضاه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إذا تصدق العبد بصدقة طيبة - ولا يقبل الله إلا طيبا - يربيها له كما يربي أحدكم فلوة أو قلوصة حتى تكون مثل الجبل أو أعظم". هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. هذه الصدقة التي يخرجها من الطيب، فتكون عظيمة عند الله جل وعلا، يربيها ربنا جل وعلا الطيب لك حتى تكون مثل الجبل. فإذا حرصت على أن تخرج من المال الطيب؛ لأنك علمت أن الله جل وعلا هو الطيب، ولا يحب إلا الطيب. وهكذا كذلك من مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه الطيب أن تحرص على الطيب في مطعمك وفي مشربك وفي ملبسك، بأن يكون مطعمك طيبا حلالا، ومشربك كذلك، وملبسك كذلك. فإن هذا من أعظم موجبات إجابة الدعاء من الطيب جل وعلا، كما في حديث أبي هريرة في دعاء ذلك الرجل يرفع يديه إلى السماء: "يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟". فانظر في مطعمك يا عبد الله من أين تدخل المال الذي تأكل به هذا المطعم، وهذا المشرب الذي تشربه، وهذا الملبس؟ فكثير من الناس ربما يدعون ولا يقبل دعاؤهم بسبب خبث مطعمهم، وبسبب خبث مشربهم، وبسبب خبث لباسهم. عياذا بالله. وهكذا من مقتضى التعبد لله جل وعلا باسمه الطيب وثمار الإيمان باسمه جل وعلا الطيب أن تحرص على الطيب في جميع الأمور، أن تحرص على الطيب في جميع الأمور ومما يرضي الله سبحانه وتعالى، وخاصة الزوجة. فالله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات﴾. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: "فاضفر بذات الدين تربت يداك". إذن، أنت في هذه الدنيا تحرص على الطيب من العمل، العمل الطيب البعيد عن الشبهات، البعيد عن ما يوقعك في غضب الله جل وعلا. تحرص على الملبس الطيب الذي ليس فيه مخالفة، وهكذا تحرص على المسكن، تحرص على المكان الذي تعيش فيه بأن يكون مكانا طيبا يعينك على طاعة الله جل وعلا وعلى الاستقامة على شرع الله جل وعلا. وهكذا تحرص على الطيب في جميع الأمور. وهكذا إذا أردت الزواج تحرص على الطيب، تحرص على الطيبات كما قال سبحانه وتعالى: ﴿الطيبات للطيبين﴾. أنت طيب فاحرص على الطيبة، صاحبة الدين، صاحبة الخلق. وإن كان يجوز أن تنكح المرأة لمالها ولجمالها ولنسبها وحسبها، لكن أرشد النبي عليه السلام إلى الطيبات. وهكذا في القرآن أرشد الله جل وعلا إلى الطيبات. الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات. فإذا هذا من مقتضى وثمار الإيمان باسمه الطيب الحرص على كل طيب، بمعنى يحبه الله جل وعلا ويرضاه، ويكون عونا لك على الطاعة. تكتفي باليسير القليل من المسكن وغير ذلك إذا كان طيبا، خير لك من أن تسكن قصرا وهو حرام. والله لو تعيش في عريش خير لك من أن تسكن قصرا وقد أدخلت فيه بعض المال الحرام. لماذا؟ لأنك إذا كنت ولو في عريش فأنت على خير عظيم. فاحرص على الطيب في مسكنك، ولا يكلفك الله جل وعلا إلا ما تطيب به نفسك. أما أن تعمد إلى الحرام وتجمع الحرام بحجة حصول مسكن لابد أن يكون كذا وكذا، وملبس لابد أن يكون كذا وكذا، ومطعم لابد أن يكون كذا وكذا، هذا إنما هو سبب لوقوعك في الحرام. وهكذا كذلك أن تحرص يا عبد الله على طيب سمعك وطيب بصرك وطيب جوارحك كلها. كيف تجعل سمعك طيبا؟ كيف تجعل بصرك طيبا؟ كيف تجعل جوارحك طيبة؟ لا تكون هذه إلا بصونها عن الحرام. فالأسماع الطيبة هي التي صانها أصحابها عن سماع ما لا يرضي الله جل وعلا. والأبصار الطيبة هي التي صانها أصحابها عن النظر فيما لا يرضي الله جل وعلا. وهكذا الجوارح: الأيدي والأرجل والقلوب، فتصير هذه الجوارح طيبة. فتنعم يوم القيامة في الجنة دار الطيبين. أما من كان سمعه خبيثا أو بصره خبيثا، نعم، وجاء يوم القيامة فلم يغفر ربنا جل وعلا له، فلابد أن يتطهر من هذا الخبث حتى يدخل الجنة نقيا طيبا؛ لأن الجنة دار الطيبين، فهي للطيبين، لا تصلح للخبيثين. الجنة لا تصلح لأصحاب الأسماع الخبيثة والأبصار الخبيثة والجوارح الخبيثة والقلوب الخبيثة. وإنما الجنة دار الطيبين، دار أصحاب القلوب الطيبة والأبصار الطيبة والأسماع الطيبة والأقوال الطيبة والأخلاق الطيبة والجوارح الطيبة. فهؤلاء الذين يتنعمون بدار الطيبين. فنسأله جل وعلا الطيب بأسمائه وصفاته أن يجعلنا ممن وفقهم لطيب مطعمهم ومشربهم وملبسهم، وأن يجعلنا ممن يقال لهم يوم القيامة: "سلام عليكم، طيبتم، فادخلوها خالدين". إنه الطيب جل وعلا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.