كتاب الجهاد  2

كتاب الجهاد 2

الدرس في كتاب الجهاد 2، الدرس الثاني:(قال العلماء:ويطلق الجهاد على مجاهدة النفس والشيطان والفساق ...علم أن الإسلام جاء بالحكمة والرحمة والسلام والوئام وأنه جاء بالإصلاح لا بالإفساد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الجهاد وطبيعة الحرب في الإسلام

يشرح الدرس تعريف الجهاد لغة وشرعا، ويبين أنواعه وطبيعة الحرب في الإسلام. يوضح أن الجهاد له جوانب معنوية وحسية.

أهداف المستشرقين والمنصرين من دراساتهم عن الإسلام

المستشرقون يدرسون الإسلام لأهداف متعددة، منها أهداف استعمارية وشخصية. المنصرون يطعنون في الإسلام ويشوهونه بشبه كثيرة.

دعوة الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة وانتشار الإسلام

الإسلام انتشر بالحكمة والموعظة الحسنة وليس بالقوة أو السيف. قوة الحجة والبرهان كانت وراء انتشار الإسلام في العديد من المناطق.

دحض ادعاءات المستشرقين حول انتشار الإسلام بالسيف

نسبة كبيرة من المسلمين لم يدخلوا الإسلام بالسيف، مما يدحض ادعاءات المستشرقين. هناك أسباب أخرى لانتشار الإسلام في مناطق مثل الهند وآسيا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف، رحمه الله، من مقدمة فيها الإشارة إلى تعريف بعض التعريفات، وكذلك بعض التنبيهات. فمن ذلك أنه عرف الجهاد لغة بأنه: «نعم، الجهاد لغة: من الجهد والمشقة». وفي الشرع عرفه بأنه: «نعم، أدخل البغاة وقطاع الطريق». وعلمنا أن إدخالهم من باب المعنى الأوسع للجهاد. وأما الجهاد الشرعي الذي وردت فيه الفضائل الخاصة، فهو: «قتال الكفار خاصة»، ولو أضيف التعبد لله؛ لأنها عبادة ببدل الجهد في قتال الكفار لكان أولى. قال المؤلف، رحمه الله تعالى: «قال العلماء: ويطلق الجهاد على مجاهدة النفس والشيطان والفساق». فأما مجاهدة النفس، فعلى تعلم أمور الدين، ثم على العمل بها، ثم على تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان، فعلى دفع ما يأتي به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات. وأما مجاهدة الكفار، فتقع باليد واللسان والمال والبدن. وأما مجاهدة الفساق، فباليد، ثم اللسان، ثم القلب. وممكن أن نستخلص من هذا أن الجهاد ينقسم إلى قسمين: جهاد معنوي، وجهاد حسي. فمن الجهاد المعنوي: مجاهدة النفس والشيطان والفساق، بالعلم النافع والعمل الصالح. ومن الجهاد الحسي: كذلك مجاهدة النفس والشياطين -شياطين الجن والإنس- وفيهم الكفار والفساق، وتارة يكون باللسان، وتارة يكون بالمال، وتارة يكون باليد، وتارة يكون بالقلب. ويدخل في هذا القسم ما ذكر في هذا الموضع من الجهاد. وهذا لأن الأدلة دلت أن هذا مما فيه معنى الجهد والمشقة، أي المعنيين جميعا، ووردت بعض الأحاديث الخاصة، لكنها لم تصح في تسمية ذلك بالجهاد الأكبر أو نحو ذلك. قال رحمه الله: «طبيعة الحرب في الإسلام». ذهب بعض الغربيين المنصرين إلى أن الإسلام قام على العنف والعسف، وانتشر بالسيف وإراقة الدماء، واعتمد على القسر والإكراه بالدخول فيه. وهذا من شبه الكفار قديما وحديثا. والأولى أن يقول: «المنصرين». فلفظ التبشير لفظ فيه مدح، وهم يحبون ذلك. ولكن الصواب ها هنا أن نقول: «بعض المنصرين». ودعوة المنصرين في تشويه الإسلام ليست بخفية، ولا يستغرب مثل ذلك. ولكن قد ينطلي على بعض الناس من هم أوسع من هؤلاء لقبا، وهم المستشرقون. فعندنا جماعة من الناس، وربما لجان ومجمعات وجمعيات ومؤسسات محلية وعالمية قديمة، ولها بقايا إلى يومنا هذا، تنسب إلى هذا اللفظ بمعاني مختلفة. وأهل الاستشراق هم طوائف شتى، ففيهم المنصرون. والمعنى الجامع لهم: هم من اعتنوا بالشرق -الشرق وعلومه وثقافاته وفكره- ولهم في هذا أغراض كثيرة. فلذلك هم طوائف. فمنهم المنصرون، الذين من أغراضهم دراسة تلك الثقافات والعلوم الشرقية للطعن في دين الإسلام وتشويهه، واستغلال ما يعرفون في الدعوة إلى دينهم الباطل -دين النصارى-. ومن هؤلاء المستعمرون، الذين يستخدمون بعض أولئك المفكرين والباحثين في القيام بتلك الدراسات في الشرق؛ لأجل أن يكون عندهم شيء من المعرفة في البلاد التي يريدون استعمارها والدخول إليها، سواء استعمارا حسيا كما وقع في سنوات قديمة سابقة، أو استعمارا معنويا كما يحصل في زماننا هذا، بالاستعمار الاقتصادي والثقافي والفكري وغير ذلك من المعاني الأخرى، حتى صارت بعض البلاد بالاسم هي مستقلة، وفي الحقيقة ما هي إلا فرع من فروع وجزء من أجزاء تلك البلاد الغربية المتسلطة الكافرة. ومن تلك الأغراض: أغراض شخصية كانت لجماعة لبعض المستشرقين؛ إما الحصول على المال ببعض تلك البحوث، فإنهم يبيعونها لجهات مختلفة متعددة، وإما كذلك البحث عن أشياء خاصة كمواضع بعض الأمم السابقة، فيتتبعون آثارا أو كنوزا أو غير ذلك. فلهم أغراض كثيرة في تلك البحوث وتلك الدراسات. فالكل يجمعهم لغة: أهل الاستشراق -المستشرقون-. ومن المستشرقين المنصرين الذين قد يطلق عليهم البعض، ويطلقون على أنفسهم بالمبشرين أو أهل التبشير، وهم في الحقيقة دعاة التنصير. فهؤلاء فيهم من يطعن في الإسلام، ويحرص على تشويه هذا الدين بشبه كثيرة. ومن تلك الشبه: هذه الشبهة أن دين الإسلام دين العنف والعسر وإراقة الدماء، وكذلك أنه إنما انتشر بالسيف والقوة. وهذا بطلانه ظاهر، وسيأتي -إن شاء الله- الجواب على ذلك من المؤلف، رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: «والجواب أن نقول: هذا زعم خاطئ، وهو ناشئ إما من جهل في الدين الإسلامي وفتوحاته وغزواته ونصوصه، وإما ناشئ عن عصبية وعداء لهذا الدين، فهم يريدون تثبيطه والتنفير منه». وهذا هو الحق: أن فيهم الجاهل الذي قلد غيره، فنقل هذا، وهو إنما سمع من غيره. ورحم الله من قال: «يَا بُنَيَّ الْكِرَامِ أَلَا تَنْظُرُوا تَفْهَمُوا مَا حَدَّثُوكَ بِهِ فَمَا رَاءٍ كَمَنْ سَمِعَا». فالذي يسمع ليس كمن يقرأ عن قرب ويبحث بنفسه، فإنه لو أنصف -هذا الذي أراد الإنصاف كما زعم- لعلم أن ما سمعه ليس بصواب. وصنف آخر: هم أهل حقد وعداء لأهل هذا الدين، فلذلك مهما رأوا من الحقائق فإنهم لا يرجعون. ولكن الكثير من هؤلاء ممن كان عنده شيء من الإنصاف رجع إلى الحق ودخل في هذا الدين. دخل أول الأمر في دراسته: ما في هذا الدين عداوة وحقدا وحنقا، فلما رأى الحق وظهر له برهانه دخل في دين الإسلام. وقد ذكر العلماء عددا كبيرا كثيرا من المستشرقين الذين كانوا من أعداء هذا الدين، فلما رأوا الحق وأنصفوا أنفسهم أسلموا لله رب العالمين، وأدخلوا في دين الإسلام، وأشهروا إسلامهم ودينهم. وهؤلاء كثر، ولهم مؤلفات تبين ذلك. مع أن في هؤلاء من دخل نفاقا -من دخل نفاقا-. وأنا بهذا التنبيه؛ لأن بعض هؤلاء ربما كان له غرض في إشهار إسلامه، وهو الوصول إلى ما لم يصل غيره من أهل الاستشراق، فكانوا يتنافسون في الوصول إلى أشياء كثيرة في بلاد المسلمين، ربما لا يستطيع أن يصل إليها الواحد منهم إذا كان كافرا، ولكنه إذا أظهر الإسلام استطاع أن يصل إلى تلك الأشياء التي لم يصل إليها غيره. ولهذا بعض أولئك: في كتاباتهم، وفي كذلك ثنايا بحوثهم، بعض الاستفهامات التي توحي -عند العارفين وكذلك الناقدين- أن هذا أحد رجلين: إما اختلطت عليه المعلومات، وإما أن يكون من أهل النفاق الذين دخلوا في الإسلام نفاقا، وأراد أغراضا، وظهر ذلك في لحن قوله في تلك البحوث والكتابات التي كتبها. قال رحمه الله: «والجواب أن نقول: هذا زعم خاطئ، وهو ناشئ إما من جهل بالدين الإسلامي وفتوحاته وغزواته ونصوصه، وإما ناشئ عن عصبية وعداء لهذا الدين، فهم يريدون تثبيطه والتنفير منه». والحق أنه ناشئ من الأمرين جميعا؛ لأن الدين الإسلامي قام على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ونادى بالسلام ودعا إليه. فإن السلام مشتق من الإسلام، ولا أدل على ذلك وأوضح مما قذف الله عز وجل في قلوب الأكثرين من الدخول في هذا الدين في أول الإسلام من دون جهاد ولا سيف. بل أكثر الذين دخلوا بدين الإسلام هم من الضعفة والمساكين والعبيد والإماء، الذين هم ليسوا أهل قوة، ولا أهل سيف أيضا. وهذا يدل أن دخول الإسلام من قبل هؤلاء كان لحق ولقوة حجة، ولذلك معاني عادلة، وكذلك أصول توافق الفطرة. فلهذا دخل هؤلاء. بل على العكس: كان الكثير من أهل السيف والقوة والشراسة والشدة من العرب كانوا في أول أمرهم من أشد أعداء هذا الدين، فألان الله قلوبهم، وأهل الإسلام في ضعف، فأسلموا ودخلوا في دين الله جل وعلا. والكثير من كبار العرب المشهورين ممن كان كذلك قبل إسلامه دخل بالإسلام، وهداه الله عز وجل، ليس بقوة السيف. فمن الذي ألان قلبه؟ ومن الذي جعله يدخل في هذا الدين؟ أو من الذي جعله كذلك؟ هل هو السيف؟ الجواب: لا. لم يكن سيف، ولم يكن غزو، ولا قتال. فهذا يكذب هذه الدعوة. قال: «ومن تتبع نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة، التي منها وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لأمراء جيوشه، ومنها سيرته صلى الله عليه وسلم في الغزوات، علم أن الإسلام جاء بالحكمة والرحمة والسلام والوئام، وأنه جاء بالإصلاح لا بالإفساد». ومن تتبع ذلك فهو كثير. فإن النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية -وهو لا يخفى ما فيه من الغضاض على أهل الإسلام- ومع ذلك قبل به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وحصل به من النصر العظيم للمسلمين ما سماه الله عز وجل فتحا، حتى نزلت أوائل سورة الفتح في هذا الصلح. نزلت أوائل سورة الفتح في هذا الصلح، فأسلم الكثير في تلك الفترة، ولم يكن إسلامهم بالسيف، وإنما إسلامهم بقوة الحجة والبرهان. ولهذا كان التفسير الصحيح لقول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ أنه: ظهور الحجة والبرهان. فهذا الظهور باق إلى قيام الساعة، وهو يصدقه حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ». وذلك بظهور الحجة والبرهان؛ فإنه به حصل ظهور المسلمين قديما وحديثا. ففتح الله عز وجل بالعلم النافع والعمل الصالح بلادا كثيرة لم يفتح مثلها بالسيف. لم يفتح مثلها بالسيف. فمثلا اليوم: نسبة المسلمين في العالم كبيرة وكثيرة بالنسبة للأديان الأخرى. ومع ذلك فهذه النسبة: هل أكثرها كانت بفتح السيف؟ الجواب: لا. فأهل الهند، وكذلك المشرق من أهل آسيا، وهم قرابة ثلاثمائة مليون، فهم يشكلون النسبة عظيمة جدا في المسلمين. ومع ذلك لم يكن وصول الإسلام لهؤلاء بالسيف. ولكن هذا يدل على ما تقدم من تكذيب هؤلاء المستشرقين والمنصرين. طيب، نقف لهنا، ونترك -إن شاء الله- الباقي لدرس لاحق. والله تعالى أعلم.