كتاب الجهاد والسير 6

كتاب الجهاد والسير 6

الدرس في كتاب الجهاد والسير 6، تابع كتاب الجهاد والسير . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في الكذب والحرب

يتناول المقطع تعريف الكذب ومدى جوازه في بعض المواضع، حيث يشمل العمد والخطأ، ويستشهد بأمثلة من السنة النبوية وأقوال الصحابة. كما يوضح أن الكذب المأذون فيه في بعض المواضع لا يعني الكذب الصريح.

ضوابط الكذب في الحرب

يتناول المقطع مسألة الكذب في الحرب، حيث أشار إلى جواز الكذب في الحرب والخدع، مستدلاً بحديث جابر بن عبد الله وحديث أم كلثوم بنت عقبة، موضحًا أن المقصود بالكذب هنا هو المعاريض وليس الكذب الصريح. كما يشرح مفهوم 'الحرب خدعة' وضوابطه الشرعية.

تأكيد على الرزق الحقيقي

يؤكد أن الرزق الحقيقي يأتي من عند الله ولا ينال بالطرق المحرمة، ويتم ختام الفصل بهذا التأكيد. يشير إلى أن الاكتفاء بما عند الله تعالى هو السبيل الصحيح.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. فتتمة لما سبق مما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- قال: «والكذب في الحرب والخدع، ويجوز الخدع»، أي مما يجوز في الحرب الكذب. وأشار إلى ما رواه الإمام مسلم في صحيحه في قصة قتل محمد بن مسلمة لكعب بن الأشرف، استأذن -رضي الله عنه- النبي ﷺ في ذلك فأذن له. وهذا يؤيده ما جاء في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله، ومعنى عن نبي هريرة -رضي الله عنه- «الحرب خدعة». فأذن له النبي ﷺ أن يكذب عليه ليستدرجه إلى القتل، أي كعب بن الأشرف، وكان من رؤوس الكافرين وقد تحصن في حصن له. لكن يفسر ذلك الحديث الحديث الآخر الذي أورده، فإنه كالمفسر والمبين له، وهو حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، قالت: «أنها لم تسمع النبي ﷺ يرخص في شيء من الكذب مما يقول الناس إلا في ثلاث»، فذكرت الحرب، وإصلاح ذات البين، وحديث الرجل لامرأته والمرأة لزوجها. وهذا يبين أن المقصود بالكذب ليس الكذب الصريح، وإنما المراد به المعاريض. ففي المعاريض والتلميح والتلويح ما يكون به مندوح عن الكذب. والكذب عند أهل السنة والجماعة هو الإخبار بالشيء بخلاف ما هو عليه، سواء أكان عمدًا أو كان غلطًا أو كان سهوًا. فبهذا المعنى يدخل معنى الكذب فيه، ولكن الإثم يترتب على العمد، فالعمد شرط الإثم. وهذه مسألة دقيقة لها تعلق حتى بالاعتقاد. وأهل البدع كالمعتزلة يرون أن الكذب لا يكون كذبًا حتى يكون عمدًا، فمن شرط الكذب عندهم أن يكون عمدًا. وهذا ليس بصحيح، وإنما ترتب الإثم إنما هو الذي يشترط العمد. وقد ثبت في أدلة كثيرة تسمية الخطأ كذبًا، وتسمية كذلك خلاف الصواب كذبًا. ففي الصحيحين في قصة حاطب بن أبي بلتعة حين قال للنبي ﷺ: «من قال هو ...». أصل القصة في الصحيحين. قال له: «دخل حاطب النار يا رسول الله»، فقال: «كذبت، إنه ممن حضر بدرًا». يعني لم تصب أو خالفت الصواب. وهكذا كذلك قال عمر -رضي الله عنه- للأنصار حين قرأ الآية على وجه لم يسمعها من النبي ﷺ: «كذبت»، وهو لم يرد الكذب بالقرآن العمد لا شك، وإنما أراد قلت خلاف الصواب. لأن الكذب في القرآن كفر، يعني تعمد الكذب في القرآن كفر، وهو لم يرد ذلك -رضي الله عنه-. والحديث في الصحيحين. وهكذا قصة أبي موسى مع ابن مسعود في مسألة المواريث، وغير ذلك كثير. فالكذب أعم من أن يحصر في العمد. فبهذا المعنى يعلم أن المراد بالكذب المأذون فيه في هذه المواضع الثلاث ليس الكذب الصريح. فالكذب الصريح لا ينبغي أن يتصف به مسلم. ولهذا نص الكثير من العلماء كالطبراني وجمع أنه لا يجوز الكذب الصريح في هذه المواضع، وإنما بالمعاريض، ففيها مندوحة عن الكذب. فلا يجوز الكذب الصريح، ولا كذلك الغدر، وما كان بمعناه مما ينافي هذا الدين. ولهذا صح عن النبي ﷺ النهي عن الغدر. وصح عنه -عليه الصلاة والسلام- كذلك نفي الكذب عن أهل الإيمان، فالمؤمن لا يكذب. ومثله الخداع الذي ذكره -رحمه الله-، فالحرب خدعة كما جاء في الحديث التي سبقت. لكن هل المراد منها الكذب الصريح؟ الجواب: لا، ففي المعاريض مندوحة عن الكذب. ولهذا نص كثير من أهل العلم أنه لا يجوز أن يكون على حساب نقض الأمان والعهد والميثاق بالإجمع، كما نص أنه لا يجوز أن يكون على حساب الكذب الصريح والغدر بأخذ ما ليس له ومنع ما هو عليه. فلا يجوز له أن يأخذ ما ليس له وأن يمتنع عما هو عليه بحجة «الحرب خدعة». إذن بهذا يحلل الحرام ويحرم الحلال. ومن ليس عنده فقه ولا علم يتخبط. مثل جماعة الفساد أخذوا ظواهر هذه الأحاديث فعبثوا بأنفسهم عبتًا فاحشًا، حلقوا اللحى بحجة «الحرب خدعة»، مع أن فعلهم من أصله فساد. وللأسف يستخدمهم أعداء هذا الدين لضرب الدين، وليصلون بهم درائع لضرب أهل الحق. وكثير منهم بالعاطفة يصبح ضحية الحروب، وسلم يصعد عليه من يريد الأعداء أن يصعدوه، فهم ضخيرة كل فتنة وحرب يستعملون. ومما يؤسف أنهم كذلك زادوا هذا بالخروج عن الضوابط الشرعية، حتى صار بعضهم -والعياذ بالله- ربما يشرب الخمر ويتناول المخدرات، وربما يقع في الزنا يتتبع شهوات نفسه الدنيئة بحجة «الحرب خدعة». فصار «الحرب خدعة» شماعة تعلق عليها كل شر وفساد. ولا شك أن هذا من أبطل الباطل. ولكن «الحرب خدعة» بالضوابط الشرعية وفي حدود ما أذن الله عز وجل به، فالمراد به المأذون من المكر والكيد، وهو المكر المحمود. فالمكر مكران: محمود ومذموم، والكيد كيدان: محمود ومذموم. فما كان محمودًا منه يدخل في «الحرب خدعة». وأما الخيانة والغدر وأكل الحرام وفعل الحرام، وكذلك الكذب الصريح على الصحيح، كل هذا لا يدخل في هذا المأذون فيه. فإنما عند الله لا ينال بالحرام. نكتفي بهذا، ونكون بهذا -إن شاء الله- انتهينا من هذا الفصل، والله تعالى أعلم.