الدرس في كتاب الجهاد 8، الدرس الثامن:( الحديث الواحد بعد الأربعمائة:ولمسلم مثل المجاهدين في سبيل الله ... 3-هذا الفضل والفخر الذي يتميز به المجروح يوم القيامة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع الأول شرح حديثين نبويين يصفان فضل الجهاد في سبيل الله، حيث يبين الأول أن المجاهدين في سبيل الله مثل الصائم القائم، والثاني يصف جراح المجاهدين يوم القيامة. يشرح المقطع الثاني فضل الجهاد الخالص لوجه الله تعالى وأجره العظيم.
يشرح المقطع الثالث حديثا نبويا يبين فضل الجهاد في سبيل الله وما يناله المجاهد من حسن المثوبة يوم القيامة، حيث يأتي جرحه على هيئة وسام يدل على شجاعته. يستفاد من الحديث فضل الجهاد والشهادة وفضل الجراح في سبيل الله والحث على الإخلاص.
نص العلماء على أن الشهادة لا تُنسب لشخص بعينه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الفضل والفخر يوم القيامة يكون للمجروح في الطاعة. يُعتبر ما يُظن أنه نقص في الطاعة كمالاً ويضاعف الثواب يوم القيامة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: «قال الحديث الواحد بعد الأربعمائة: مثل المجاهدين في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة ويرجعه سالما مع أجر أو غنيمة». قال عن نبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى، اللون لون الدم والريح ريح المسك». أورد رحمه الله هذين الحديثين في سياق ذكره لفضائل الجهاد في سبيل الله. والحديث الأول أشار إلى أن الإمام مسلم أخرجه، بل كذلك أخرجه الإمام البخاري رحمه الله. والحديث بهذا اللفظ ليس في مسلم، فلذلك يصوب فيقال: إنه بهذا اللفظ ليس في مسلم. فقد خرجه البخاري باب أفضل الناس مؤمن جاهد أو مجاهد، أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله. فقال رحمه الله: حدثنا أبو اليمان قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني سعيد من المسيب أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل المجاهدين، فذكر الحديث بلفظه. والحديث الثاني كذلك هو في الصحيحين على قاعدته. وهذا هو لفظ الإمام البخاري، فقد خرجه في باب المسك. فقال رحمه الله: حدثنا مسدد قال حدثنا عبد الواحد قال حدثنا عمار بن القعقاء عن نبي زرعة ابن عمر بن جرير عن نبي هريرة رضي الله عنه فذكره بلفظه. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي يبين صلى الله عليه وسلم فضل الجهاد الخالص لوجه الله تعالى، بأن من جاهد في سبيله لقصد الجهاد وإعلاء كلمة الله بالصيام وإعلاء كلمة الله تعالى، والله مطلع على سرائره فيعلم المخلص من غيره. وهذا في قوله: «والله أعلم بمن يجاهد في سبيله». قال: فأجره كأجر الذي أحيى ليله بالقيام ونهاره بالصيام. ومعنى أنه يكتب له من ذهابه إلى رجوعه هذا الفضل وهذا الأجر؛ لأن المجاهد لا يزال في عبادة في قيامه وقعوده وسيره وإقامته ويقظته ونومه، فهو في عبادة مستمرة لا يدركه إلا الذي شغل وقته كله بالعبادة. وإذا كان لا يستطيع ذلك الإنسان، فإنه يحتاج إلى الراحة والطعام والشراب وغير ذلك، فعلم أن الجهاد من أفضل الأعمال. قال: مع فرق ما بين العبادة القاصرة كالصلاة والصيام، والعبادة المتعدية نفعها كالجهاد. وهذا معنى آخر للتفضيل؛ فضل العبادة في هذا الموضع من جهة أن هذا متعدي وهذا غير متعدي. فالصلاة غير متعدية وهكذا الصيام، بخلاف الجهاد فضلها متعدي؛ إذ به تكون كلمة الله العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، ويكون الدين كله لله. قال: فهذا الذي خرج مجاهداً في سبيل الله بإخلاص قد كفر الله له الجنة إن قتل أو مات في سبيله، أو الرجوع بالأجر والغنيمة. وفي هذا كما سيأتي إن شاء الله أهمية تحقيق الإخلاص في هذا العمل، وكذلك بيان أن ليس كل من عمل هذا العمل فهو يستحق فضله في الآخرة، بل وكذلك في الدنيا. قال رحمه الله: الغريب يعني غريب الألفاظ. قال: قوله «مكلوم» بفتح الميم وسكون الكاف اسم مفعول من كلمة، والكلم الجرح، فمعناه مجروح. أي أن المجاهد إذا كلم وجرح جاء يوم القيامة وقد عوض عن هذا الدم بالمسك في رائحته وطيبه، وأطيب الطيب المسك كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: المعنى الإجمالي يبين النبي صلى الله عليه وسلم فضل الجهاد في سبيل الله تعالى، وما ينال صاحبه من حسن المثوبة، بأن الذي يجرح في سبيل الله فيقتل أو يبرأ -ومعنى يبرأ يعني بقي أثر الجرح- قال: يأتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق في وسام الجهاد والبلاء فيه. كما أن الناس بالدنيا يعلقون الأوسمة، فيكون علامة على أن هذا الرجل قد شارك في حروب وكانت له شجاعات، وهذا دليله. فكذلك يوم القيامة على رؤوس الخلائق وسامه وعلامته أن يأتي بجرحه الذي كان، سواء قتل به أو لم يقتل به، يأتي به يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك. قال: إذ يجيء بجرحه طريا فيه لون الدم وتتضوع منه رائحة المسك يعني تفوح. قال: فقد أبدله الله تعالى بهوان أذى الأعداء شرف الفخر والعزة على أنظار الأولين والآخرين؛ فإنه في ذلك اليوم يجمع جميع الناس، ليس فقط هذه الأمة بل كل الأمم. قال: وبإراقة دمه أن أبدله مسكا يتأرج شذاه وتفوح ريحه الزكية، والله ذو الفضل العظيم. قال: ما يستفاد من الحديث: فيه فضل الجهاد، وقد كثرت فضائله وتعدد ثوابه لما فيه من عز الإسلام، فهو من المواضع التي يعز فيها الإسلام، ولهذا سمي ذروة السنام. قال: فضل ثانيا فضل الشهادة في سبيل الله، وكيف يجاز صاحبها أو يجاز صاحبها. وفيه فضل الجراح في سبيل الله؛ فهي أثر من طاعته ومجاهدة أعدائه. وكما تقدم: «الله أعلم بمن يجاهد في سبيله»، ففيه الحث على الإخلاص، وفيه كذلك خفاء هذا المعنى. فلذلك نحن لا ندري، ولو كان الجميع ظاهرهم أنهم خرجوا في سبيل الله، لكننا لا ندري من الذي قتل في سبيل الله وخرج في سبيل الله ومن ليس كذلك. ولهذا يترتب على هذا حسن الظن بهؤلاء مع عدم الجزم لهم، ولكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. هذا بالنسبة للآخرة، وكذلك في الدنيا. فنص العلماء أنه لا يجوز أن يقال فلان شهيد؛ لأن لغة الشهادة جزم بفضلها، وأنت لا تجزم لأحد بجنة ولا نار، لكن ترجو للمحسن وتخاف على المسيء. وقد نص العلماء بل بوب بعضهم بهذا المعنى، أي لا يجوز أن يقال لفلان شهيد. وصح معناه من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من تلك المعاني. قال رحمه الله: ثالثا هذا الفضل والفخر الذي يتميز به المجروح يوم القيامة، يعني أنه من مواضع فخره. فما كان منقصه في هذه الطاعة -يعني فيما يظنه الناس أنه حصل له نقص- هو في الحقيقة كمال. وكلما حصل له أدى نال ما يضاعف من الثواب بمقابله يوم القيامة. طيب نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.