الدرس في شرح كشف الشبهات 16، ألقاها
يشرح الشيخ أهمية العلم النافع والتوكل على الله في مواجهة الشبهات والفتن، ويبين أن العامي الموحد يمكن أن يغلب علماء المشركين بفطرته وثقافته الإسلامية البسيطة. كتاب الله تعالى يحتوي على بيان لكل شيء وهو هدى ورحمة للمسلمين.
يؤكد الشيخ على شمولية القرآن في الرد على الشبهات، وأنه يمكن من خلاله الرد على جميع الشبهات التي يثيرها أهل الباطل. كتاب الله عز وجل بين جميع الشبهات في جميع الأعصار والأزمان.
يشرح الشيخ الفرق بين الآيات المحكمات والمتشابهات، ويبين أن أهل الإيمان يتبعون المحكم بينما يتبع أهل الزيغ المتشابه. اتباع المتشابه يؤدي إلى الفتنة بينما المحكم هو الحق الواضح.
الاختلاف في فهم القرآن ينشأ من عدم التدبر الصحيح، بينما التدبر الحق يظهر الحق الواضح البين. كلام الله ورسوله لا يتناقض لأنه وحي من الله.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد. قوله رحمه الله تعالى: إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله تعالى لابد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج. هل معنى هذا أن أهل الأهواء عندهم علم؟ ها، جماعة، ما الدليل؟ أهل السنة يتكلمون بأدلة، ما يتكلمون بآراء. صح أو لا؟ ما نحن أصحاب دعاوى، أصحاب أدلة. فما هو الدليل؟ وفرحوا بما عندهم من العلم. طيب، قوله: ولكن إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حججه وبياناته، فلا تخف ولا تحزن. ما هو شرط عدم الخوف مما قد يحصل، والحزن على ما قد يفوت؟ مكر الشيخ رحمه الله تعالى هو شرطين. فما هما؟ أحسنت. يعني رجاء. الأولى: بابها الاستعانة بالله عز وجل، واللجوء إلى الله عز وجل، والافتقار إلى الله عز وجل، والتوكل على الله عز وجل، وإظهار التضرع والفقر، والانطراح بين يدي الله عز وجل، وأن الإنسان عاجز، لا حول ولا قوة له إلا بالله العظيم. هذا أولا. وثانيا: العلم النافع، العلم النافع بمعرفة الحجج والبراهين التي ذكرها الله عز وجل في كتابه. فإن كان كذلك، قال الشيخ: فلا تخف ولا تحزن. أي: لا تخف مما تتوقع أن يحصل من القاعدين على الطريق إلى الله عز وجل من الشرور والفتن، إلى غير ذلك من المعاني، ولا تحزن على ما فاتك. طيب، قوله: والعامي من الموحدين يغلب ألفا من علماء هؤلاء المشركين. كيف هذا؟ وما معنى هذا الكلام؟ نعم، نعم، عنده ثقافة إسلامية، ليس بعالم، ولا هو من طلاب العلم، ولكن عنده اطلاع عام في التوحيد، عنده العلم الواجب الذي صار به مسلما. كما مر معنا في الأصول الثلاثة: أن من الواجبات العلم. طيب، أيضا له فطرة سليمة، إلى جانب ثقافة في التوحيد والإسلام. نحن ذكرنا مثالا، وذكر بعض علماء نجد رحمهم الله تعالى، كذلك مثالا في حال هذا العامي، في حال هذا العامي. يذكرون أن رجلا من أهل التوحيد، وهو عامي، كان في المدينة، وكان معروفا بأنه من أهل التوحيد، ممن ينكر الشرك. قالوا: فجاءه رجل من علماء القبورية، فقال له: أنتم تقولون: لا يجوز الطلب من الأموات، ونحن نطلب من الشهداء، وقد أخبر الله عز وجل عنهم أنهم أحياء. قال الله عز وجل في الشهداء: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾. بل أحياء عند ربهم يرزقون. قالوا: فنحن نطلب منهم؛ لأنهم أحياء. فالعامي، بفطرته وبثقيافته، أن يسير. قال لهم ماذا؟ قال لهم: لو قال الله عز وجل: يرزقون، لقلنا: اطلبوا منهم. ولكن الله عز وجل قال: ماذا؟ يرزقون. فهم، ونحن، نرجو إلى الرازق سبحانه وتعالى؛ لأجل أن يرزقنا. واضح يا جماعة؟ كلمة: يرزقون، يرزقون، يعني: إنسان كان عنده ثقافة يسيرة، فرق بين الأمرين. قالوا: نطلب منهم؛ لأنهم، ولأنهم، قال الله عز وجل: ماذا؟ يرزقون. فدل على أنهم يحتاجون إلى ماذا؟ هم أنفسهم إلى رزق الله عز وجل. ولم يقل الله عز وجل: يرزقون. قال: فدل هذا على أننا، وهم، محتاجون إلى ماذا؟ إلى رزق الله عز وجل. فلنطلب الرزق من الرازق سبحانه وتعالى. واضح هذا يا جماعة؟ كلام يسير، وألفاظ مختصرة. يرزقون، يرزقون. انتهت الحجة، وانقطعت شبهة تماما. لم يحصل بعد ذلك ماذا؟ كلام. وهذا من نصر الله عز وجل لأوليائه، ومن خذلان الله عز وجل لأعدائه. قال رحمه الله: فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان. ما معنى: غالبون بالحجة واللسان؟ يعني: بالبراهين. وأثناء المناظرات والمجادلات، ينصرهم الله عز وجل على خصومهم بالحجة واللسان. وكذلك بالبيان، أثناء الكتاب والتصنيف. قال: كما هم الغالبون بالسيف والسنان. أش معنى: السيف والسنان؟ ما معنى: غالبون بالسيف والسنان؟ ها، ما شاء الله. قطع اليد. طيب، يعني: وكذلك القتال. قال: وإنما الخوف على الموحد الذي يمشي في الطريق، وليس معه سلاح. كيف الشيخ رحمه الله تعالى؟ من قبل يقول: العامي يغلب ألفا، والآن يقول: الخوف على الموحد الذي يمشي، وليس معه سلاح. العالم عنده سلاح، وطالب العلم عنده كذلك سلاح. من بقي؟ من عنده سلاح؟ العامي. فكيف يخاف على الشيخ؟ مع أنه ذكر قبل: أنه يغلب ألفا من علماء المشركين. يعني: يعني: العامي، العامي، العامي، الذي ليس عنده أصلا ثقافة في التوحيد، وما عرف التوحيد. هذا يخشى عليه. إلى جانب ما في الطريق إلى الله عز وجل من الشبه، ومن الفتن، ومن الملهيات. فلو لم يتسلح بما ذكر قبل: من التوكل والاستعانة، واللجوء إلى الله عز وجل، وكذلك معرفة الحجج والبراهين التي يقطع بها تلك الشبهات، ويرفع بها رايات التوحيد. فإنه يخشى عليه. يخشى عليه أن تخطفه الشبهات. وكذلك قد يحمل على معنى آخر: أنه بهذه الحال، لا يستطيع أن يجابه المخالفين. لا يستطيع أن يجابه المخالفين؛ لأن المجابهة لأهل الأهواء، والمناظرة والمجادلة لأهل الأهواء، تحتاج إلى ماذا؟ تحتاج إلى علم. لذا ذكرنا فيما ذكرنا من قبل: أن مسائل كشف الشبهات خاصة تحتاج إلى خواص أهل العلم. تحتاج إلى ماذا؟ إلى خواص أهل العلم. يقومون بها، ويكشفونها، ويبينونها، ويوضحونها. ولا يتكلم بها كل أحد. لماذا؟ لأنها من أخص أبواب العلم. لأن من أخص أبواب العلم. واضح هذا يا جماعة؟ فلا يقوم بها كل أحد، بل لا يقوم بها إلا من؟ إلا أهل الرسوخ. لا يقوم بها إلا أهل الرسوخ، وأهل العلم المختصين بالعلم. قال رحمه الله تعالى: وقد من الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة، وبشرى للمسلمين. قولوا: وقد من الله تعالى علينا. أي: تفضل علينا فضلا من عنده. فضلا من عنده سبحانه وتعالى، فضلا ورحمة منه سبحانه وتعالى. تفضل علينا، وأكرمنا بكتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه. تنزيل من حكيم حميد. قال: تبيانا لكل شيء. تبيانا لكل شيء. وهذه الصيغة تبين بظاهرها، ومنطوقها، وكذا مفهومها: أن في كتاب الله عز وجل بيانا لكل شيء من الحق والباطل. فيه بيان للحق لأهل الحق، وفيه بيان للباطل، بكشفه وإيضاحه، بكشفه وإيضاحه لمن له عينان، وله قلب يعي، وبصر ينظر به حقائق الأمور. تبيانا لكل شيء. وهذه من ألفاظ العموم. لكل شيء. ما من شيء إلا في كتاب الله عز وجل بيانه، وتوضيحه، وتجليته. وهذا من فضل الله عز وجل علينا. قال: وهدى. وفيه هدى من الله عز وجل، ورحمة. وفيه رحمة. وبشرى لمن للمسلمين. هذه منن عظيمة، وفضائل كبيرة من الله رب العالمين. كتابه سبحانه وتعالى تبيانا لكل شيء. فلا يزل من تمسك به، ومن تدبره، واعتصم بالله عز وجل، والتجأ إلى الله عز وجل، وتوكل على الله عز وجل، بإذن الله عز وجل. لا يزل. لماذا؟ لأن في كتاب الله عز وجل تبيانا لكل شيء. تبيانا لكل شيء. زد على هذا: وهدى. زد على هذا: ورحمة. زد على هذا: وبشرى للمسلمين. إنعامات عظيمة من الله رب العالمين. قال رحمه الله تعالى: فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها، ويبين بطلانها. كما قال تعالى: ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾. فلا يأتي صاحب باطل بحجة أبدا، إلا وفي كتاب الله عز وجل بيانها. إلا وفي كتاب الله عز وجل كشفها وإيضاحها. إلا وفي كتاب الله عز وجل دمغها وإزهاقها. قل: الحق، وزهق الباطل. إن الباطل كان زهوقا. بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق. ولكم الويل مما تصفون. في كتاب الله عز وجل هدى، وبيان، وشفاء، ورحمة للعالمين. قال رحمه الله: كما قال تعالى: ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾. ولا يأتونك بمثل. أي: لا يأتيك أهل الباطل، لا يأتيك من ناوأك، ومن خالفك. لا يأتونك بشيء، بشبهة، بمثل، بشيء مشتبه. إلا جئناك بماذا؟ إلا جئناك بالحق، وأحسن تفسيرا. وأحسن بيانا، وأحسن وضوحا. فلا يكون بعد ذلك للباطل مجالا، ولا يكون له رواج. بل الحق منصور بنصر الله عز وجل له، والباطل مدموم بفضل الله عز وجل، ورحمته. وهذا أيضا السياق في قول الله عز وجل: ﴿ولا يأتونك بمثل﴾. دال على ماذا؟ دال على العموم؛ لأن مثل: قوله: بمثل، نكرة، وهو في سياق النفي. فيدل على العموم. أي: ما يأتونك أبدا بأي نوع من أنواع الباطل والشبه، إلا جاءك الله عز وجل بالحق الواضح البين، وأحسن تفسيرا، وأحسن تفسيرا. وهذا كما قال الله عز وجل في الآية التي أشرنا إليها. ولا في قول الله عز وجل: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق﴾. فإذا هو ماذا؟ فإذا هو زاهق. قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة. من أين استفدنا العموم يا جماعة؟ من أين استفدنا العموم؟ من النكرة في سياق ماذا؟ في سياق النفي. قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل، إلى يوم القيامة، إلى يوم القيامة. فما يأتي أهل الباطل بحجة إلا وفي كتاب الله عز وجل بيانها، وتجليتها لأهل الحق، بإذن الله عز وجل. قالوا: أنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابي، جوابا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا. وهذا شروع من الشيخ رحمه الله تعالى في ذكر الشبهات. هذا شروع من الشيخ رحمه الله تعالى في الدخول في الشبهات، وبيان الشبهات، وكشف الشبهات التي ذكرها المشركون في زمن الشيخ رحمه الله تعالى، من القبورية. وقول الشيخ رحمه الله: وأنا أذكر لك أشياء. أي: أيها الموحد، أيها السالك إلى الله عز وجل، أيها السائر على درب التوحيد إلى ربك عز وجل. أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه. أي: أمثلة مما ذكر الله في كتابه، جوابا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا. احتج به المشركون في زماننا علينا. وفي هذا الكلام إشارة إلى أمور. الأمر الأول: أن الشيخ رحمه الله تعالى، بعد أن ذكر المقدمة العظيمة الجليلة في هذا الكتاب، التي هي أساس متين لهذه الكشف الشبهات الآتية. قال لهذا الطالب: وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه، جوابا لمحتج به المشركون في زماننا. لأجل أن يعلم الطالب: أن ما ذكره الشيخ من أقوال، يذكر له أمثلة ليبين له صحة ما قال. ليبين له صحة ما قالوا: أن ما من باطل إلا وفي كتاب الله عز وجل بيانه. الله عز وجل أنزل الكتاب قبل أكثر من ألف سنة. في زمن الشيخ، والشيخ يقول: سأستدل بها كتاب الله عز وجل على بيان شبه ذكرها المشركون في زماننا. فدل هذا على أن كتاب الله عز وجل بين جميع الشبهات في جميع الأعصار، وفي جميع الأزمان. هذا أمر. أمر آخر: الشيخ رحمه الله تعالى يريد أن يبين لهذا الطالب، ولهذا الموحد: أن ما هو عليه هو طريق الأنبياء. هو طريق الأنبياء. والأنبياء قد خاصمهم خصومهم، وأتوا بشبه، ولكن الله عز وجل أظهرها، وبينها، وزيفها سبحانه وتعالى في كتابه الكريم. أيضا فيه كذلك تنبيه للطالب: بأن يأخذ فكرة، ويتعلم كيفية المعاملة مع الشبه. كيف يتعامل الموحد مع الشبه؟ وكيف يتعامل الطالب مع الشبه؟ كيف تتعامل؟ يقول الشيخ رحمه الله تعالى: سأذكر لك أمثلة. أيضا، أيضا في هذا الكتاب. كذلك بيان لشبه. بيان لشبه هي أصول شبه المشركين في زمن الشيخ رحمه الله تعالى، وقبل زمانه، وبعد زمانه. فمداره شبه المشركين في هذا الكتاب. وفي قوله أيضا: احتج به المشركون في زماننا. إشارة ودلالة على أن المشركين، على أن المشركين في زمن الشيخ قد حصل لهم ما حصل من الخصومة والجدال، والتشويه على دعوة الحق، على دعوة التوحيد، وعلى دعوة الحق. وأنهم تكلموا، وأتوا بحجج وبراهين على أهل الحق؛ لأجل أن يطفئوا بها الحق. ولكن الله عز وجل لهم بالمرصاد. وقول الشيخ رحمه الله تعالى: وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابي، جوابا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا. وقول: احتج به. ما احتج به. يدل على أن المشركين عندهم حجج. على أن المشركين عندهم ماذا؟ حجج. ولكنها حجج زائفة، عند التمحيص، وعند التحقيق. وكما قال الإمام الخطابي رحمه الله تعالى: حجج كالزجاج، تخالها حقا، وكل كاسر مكسور. حجج أول ما يراها الإنسان يقول: هذه حق. ولكن عند التمحيص والتحقيق يراها ماذا؟ لا شيء. حجج كالزجاج، تخالها حقا. أي: تظنها حقا. وكل كاسر مكسور. بمجرد التنقيح، وبمجرد التحقيق، تنكسر. كما ينكسر الزجاج الرقيق. الزجاج إذا نظر إليه الإنسان يقول: هذا متين، هذا قوي، هذا كذا. لكن بمجرد أن يضرب بشيء، على طول ماذا يحصل له؟ ينكسر. ينكسر. وكذلك شبه القوم، وكذلك شبه وحجج القوم. أول ما ينظر إليها العامي، أو الطالب المبتدئ، يقول: ما هذا؟ ولكن العالم المحقق إذا نظر إليها هدمها، وكسرها مباشرة. قال: فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصل. وهذا شروع في الجواب على هذه الشبهات. وقول الشيخ رحمه الله تعالى: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصل. هذا من أحسن طرق المناظرة والمجادلة، وكشف الشبهات، وبيان الباطل. وهو أن يكون الجواب مكونا من جوابين: أن يكون الجواب مكونا من جوابين: إجمال عام، وتفصيل لكل شبهة على حدة. وهذه طريقة أهل العلم والإيمان في هذا الباب. طريقة إجمالية يفهمها، ويستدل بها كل أحد. وطريقة تفصيلية يستفيد منها أهلها، وخواصها. قال الشيخ رحمه الله: أما المجمل، فهو في الأمر العظيم، والفائدة الكبيرة لمن عقلها. قال: وذلك قوله تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله﴾. قال الشيخ رحمه الله: وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم». متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها. وأراد الشيخ رحمه الله تعالى أن يبين في هذا في الجواب الإجمال: أن هناك طريقين إلى الله. أن هناك طريقين إلى الله: طريق أهل الإيمان والعلم والرسوخ فيهما. وهو الإيمان والتسليم، واتباع المحكم. وهو الإيمان والعلم الراسخ، واتباع المحكم من كتاب الله عز وجل، ورد المتشابه منه. ورد المتشابه منه إلى المحكم؛ ليصير كتاب الله عز وجل يصير كتاب الله عز وجل كله محكما. لأن المتشابه إذا رد إلى المحكم، صار الأمر كله ماذا؟ الكتاب كله محكما. هذه طريقة الراسخين في العلم من أهل الإيمان. وطريق ثاني: وهو طريقة الزائغين. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه. يتبعون المتشابه. أي: الشبه. لماذا؟ قال: ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله. أهل الشبه، وأهل الفتن، وأهل الزيغ. هذا حالهم. ومن زيغهم وفتنتهم: أنهم يردون المحكم إلى المتشابه. أنهم يردون المحكم إلى المتشابه؛ ليصير الكتاب كله متشابها. يصير الكتاب كله متشابها. وهذا من الباطل، وهذا من الزيغ. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه». ما تشابه من كتاب الله عز وجل. قال: «فأولئك الذين سمى الله». ماذا سماهم الله عز وجل؟ قال: «فأما الذين في قلوبهم زيغ». هؤلاء، هؤلاء الذين سمى الله. سماهم ماذا؟ الذين في قلوبهم زيغ. فمن رأى من هذا الصنف، فمن رأى من هذا الصنف أحدا، فليعلم أنه ممن سمى الله عز وجل. بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال: «فاحذروهم». واضح هذا الأمر أم لا؟ قال رحمه الله تعالى: مثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين... هذا جواب إجمال، ومثال لهذه القاعدة علمها الشيخ. إذا قال لك بعض المشركين: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. أو إن الشفاعة حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله. أو ذكر كلاما للنبي صلى الله عليه وسلم، يستدل به على شيء من باطله. أو ذكر كلاما للنبي صلى الله عليه وسلم، يستدل به على شيء من باطله. وهذا من أخذ ماذا؟ من أخذ المتشابه. المتشابه. يأخذ شيئا من كلام الله، أو شيئا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستدل به على ماذا؟ على الباطل. ويستدل به على الباطل. مع أن كتاب الله عز وجل حق، والحق لا ينصر الباطل أبدا، بل يدمغه، وينصر الحق. وكذلك كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حق. قال رحمه الله: قال: وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره. أنت عامي، لا تفهم معنى هذا الكلام. الشفاعة حق، النبي صلى الله عليه وسلم له جاه، والنبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا. ما تفهم هذا الكلام. أنت عندك فطرة ماذا؟ سليمة. عندك ثقافة في التوحيد. عندك: أن الله عز وجل ماذا؟ هو المعبود وحده، ولا يجوز صرف شيء من العبادة لغير الله عز وجل. هذا مستقر في نفسك. تعلم معنى ماذا؟ لا إله إلا الله. أنها لا معبود حق إلا الله. فلا يجوز أن يعبد غير الله، ولا يجوز أن تصرف العبادة لغير الله عز وجل. عندك هذا السلاح، وهذه القاعدة المتينة، وهذه الفطرة السليمة. وهذا الرجل أتاك بهذه الشبهة. فماذا تصنع؟ قال الشيخ رحمه الله تعالى: فجاوبه بقولك: إن الله ذكر في كتابه: أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم. يتركون ماذا؟ المحكم. ويتبعون المتشابه. هذه طريقة من الزائغين. يستدلون بالمتشابه؛ لأنه اجتهاع على الناس اجتهاع الحق ماذا؟ بغيره. ويتركون المحكم الذي هو واضح، بين، جلي. لماذا؟ ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله. بل إن منهم من يجعل المحكم ماذا؟ ينزل المحكم على ماذا؟ على المتشابه؛ ليصير الكتاب كله ماذا؟ متشابها. على خلاف طريق من؟ على خلاف طريق أهل العلم والإيمان. الذين يرجعون المتشابه إلى ماذا؟ إلى المحكم. قال الشيخ رحمه الله: وما ذكرته، وما ذكرته لك من أن الله تعالى ذكر: أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء، مع قولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. قال: هذا أمر محكم، بيّن. هذا أمر ماذا؟ محكم، بيّن. ما هو الأمر البيّن المحكم؟ أن المشركين الأول قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وأن المشركين الأول يقرون بماذا؟ بتوحيد الربوبية. هذا أمر مستقر بالفطر، وأمر واضح، جلي، لا تتجاذب فيه؛ لأنه قد دل عليه ماذا؟ كلام الحق سبحانه وتعالى. قال: هذا أمر محكم، بيّن. ما تقدم من التقعيد. ما تقدم ماذا؟ من التقعيد. قال: لا يقدر أحد أن يغير معناه. وما ذكرت لي أيها المشرك في القرآن، أو كلام النبي صلى الله عليه وسلم: لا أعرف معناه. ولكن أقطع: أن كلام الله لا يتناقض. ما معنى: كلام الله لا يتناقض؟ أي: تقدم معنى في أول كتاب: أن المشركين ماذا؟ يقرون بتوحيد الربوبية، وأن شركهم بسبب ماذا؟ بسبب الوسائط. وهل اتخذوا الوسائط، وعبدوهم، وتعلقوا بهم؛ لأجل أنهم ينفعون أو يضرون؟ أو لأجل أن يقربوهم إلى الله عز وجل الجلفاء؟ لأجل أن يتوسطوا لهم عند الله؛ لأجل أن يشفعوا لهم عند الله. الجواب ما هو؟ الجواب: الأمر الثاني: لأجل أن يكونوا وسائط بينهم وبين الله عز وجل. هذا أمر مستقر، مقرر. وما ذكرته أنت في هذا الكلام: أن لهم جاه، وأن لهم شفاعة على غير ذلك. هذا ماذا؟ هذا أمر فيه ماذا؟ فيه اشتباه. فيه اشتباه. وكلام الله عز وجل لا يناقض بعضه بعضا. كلام الله عز وجل لا يناقض بعضه بعضا. إذا كان الله عز وجل أخبر: أن شرك المشركين بسبب اتخاذهم وسائط؛ لأجل أن يقربوهم إلى الله، بأجل أنهم اتخذوهم شفعاء. وحكم الله عليهم بأنهم كفرة، وأنهم مشركون. فكيف بعد هذا نقول: إن الله عز وجل، أو أن الرسول صلى الله عليه وسلم جوز أن يتخذ مخلوقا واسطة بينه وبين الله عز وجل، يكون شفيعا، ويكون ماذا؟ واسطة بينه وبين الله عز وجل. ما يكون أبدا؛ لأن هذا الزعم هو ماذا؟ التناقض بين كلام الله عز وجل. ولا تناقض فيه. كلام الله عز وجل. كما قال الله عز وجل: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾. ولكن من تدبر كتاب الله عز وجل، علم أنه ما هناك اختلاف. وإنما الاختلاف من ماذا؟ من أولئك الناظرين الذين لم يتدبروا كتاب الله عز وجل. وضح هذا يا جماعة؟ منها: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾. لو وجدوا فيه طرابا كثيرا. ولكن لما كان الكتاب عند الله عز وجل، فليس فيه اختلاف، وليس فيه طراب. بل فيه ماذا؟ الحق الواضح البين. ولكن العبرة بماذا؟ العبرة بنظر الناظر، وتدبر المتدبر. فمن تدبره حق تدبره، ظهر له الحق، وظهر: أن فيه لا خلاف، ولا طراب. بل فيه الحق البين الواضح. وأما الذي في قلبه زيغ، فإنه يحاول أن يضرب كتاب الله عز وجل بعضه ببعض؛ لأجل ماذا؟ لأجل أن يصل إلى مراده، ومقصوده. ابتغاء الفتنة، وابتغاء ماذا؟ وابتغاء تأويله. قال الشيخ رحمه الله: قال: عن هذا الموحد: لا أعرف معناه. كلامك أيها المشرك. لا أعرف معناه. ولكن أقطع: أن كلام الله لا يتناقض. وأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالف كلام الله عز وجل. لماذا؟ لأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم من؟ ممن؟ كلام نبي صلى الله عليه وسلم. وحي من الله. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى. علمه شديد قوى. فهو من عند الله عز وجل. وما ينطق عن الهوى. هكذا يقول الله عز وجل: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾. وضح هذا يا جماعة؟ فكلام الله عز وجل لا يناقض كلام الله عز وجل. وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يناقض كلام الله عز وجل. وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يناقض كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كله حق، وكله من عند الله عز وجل. قال الله عز وجل: ﴿وأنزل عليك الكتاب والحكمة﴾. والحكمة: أي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قالوا: أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالف كلام الله عز وجل. قال: وهذا جواب سديد. هذا ممن؟ من أهل العلم والإيمان الكبار الراسخين. أو للموحد المبتدئ. للموحد الذي قد يقال فيه بأنه عامي، بأنه ماذا؟ بأنه عامي. قال: وهذا جواب سديد. ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله. إذن العامي يحتاج إلى ماذا؟ إلى ثقافة في التوحيد. ويحتاج إلى أيضا أمر أعظم. وماذا؟ إلى طلب العون من الله، إلى طلب السداد من الله، إلى طلب التوفيق من الله عز وجل. فيظهر التضرع والتقرب إلى ربه عز وجل؛ لأجل أن يوفقه إلى الخير والهدى. قال: وهذا جواب سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله. قال: فلا تستهن به. أي: لا تحتقر هذا الجواب. ولا تقول: هذا جواب لا يصلح. بل هو جواب قوي، وجواب عظيم لمن فقِه فيه، ولمن وفق إليه. قال: فإنه كما قال تعالى: ﴿وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾. فالجواب هذا يقول الشيخ: هو من أسد الأجوبة، ومن أقوى الأجوبة. وحسبك برجل عاشر الشبه، وخالط أصحابها، وحصل منه ما حصل بينه وبينهم من المناظرات، ومن المجادلات، ومن كذلك المغالبات بالحجة والبيان، وبالسيف والسنان. حصل منه هذا الشيخ رحمه الله. وهذا فحسبك بهذا الجواب من هذا الرجل الخبير المطلع بأحوال القوم. واضح هذا يا جماعة؟ إلهنا سبحانك، اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.