الدرس في كتاب الصلاة 48، ألقاها
يتناول المقطع شرح حديث ذي اليدين وتحليل رواياته المختلفة مع التركيز على موضع السجدتين للسهو. يبين أن الروايات تشير إلى اختلاف في موضع السجدتين بين بعد السلام وقبل السلام.
اختلف العلماء في حكم سجود السهو بين الوجوب والاستحباب. استعرض المقطع آراء المذاهب الفقهية المختلفة واستدلالاتها من الأحاديث النبوية.
إذا نسي المصلي سجود السهو ثم تذكره قبل طول الفصل، فعليه أن يسجد. وهناك اختلاف في تحديد مدة الفصل التي بعدها لا يسجد للسهو.
إذا طال الفصل بين الصلاة والسجود ولم يعد هناك ارتباط بينهما، فلا يسجد للسهو. الحكم مبني على أن طول الفصل يقطع العلاقة بين الصلاة والسجود.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، طيب، تتمة لما مر معنا في الدرس السابق في الكلام على الحديث، تعليقا على قوله في هذا الحديث: «ذو اليدين». جاء في بعض روايات أنه قيل: رجل من بني سليم، وفي رواية: رجل يقال له الخرباق، وكان في يده طول، وفي رواية: رجل بسيط اليدين. قال النووي رحمه الله تعالى: هذا كله رجل واحد، اسمه الخرباق بن عمر، بكسر الخاء المعجمة والباء الموحدة، وآخره قاف. قال: ولقبه ذو اليدين لطول كان في يديه، وهو معنى قوله: «بسيط اليدين». هذا أمر، وأمر آخر في قوله: في قول ابن سيرين في آخر الحديث قال: «فنبئت أن عمران بن حسين قال: ثم سلم»، يعني: حينما قال: «فربما سألوه ثم سلم»، أي: سألوه ابن سيرين، ثم سلم، أي: هل ثبت أن أبا هريرة قال: «ثم سلم». فقال ابن سيرين رضي الله عنه ورحمه الله: «نبئت أن عمران بن حسين قال: ثم سلم». قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في «الفتح»، معلقا على هذه الزيادة، قال: «هذه الزيادة غير محفوظة، هذه الزيادة غير محفوظة في حديث أبي هريرة»، إنما ذكرها ابن سيرين بعد حديث أبي هريرة بلاغا عن عمران بن حسين، أي: أنه قال: بلاغا أو بلاغني أن عمران بن حسين قال كذا وكذا. قال رحمه الله: وخرجه مسلم من طريق الثقة، من طريق الثقة وابن علية، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حسين، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي: هذه الزيادة رواه مسلم رحمه الله تعالى بهذا السند المذكور، فيثبت أنه من حديث عمران بن حسين، وليس من حديث أبي هريرة. قال رحمه الله: وروى محمد بن فضيل، أو قال: وروى محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا الأشعث، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، به، أي: بنفس السند السابق، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم، فسها، ثم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم، ثم تشهد، ثم سلم. واضح هذا، يا جماعة، فيه زيادة: «ثم تشهد، ثم تشهد، ثم سلم». واضح، يا أخوان، لا، بعد أن سلم للصلاة، قرأ أو سجد للسجدتين، ثم تشهد، ثم سلم. واضح هذا الأمر أم لا؟ طيب. قال: أخرجه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن غريب، وضعفه آخرون، وقال: ذكر التشهد فيه غير محفوظ، منهم محمد بن يحيى الذهلي والبيهقي. وهذا هو الصواب، أن لفظ التشهد ليس بثابت في هذا الحديث، وأن المحفوظ في هذا الحديث من غير ذكر التشهد، لأن الثقفي وابن علية، كما مر، ما رووه عن خالد الحذاء، عن خالد الحذاء، بدون هذه الزيادة. واضح، يا جماعة، فالحاصل أن هذه الزيادة ليست بثابتة، وذكرناها لما سيأتي من مسائل بإذن الله عز وجل. قال النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم، بعد أن ذكر، أو بعد ذكر الإمام مسلم رحمه الله تعالى لخمسة أحاديث في باب السهو، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في الشرح: قال الإمام أبو عبد الله المازري: في أحاديث الباب خمسة أحاديث. الأول: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فيمن شك فلم يدري كم صلى، وفيه أنه يسجد السجدتين، ولم يذكر موضعها، ولم يذكر موضعهما، أي: لم يذكر أبو هريرة موضع التسليم أو موضع السجدتين، قبل التسليم أو بعد التسليم. قال: وحديث أبي سعيد رضي الله عنه، فيمن شك فيه، وفيه أنه يذكر السجدتين قبل أن يسلم، أنه يذكر السجدتين قبل أن يسلم. قال: وحديث ابن مسعود رضي الله عنه، وفيه القيام إلى الخامسة، وأنه سجد بعد السلام، وأنه سجد بعد السلام. وحديث ذي اليدين، وفيه السلام من السنتين، والكلام، وأنه سجد بعد السلام، وأنه سجد بعد السلام. وحديث ابن بحينة، وفيه القيام من السنتين، والسجود قبل السلام، والسجود قبل السلام. فهذه خمسة أحاديث، الأول لم يذكر موطن السجدتين، قبل أو بعد السلام. الثاني، الذي هو حديث أبي سعيد، ذكر أن السجدتين كانت قبل السلام. وفي حديث ابن مسعود، أنه بعد السلام. وفي حديث أبي هريرة، أنه كذلك بعد السلام. وفي حديث ابن بحينة، أنه قبل السلام. واضح، حاجة ما عمل. فهذه أحاديث بعضها تدل على أن السجود يكون قبل السلام، ومنها ما دل على أن السجود كان بعد السلام. ولأجل هذا المعنى حصل في المسألة خلاف، وسيأتي الكلام عليها بإذن الله عز وجل. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسة أشياء: سلم من إثنتين، فسجد. سلم من ثلاث، فسجد. وفي الزيادة والنقصان، وقام من إثنتين، ولم يتشهد. وقال الخطابي رحمه الله تعالى: المعتمد عند أهل العلم، هذه الأحاديث الخمسة. وقال النووي رحمه الله تعالى في «المجموع»، بعد أن ذكر الخمسة الأحاديث السابقة، قال: السادس، عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سهى أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى أم اثنتين، فليبني على واحدة. فإن لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثا، فليبني على اثنتين. فإن لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا، فليبني على ثلاث، وليسجد السجدتين قبل أن يسلم». رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. قال النووي رحمه الله تعالى: فهذه الأحاديث الستة هي عمدة باب سجود السهو. وفي الباب أحاديث بمعناها. وحديث عبد الرحمن بن عوف، حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى بغيره، كما في «الصحيحة»، برقم 356. قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: وجملة ذلك، أي: هذا الباب في الكلام على سجود السهو، الكلام فيه مجملا، قال: وجملة ذلك أن من سلم قبل إتمام الصلاة، ساهيا، ثم علم قبل طول الفصل، ونقض وضوئه، فعليه أن يأتي بما بقي، ثم يتشهد ويسلم، ثم يسجد سجدتين، ويتشهد ويسلم. هذه الأخرى سعة الكلام عليها في مسألة خاصة. وإن لم يذكر حتى قام، فعليه أن يجلس لينهض إلى الإتيان بما بقي، عن جلوس. فإن هذا القيام واجب للصلاة، ولم يأتي قاصدا لها، فكان عليه الإتيان به مع القفل. قال: ولا نعلم في جواز إتمام الصلاة في حق من نسي الركعة فما زاد اختلافا. والأصل في ذلك ما روى ابن سيرين، عن أبي هريرة، وأشار إلى حديث الباب، حديث ذي اليدين. واضح، يا جماعة. وحديث ذي اليدين، واضح، يا جماعة. هذا إجمال لهذا الباب. ونذكر بإذن الله عز وجل بعض المسائل المتعلقة بهذا الباب. ومسائل هذا الباب كثيرة ومتشعبة، كثيرة ومتشعبة. ولكن في هذا الدرس بإذن الله عز وجل نذكر جملا من مسائل هذا الباب، وفيها إشارة إلى غيرها من المسائل بإذن الله عز وجل. أولى هذه المسائل: حكم سجود السهو. حكم سجود السهو، أي: حكم السجود لمن سهى، فيه خلاف. فقال أبو حنيفة: هو واجب، يأثم بتركه، وليس بشرط لصحة الصلاة، بمعنى أن من تركه، صحة صلاته، ولا شيء عليه. وكذلك أوجبه أحمد في الزيادة والنقصان، كمن صلى مثلا خمس ركعات، أو ست ركعات، هذه الزيادة. أو تشهد مثلا ثلاثة تشهدات، هذه الزيادة والنقصان. كمن نقص، كمن أنقص التشهد مثلا، أو نسي كذلك شيئا من واجبات الصلاة، فكذلك يوجب عليه أن يأتي بسجدتي السهو. وقال القاضي أبو عبد الوهاب المالكي: الذي يقتضيه مذهبنا، أي: مذهب مالك، أنه واجب في سهو النقصان. وقال مالك: إن كان السهو لنقص، سلم، أو قال: وسلم، ولم يسجد حتى طال الفصل، لزمه استئناف الصلاة. وهذا حال، يا جماعة. يقول إمام مالك رحمه الله تعالى: إن أخلى بشيء، فأنقص من الصلاة، ركنا، وطال الفصل، ولم يسجد لسهو، فعليه أن يستأنف الصلاة، أي: أن يأتي بالصلاة مرة أخرى، يصلي صلاة مكان الصلاة التي صلى، فتكون الصلاة الأولى غير معتبرة، لاختلال بعض أركانها في ذلك. وذهب الشافعي إلى أنها سنة، وليس بواجب. والصحيح الأول، وأنها واجبة، للأدلة الصحيحة السابقة، المصرحة بالأمر، كحديث أبي سعيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم ركعتين، أو ثلاثا، أو أربعا، فشك، فليطرح الشك، وليبني على اليقين، ثم ليسجد سجدتين». قلنا: إن الإمام، إن القول الصحيح أنها واجبة، للأدلة في ذلك. من هذه الأدلة ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وليسجد سجدتين». والأصل في الأمر أنه يفيد الوجوب. وهذا أمر آخر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سهى، وسجد لسهو، فثبت من فعله أنه كان يسجد لسهو، مع قوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فيكون هذا من بيان الواجب، فدل على وجوبه. فالقول الصحيح في هذه المسألة أن سجود السهو واجب من واجبات الصلاة لمن سهى. المسألة الثانية: إذا نسي سجود السهو، ثم ذكره قبل طول الفصل، فإنه يسجد، سواء تكلم أو لم يتكلم. وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وغيرهم. وقالوا: إذا كان في المسجد. وبعضهم اشترط أن يكون في المسجد. وقال الحسن بن صالح: إذا صرف وجهه عن القبلة، لم يبن ولم يسجد. واضح، هذا القول الثاني، يا جماعة. معنى هذا أنه إذا سهى، فنسي ركنا من الأركان، نسي مثلا ركعتين، كما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين، ماذا يصنع؟ يقولون: إذا كان وجهه ما زال جهة القبلة، له أن يقوم، فيكبر، ويأتي بالصلاة، يبني على ما تقدم، ثم يسجد للسهو، كما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين. وإن صرف وجهه عن القبلة، فإن عليه الإعادة، مرة أخرى، وليس له أن يبني، ولا له أن يسجد للسهو. واضح، هذا، يا جماعة، أم لا؟ طيب. وقال أبو حنيفة: إن تكلم بعد الصلاة، سقط عنه سجود السهو، لأنه بما ينافيها، أو لأنه ينافيها، فأشبه ما لو أحدث. والقول الأول هو الراجح، ويدل عليه حديث الباب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إن صرف من مكانه، من جهة القبلة، إلى مكان آخر، واتكى على الجذع، وحصل منه كلام بينه وبين ذي اليدين، وبينه وبين الصحابة، ثم بنى على صلاة الأولى، فأكمل الركعتين، ثم سجد للسهو. فالراجح في المسألة ما سمعتموه، أن الإمام أو المصلي إذا حصل منه ذلك، ونبهه منبه، ولو انصرف من الصلاة، ولم يطل الفصل، فإن عليه الرجوع إلى صلاته، وليبني على ما تقدم، ثم ليسجد للسهو، كما دل عليه حديث أبي هريرة، وكذا حديث عمران بن حسين، المشار إليه قبل. طيب. المسألة الثالثة من مسائل هذا الباب، واضح، هذه المسألة، يا جماعة، ملا واضح إن شاء الله. الثالثة: أنه لا يسجد بعد طول المدة. واختلف في ضبط المدة التي يسجد فيها. واضح، هذا، يا جماعة. العلماء يقولون: إذا طالت المدة، فلا يسجد للسهو. وإن كانت المدة قصيرة، وليست بالطويلة، فله أن يسجد للسهو. ثم اختلف في ضابط هذا الطول، وفي ضابط هذا القصر. واضح، يا جماعة، ملا، أي: متى يقال فيه أنه طال، ومتى يقال في حقه أنه قصر. واضح، يا جماعة، ملا في المسألة، في ضابط هذا خلاف. فقال الخرقي: يسجد ما كان في المسجد، وإن خرج لم يسجد. نص عليه أحمد، أي: الإمام أحمد، وهو قول الحكم، وابن شبرمة. فهؤلاء يقولون: ما دام في المسجد، ولم يخرج من المسجد، ولو ذهب إلى ناحية من نواحي المسجد، ثم نبه، فله الرجوع، فله أن يبني على صلاته، ثم ليسجد السهو. واضح، هذا، يا جماعة. فإن خرج من المسجد، قالوا: فقد طال الفصل. واضح، هذا، يا جماعة. هذا هو القول الأول. وقال القاضي: يرجع إلى العادة، أي: إلى العرف، إلى عرف الناس. فما تعرف عند الناس أن الفصل فيه طويلا، اعتبر به. وما كان قصيرا، كذلك اعتام به. وهذا قول الشافعي، لأنه صلى الله عليه وسلم رجع إلى المسجد بعد خروجه، كما جاء في حديث عمران بن حسين. فالسجود أولى. وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى: أنه يسجد وإن خرج وتباعد. وهو قول الشافعي، لأنه جبران، يأتي بعد طول الزمان، كجبران الحج. وهذا قول مالك: إن كان لزيادة، وإن كان لنقص، أتى به، ما لم يطل الفصل. مالك يقول: إن كان لزيادة، أي: إذا كانت سجدتان بعد التسليم من الصلاة، فله أن يأتي بها، ولو طال الفصل. وإن كان في نقصان، فعليه أن يأتي بها، إلى قصر الوقف. إن طال، فلا. والظاهر، والله أعلم، في هذه المسألة ما ذهب إليه القاضي، أن الأمر يعود إلى العرف، أن الأمر في هذا، في الطول، في ضبط الطول، وقصره، يعود إلى العرف. فما كان في العرف أن هذا وقت، أن هذا الوقت ما زال وقتا قصيرا، بنى على صلاته، وسجد للسهو. وإن طال الفصل، بحيث أن الإنسان في عرفه يعلم أن هذا قد طال الفصل بين الصلاة وبين السجود، فلا يسجد. والله أعلى وأعلم. إلهنا، سبحانك، اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.