حلية طالب العلم 59

الدرس في حلية طالب العلم 59، ألقاها

أهمية الصدق في طلب العلم

يُشدد على أهمية الصدق في طلب العلم كشرط أساسي للارتقاء في العلم الشرعي. الصدق ممدوح شرعًا وعرفًا وعقلًا، وينبغي تعلمه قبل العلم.

تحليل أقسام الكذب ومخاطره

يشرح ثلاثة أقسام للكذب ويحذر من مخاطره، ويشجع على الصدق في القول والاعتقاد. يُوصى بالابتعاد عن الكذب والالتزام بالصدق.

تحذير الطلاب من الكذب والتورية في العلم الشرعي

ينصح الشيخ الطلاب بتجنب الكذب والتورية في العلم، ويحذر من أن التوسع في التورية قد يؤدي إلى الكذب، خاصة عند الكذب على الله ورسوله.

التحذير من فتنة زخرف القول

يحذر المقطع من الذين يحترفون زخرف القول ويعتبرهم أشبه بالسحرة، ويختم بالدعاء والتسبيح لله تعالى، ويُظهر التحذير من فتنة الكلام المعسول.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم ما بعد، ما زلنا في الكلام على الخصال والصفات التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم. ما زلنا في آداب الطالب في حياته العلمية، وتكلمنا فيما مضى، شرعنا في الدخول في الكلام على الصدق، وتوقفنا عند قول وكيع رحمه الله تعالى: «هذه صنعة لا يرتفع فيها إلا صادق»، أي العلم الشرعي لا يرتفع به ولا ينتفع به إلا الصادق؛ لأن أكبر آفة وأعظم ما يقطع الطريق بين الطالبين للعلم وبين العلم هذه الخصلة الذميمة، خصلة الكذب. فالصدق خصلة ممدوحة مرادة شرعاً وعرفاً، وكذا عقلاً. الشرع جاء بالحث على الصدق، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. العرف: من كان بين الناس معروفاً بصدق كان عندهم محترماً ذا مكانه. وكذلك عقلاً؛ لأن الصدق يدل على رجحان العقل؛ لما في الصدق ولما يترتب على الصدق في الحال والمآل من العواقب الحميدة، ولما في الكذب ولما يترتب على الكذب في الحال والمآل من العواقب الذميمة. والعاقل من يفرق بين ما ينفعه، يميز بين النافع والضار، فيسلك ما يكون فيه نفعاً له في دنياه وأخراه، وفي حاله ومآله. قال رحمه الله تعالى: «فتعلم رحمك الله الصدق قبل أن تتعلم العلم». تعلم الصدق قبل أن تتعلم العلم. قد يقول قائل: وكيف ذاك؟ والجواب بأن يتحرى أن يتحرى صدقاً في أول أمره، وفي أثناء أمره، وفي مسيره في طلب العلم وسلوكه إلى الله جل وعلا. وإن كان العلم في نفسه مروضاً لصاحبه ومؤدباً لصاحبه، إن أراد الله جل وعلا بذلك الطالب خيراً، العلم يؤدب على الصدق ويربي على الصدق ويحث على الصدق، فيكون العلم سبباً للصدق، والصدق سبباً للعلم، إذن العلم يكون مرشداً ودليلاً على الصدق، والصدق كذلك يكون مرشداً ودليلاً على العلم، إذن هما متلازمان، وبفقدان أحدهما فقدان للآخر باعتبار أنه لا يكمل إلا بكماله وينقص بنقصانه. قال رحمه الله تعالى: «والصدق إلقاء الكلام على وجه مطابق للواقع والاعتقاد». فالصدق من طريق واحد، أما نقيضه الكذب فضروب وألوان ومسالك وأودية، يجمعها ثلاثة. قولهم: «والصدق إلقاء الكلام» إلقاء الكلام، ومعنى الإلقاء ها هنا بمعنى التكلم بالكلام، إخبار الكلام، لا بد أن يكون إخباراً؛ لأن حقيقة وتصور الصدق والكذب إنما يكون في باب الإخبار، وفي باب الأخبار، ولا يكون في باب الإنشاء. إنما يكون في باب الخبر. إن أخبر بخبر موافق للواقع فإنه يكون صدقاً. لذا قال: «إلقاء الكلام على وجه مطابق للواقع والاعتقاد». وإن قيل: موافقة الخبر للواقع والاعتقاد، لكان أليق؛ لأن الإلقاء للكلام على وجه مطابق للواقع والاعتقاد كما سمعتم قد يكون إخبارياً وقد يكون إنشائياً. «افعل كذا وكذا، اترك كذا وكذا»، هذا من باب الإنشاء، لا يحتمل الصدق والكذب. ومدار الصدق والكذب على باب الإخبار. فالحاصل: قال: «فالصدق من طريق واحد». لماذا؟ لأنه مطابقة الخبر للواقع. إذا كان الخبر مطابقاً للواقع فهو صدق. والشيخ رحمه الله تعالى قال: «والاعتقاد». ذكر هاهنا الاعتقاد إشارة إلى ما سيأتي تقسيمه من أقسام الكذب، وأنه على ثلاثة أقسام. إذا قال في الكذب: «أما نقيضه الكذب فضروب وألوان ومسالك وأودية يجمعها ثلاثة». أولها: كذب المتملق. كذب المتملق، وهو ما يخالف الواقع والاعتقاد، كمن يتملق لمن يعرفه فاسقاً أو مبتدعاً فيصفه بالاستقامة على سبيل ماذا؟ على سبيل التملق. فهو كاذب باعتبار الواقع؛ إذ أنه وصف فاسقاً بأنه مستقيم، وباعتبار الاعتقاد يعتقد أنه فاسق، ولكنه من باب التملق إما لمال أو لجاه أو لغير ذلك من الأغراض والأسباب. هذا كذب، وهذا نوع من أنواع الكذب يسمى بكذب المتملق. قال: «وكذب المنافق»، وهو النوع الثاني. قال: «وهو ما يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع»، كالمنافق ينطق بما يقوله أهل السنة والهداية، هو ما يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع. المنافق إذا تكلم تكلم وأظهر الحق والصواب، ولكن هل ذلك الخبر الذي تكلم به وأخبر به هل هو يعتقده؟ الجواب: لا. فإذا باعتبار الخبر هو موافق، وباعتبار أنه يبطن خلاف ما أخبر به فإنه كاذب بذلك. كاذب في ذلك الإخبار. قال رحمه الله تعالى: «وكذب الغبي»، وكذب الغبي بما يخالف الواقع ويطابق الاعتقاد، كمن يعتقد صلاح صوفي مبتدع فيصفه بالولاية. هذا النوع الثالث. سنغبي ما يميز بين الأمور، لا يميز بين الصالح والطالح. فمثل هذا كما ذكر رحمه الله تعالى: «يخالف الواقع ويطابق الاعتقاد»، هو في الحقيقة يعتقد هذا الأمر، يعتقد أنه ماذا؟ أنه صالح. ينظر إلى صوفي يصلي، يقول: ما شاء الله هذا رجل صالح. وهل هو صالح؟ الجواب: لا. في حقيقة الأمر ليس كذلك، لكن باعتبار ماذا؟ باعتبار ما يعتقده. لذا قال: «وكذب الغبي بما يخالف الواقع»، فهو إخبار بخلاف الواقع، ولكنه موافق لماذا؟ لما يعتقده. فهذه أقسام ثلاثة، كلها يشملها معنى الكذب. قال رحمه الله تعالى: «فالزم الجاد الصدق، فلا تضغط على كعد اللسان». ومعنى كعد اللسان هو الغلب في وسطه، «ولا تضم شفتيك ولا تفتح فاك ناطقاً إلا على حروف تعبر عن إحساسك الصادق في الباطن كالحب والبغض، وإحساسك في الظاهر كالذي تدركه الحواس الخمس: السمع، البصر، الشم، الذوق، اللمس». أي: معنى هذا الكلام أنك لا تتكلم إلا بما تعتقده صواباً وموافقاً للواقع. لا تتكلم إلا بما تعتقده أولاً وبما تراه موافقاً للواقع، إن كان كذلك فتكلم، فهذا هو الصدق: موافقة الخبر للواقع مع اعتقادي ذلك. قال رحمه الله تعالى: «فالصادق لا يقول أحببتك وهو مبغض، ولا يقول سمعت وهو لم يسمع، وهكذا». قال: «واحذر أن تحوم حولك الظنون فتخونك العزيمة في صدق اللهجة، فتسجل في قائمة الكذابين». أي: احذر الظنون السيئة بالله جل وعلا؛ فإن الله جل وعلا يحب الصادقين ويجلهم، وبالعكس يبغض الكاذبين ويمقتهم. فلا تسئ الظن بربك جل وعلا، فيحصل منك ما يكون سبباً لشينك في حياتك العلمية بوقوعك بالكذب. قال: «وطريق الضمانة لهذا إذا نزعتك نفسك بكلام غير صادق فيه أن تقهر بذكر منزلة الصدق وشرفه ورذيلة الكذب ودركه، وأن الكاذب عن قريب ينكشف، واستع بالله ولا تعجز». أي: إن حال أو حام حول الحمى -مسألة الكذب- أردت أن تكذب لأمر أو لآخر، لغرض أو لآخر، فكما ذكر الشيخ رحمه الله: انظر إلى شرف الصدق والصادقين، وانظر كذلك إلى قبح الكذب والكاذبين، وانظر أي الأمرين أحب إلى الله جل وعلا أولاً، وأحب إليك ثانياً، فاسلكه. قال رحمه الله تعالى: «ولا تفتح لنفسك سابلة المعاريض في غير ما حصره الشرع». لا تفتح لنفسك سابلة المعاريض، وهذا تنبيه مهم، وهو أن الإنسان لا يفتح باب المعاريض، وهو ما يسمى بالتورية أو بالتدليس، يتكلم بالكلام له ظاهر وباطن. وهذه الأمور كما ينبه العلماء رحمهم الله تعالى. نعم، يقول العلماء: «في المعاريض غنية عن الكذب»، لكن متى؟ عند الحاجة، أو عند الضرورة، احتاج الإنسان ضرورة إلى دفع أو رفع شر عن نفسه أو عن غيره، لا بأس أن يستخدم المعاريض، بل قد يقوزه عند الضرورة الكذب. لكن في المعاريض كما يقال: فسحة في ذلك. فسحة في ذلك. فحاصل هذا أن الطالب ينبغي له أن لا يفتح هذا المجال، يكون لهجة بالمعاريض، أن تذهب: «سأذهب إلى كذا وكذا»، يوري وأراد مكاناً آخر. أن تمشي: «سأمشي إلى كذا وكذا»، وما شابه ذلك من هذه العبارات. لا يكون الطالب ولا ينبغي للطالب أن يعود لسانه؛ فإن هذا الباب -باب التورية- كما يقال: من أوسع الطرق الموصلة إلى الكذب، ولا سيما لمن توسع في هذا الباب. اليوم تورية، وغداً ماذا؟ وغداً كذب. فهو كالبريد -الكذب-. فكما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى: «لا تفتح نفسك سابلة المعاريض في غير ما حصره الشرع». إن احتجت فنعم، إن لم تحتج، الصدق طمأنينة، والكذب ريبة. ورحمه الله تعالى: «فيا طالب العلم، احذر أن تمرق من الصدق إلى المعاريض فالكذب». انظر، يقول: «فيا طالب العلم، احذر أن تمرق من الصدق إلى ماذا؟ إلى المعاريض أولاً». وهذه من خطوات الشيطان، قد تكون من خطوات الشيطان: صدق، معاريض -أي ليس بكذب-، ثم بعد ذلك ماذا؟ ثم بعد ذلك الكذب. فقد تكون هذه من خطوات الشيطان: «أنا دلست عليك، أنا وريت، ما قصدتم هذا الأمر، إنما قصدت أمراً آخر». ابتداءً يكون كذلك، وانتهاءً يكون بماذا؟ يكون بكذب، إن لم يوفق الله جل وعلا العبد ويصونه من الكذب. قال رحمه الله تعالى: «وأسوأ مرام هذا المروق الكذب في العلم». الكذب في العلم أن تكذب في العلم، أن تقول: «قال الله»، ولم يقل، أو «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم»، ولم يقل. هذا من أعظم الكذب. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَتَقُولُوا عَلَى مَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ «هذا حلال، وهذا حرام»، لتفتروا على الله الكذب. هذا من أعظم الفرى، ومن أعظم الكذب: الكذب على الله، والكذب على رسوله صلى الله عليه وسلم في تحليل ما أحل الله، أو في تحليل ما حرم الله، في تحريم ما أحل الله جل وعلا. قال رحمه الله: «وأسوأ مرام هذا المروق الكذب في العلم لداء منافسة الأقران وطيران السمعة في الآفاق». قال: «ومن تطلع إلى سمعة فوق منزلته فليعلم أن في المرصاد رجالاً يحملون بصائر نافدة وأقلاماً ناقدة، فيزنون السمعة بالأثر، فتتم تعريتك عن ثلاثة معان». أي: من كذب في العلم يوشك أن يفضح في الدنيا قبل الأخرى. لذا يذكر عن بعض السلاف -عن ابن المبارك أو غيره- يقول: «لو هم رجل بالكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في المساء، لأصبح الناس يقولون: فلان كذاب». وهذا من حماية الله جل وعلا لدينه وشرعه. لو أن رجلاً هم في المساء -في الليل- أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: جرت عادة الله جل وعلا وسنة الله جل وعلا أن يفضحهم، فيصبح الصبح وقد قال الناس: «فلان كذاب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم». قال رحمه الله تعالى: «فتتم تعريتك عن ثلاثة معان». الأول: فقد الثقة من القلوب. أي: إذا عرف الناس أنك كذبت، فقدت الثقة. ثانيها: قال: «ذهاب علمك وانحسار القبول». من يقبل قولك؟ من يقبل قولك؟ وقد ظهر وعرف منك أنك كاذب. الثالث: قال: «ألا تصدق ولو صدقت». عقوبة، جزاء وفاقاً. قالوا: بالجملة، فمن يحترف زخرف القول فهو أخ الساحر، ولا يفرحهم الساحر حيث أتى. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. سبحانك اللهم وبحمدك.

شاركنا على