الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 288، ألقاها
شرح حديث "إن من البيان سحرا" وبيان اختلاف العلماء في دلالته بين الذم والمدح حسب السياق والغرض. يوضح المقطع آراء الفريقين وتفسيراتهم للحديث.
يتناول المقطع أحكام الشعر في الإسلام، حيث قد يكون ممدوحا إذا أظهر الحق، ومذموما إذا اشتمل على اعتداء أو ظلم. يذكر أدلة من الأحاديث وأقوال الصحابة والتابعين.
يشرح المقطع تحريم الهجاء والانتساب إلى غير الأب، ويبين خطورة هذه الأفعال ووصفها بالجرم والظلم وكبائر الذنوب التي قد تصل إلى درجة الكفر الأصغر.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد": باب من قال: إن من البيان سحرا. قال حدثنا عارم، قال حدثنا أبو عوانة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلا - أو أعرابيا - أتى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم بكلام بين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكمة﴾. ترجم الإمام البخاري رحمه الله هذه الترجمة "باب من قال: إن من البيان سحرا"، وأخذ هذا القول كما نرى من لفظ الحديث، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿إن من البيان سحرا﴾. فهذا الحديث فيه أن هذا الأعرابي أتى النبي عليه الصلاة والسلام فتكلم بكلام بين - يعني واضح، كلام فصيح - فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿إن من البيان سحرا﴾، أي: من الكلام الذي يتكلم به الإنسان، ما هو بيِّن، ومن هذا البيان والتوضيح ما يكون سحرا - يعني ما يسحر الأسماع - كالسحر الذي يكون فيه تخيل للشيء وإظهاره على غير حقيقته. ولهذا اختلف أهل العلم في هذا القول: هل هو مدح أو ذم؟ ﴿إن من البيان سحرا﴾. قال بعض أهل العلم: هذا ذم؛ لأن السحر مذموم، فتشبيه البيان بالسحر يدل على ذم مثل هذا البيان. ومن أهل العلم من قال: بل هو مدح، ولا مانع من أن يوصف البيان الواضح والكلام الجيد الحسن الفصيح بالسحر؛ يعني أنه من فصاحته وبيانه يسحر الأسماع. وقال بعض أهل العلم: بل منه ما هو مذموم، ومنه ما هو ممدوح. فإذا كان هذا البيان لإحقاق باطل، فلا شك أن هذا مذموم؛ يعني يزين الكلام ويتكلم بكلام فصيح وكلام بيِّن لأجل أن ينتصر لهذا الباطل، لا شك أن مثل هذا مذموم. وأما ما كان من البيان يقصد منه إحقاق الحق والانتصار للحق، فلا شك أن هذا ممدوح. فما كان من البيان يقصد منه إظهار الحق وتبيينه، فهذا ممدوح، وكونه يوصف بالسحر، فيراد به - يعني لشدة بيانه ووضوحه وفصاحة متكلمه - فإنه يسحر الأسماع، وفي مثل هذا الموضع لا يكون مذموما. قال: ﴿وإن من الشعر حكمة﴾. وهذا قد مر معنا الكلام عليه في الأبواب التي مضت: أن من الشعر ما فيه حكمة، وفيه نفع وكلام طيب، ومنه ما هو مذموم. قال حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال حدثني معن، قال حدثني عمر بن سلام: أن عبد الملك بن مروان دفع ولده إلى الشعبي - وهو عامر بن شرحبيل - قال: يؤدبهم. فقال: علمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، وأطعمهم اللحمة تشتد قلوبهم، وجز شعورهم تشتد رقابهم، وجالس بهم علية الرجال يناقضوهم الكلام. وهذا الأثر ضعيف؛ فعمر بن سلام هذا مجهول. قال باب ما يكره من الشعر. قال حدثنا قتيبة، قال حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمر بن مرة، عن يوسف بن ماهك، عن عبيد بن عمير، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعظم الناس جرما إنسان شاعر يهجو القبيلة من أسرها، ورجل انتفى من أبيه». وهذا الحديث صحيح، صححه شيخ الألباني رحمه الله. ورب الإمام البخاري رحمه الله على هذا الحديث "باب ما يكره من الشعر"، أي: أن من الشعر ما هو مكروه، بل ما هو محرم إذا كان فيه اعتداء وبغي وظلم، فلا شك أن مثل هذا محرم؛ كما أن الكلام إذا كان فيه اعتداء وفيه بغي وظلم فهو محرم، فكذلك الشعر إذا تخلله بغيا أو ظلما أو اعتداء فإنه يكون مكروها ومحرما. وذكر حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن أعظم الناس جرما إنسان شاعر يهجو القبيلة من أسرها». ربما يهجوه شخص - يعني يتكلم عليه بأبيات ويطعن فيه - فيأتي ويطعن القبيلة بأسرها، يتكلم ويذم القبيلة بأسرها، ولا شك أن هذا اعتداء وبغي لا يجوز؛ فهذا الذي هجاك هو شخص واحد، فكيف تأتي وتهجو القبيلة كلها؟ لا شك أن هذا من البغي والاعتداء. ولأجل ذلك بين النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا من الجرم والظلم الذي يقع فيه الإنسان: «إن أعظم الناس جرما إنسان شاعر يهجو القبيلة من أسرها». فمثل هذا الشعر مذموم ومكروه ومحرم؛ الذي فيه اعتداء وبغي وظلم. وكذلك الكلام على من لا يستحق أن يتكلم فيه، فتشك أن هذا مما لا يجوز. وهذا كثير عند الشعراء، كثير عند الشعراء، تجده إذا هجاه شخص بشعر رد عليه وهجى قبيلته كلها؛ وهذا أمر لا يجوز. قال: «ورجل انتفى من أبيه»، أي: كذلك من الجرم والظلم أن ينتفي الولد من أبيه - يعني يقول: فلان الذي هو أبوه ليس بأبيه - أو ينتسب إلى غير أبيه، فإن هذا من الظلم، من كبائر الذنوب. بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من فعل ذلك فقد وقع في الكفر الأصغر؛ كما جاء في الصحيحين حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من انتسب إلى غير أبيه فقد كفر». أي: وقع في الكفر الأصغر؛ فهو كبيرة من كبائر الذنوب، الانتساب إلى غير الآباء، فهذا لا يجوز. ومن ذلك ما يفعله بعض الناس إذا أراد أن يتحصل على جنسية، فينتسب إلى غير أبيه، ينتسب إلى الشخص هذا الذي يريد أن يجنسه أنه ابنه، فيقول: هو فلان ابن فلان ابن فلان، وينتسب إلى هذا الرجل. وهذا انتفاء عن الأب، والانتساب إلى غير الأب، فهو داخل في مثل هذا الوعيد الشديد: «ورجل انتفى من أبيه». والله تعالى أعلم.