الدرس في الإيمان الأوسط 30، الدرس الثلاثون:(فصل:وأما الإحسان فقوله صلى الله عليه وسلم:أن تعبد الله كأنك تراه ... يعظكم لعلكم تذكرون وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم.الآيات ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الإحسان هو أعلى مراتب الدين حيث يعبد المسلم الله كأنه يراه، ويتضمن الإخلاص والعمل الصالح. يشمل الإحسان الإخلاص لله والقيام بالفعل الحسن الذي يحبه الله تعالى.
يأتي الإحسان بعد الإيمان والإسلام في المرتبة، ويشمل معانيهما بالإضافة إلى معنى الإخلاص. الإحسان يجمع كمال الإخلاص لله والإتيان بالفعل الحسن.
يتناول الإحسان مفهوم الإخلاص في طلب العلم، ويشير إلى أهمية الإخلاص لله تعالى في الطاعة. يشمل آداب التعامل مع المعلم ووجوب العمل بما يتعلم ومراقبة النفس.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان الأوسط: «فصل، وأما الإحسان، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"». قد قيل: إن الإحسان هو الإخلاص. ومر معنا في أوائل هذا الكتاب أن المؤلف رحمه الله جعل حديث جبريل هو أصل هذا الكتاب، وعليه تفرعت مسائل هذا الكتاب. قال رحمه الله: «قد قيل: إن الإحسان هو الإخلاص، والتحقيق أن الإحسان يتناول الإخلاص وغيره. والإحسان يجمع كمال الإخلاص لله، ويجمع الإتيان بالفعل الحسن الذي يحبه الله تعالى». قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. فذكر إحسان الدين أولًا، ثم ذكر الإحسان ثانيًا. فإحسان الدين هو -والله أعلم- الإحسان المسؤول عنه في حديث جبريل صلى الله عليه وسلم؛ فإنه سأله عن الإسلام والإيمان. ففي إحسان هذا الإسلام والدين الذي يكون صاحبه محسنا وتابعًا لما فيه رضوان الله في الأقوال والأفعال، هو المقام الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». والأمر كما قال رحمه الله تعالى. والقاعدة ها هنا أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فزيادة «الإحسان» فيه معنى الإخلاص وزيادة؛ إذ فيه ما يطلب من الإحسان الظاهر والإحسان الباطن. ومن الإحسان الباطن الإخلاص، وهكذا كذلك الإحسان الظاهر الذي تتحقق به خصال الإيمان والإسلام؛ إذ مرتبة الإحسان مرتبة أعلى من مرتبة الإيمان والإسلام. ولهذا يقال: كل مسلم مؤمن، وليس كل مؤمن وكل مسلم ومؤمن كل محسن مؤمن ومسلم، وليس كل مؤمن ومسلم محسن. وكل مؤمن وكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن. فعلم بهذا أن معنى الإحسان يدخل فيه معنى الإيمان والإسلام وزيادة على ذلك، وأن معنى الإيمان يدخل فيه الإسلام وزيادة عن ذلك. ولا يعني معنى الإسلام دخول معنى الإيمان والإحسان. قال رحمه الله تعالى: «قال الإمام أبو زكريا يحيى النووي رحمه الله تعالى: روينا عن أبي القاسم القشيري أنه قال: سئل الفضيل بن عياض عن قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، قال: "أخلصه وأصوبه". قيل: ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: "إن العمل لا يكون مقبولًا حتى يكون خالصًا صوابًا؛ فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على سنة رسول الله"». قال: «وروِيَ أن أبا القاسم القشيري قال: الإخلاص إفراد الحق بالطاعة في القصد، وهو أن العبد يريد بطلبته وجه الله دون شيء آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس أو محبة مدح أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله عز وجل». قال: «ويصح أن يقال: الإخلاص هو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين». قال رحمه الله تعالى: «فينبغي لمن علم علمًا أن يستعمل في علمه العدل الذي هو ميزان الأعمال، ولا ينسى حظه من الإحسان الذي به يستحق القرب والرضوان». قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: «فمن الإحسان أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم أو يسمع عليه الحديث لينال بذلك بركة العلم». قال: «واعلم -رحمك الله- أن من حقه أن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيديك، ولا تغمزن بعينك، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا تسارر في مجلسه، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تشبع من طول صحبته». قال: «ومن حق العالم لمن استعمل الإحسان فيه أن يقف عندما يسمع ويكتب، فإذا بلغ فضيلة أخذ بحظه منها -يعني من العمل- فإن كانت نافلة عمل بها ولو مرة في عمره». قال: «وأن يحاسب نفسه ويطالبها بالخشية لله والحذر والمراقبة؛ فإن هذا من الإحسان في العلم». قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. قال: «وأما الإحسان في أعمال الجوارح بعد إحكام قاعدة العلم، فعلى أنواع: منه فرض عين، ومنه فرض كفاية، ومنه سن مؤكدة، ومنه فضيلة لا يسع من له عقل ومروءة أن يفوت نفس حظه من ذلك». قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. قال: «فعلم أن الإحسان لا يتناول فعل المأمور المرغب فيه فحسب، بل كذلك اجتناب المنهي عنه المحذر منه المحظور؛ فإن ذلك من أعظم الإحسان». هذا دين عبارة عن نفي وإثبات، وتخلية وتحلية. فلا يتم دين المرء ومن الدين ومن أعلى مراتبه الإحسان حتى يتم إحسانه بكمال تخليته وكمال تحليته. طيب، نقف إن شاء الله إلى هنا، ونترك الباقي في درس اللاحق إن شاء الله.