الدرس في كتاب الصلاة 19، ألقاها
سجود التلاوة مشروع عند تلاوة أو استماع الآيات التي وردت فيها السجدات، وهو سنة وليس بواجب على مذهب الجمهور. يشرع للقارئ والمستمع سواء في الصلاة أو خارجها.
يشرع سجود التلاوة في الصلاة وخارجها عند قراءة آية سجدة، ويتبع الإمام في سجود التلاوة. هناك خلاف بين أهل العلم حول عدد السجدات المشروعة.
سجود التلاوة سجدة واحدة يكبر فيها، ويقال فيها 'سبحان ربي الأعلى' و'سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي'. مواضع سجود التلاوة في القرآن خمسة عشر موضعًا.
سجود الشكر مستحب عند ورود نعمة أو اندفاع نقمة، وقد فعله صحابة رسول الله. حكمه كحكم سجود التلاوة، ويكون بنفس صفة سجود التلاوة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. المسألة الخامسة: سجود التلاوة. ومعنى سجود التلاوة، أي السجود الذي يكون عند تلاوة بعض الآيات أو بسبب بعض الآيات التي ظاهرها الأمر بالسجود. قالوا: مشروعيته وحكمه. قالوا: وهو مشروع عند تلاوة الآيات التي وردت فيها السجدات واستماعها، يعني عند التلاوة أو عند الاستماع، كأن يكون جماعة يقرؤون القرآن، أحدهم يقرأ والآخرون يستمعون، فإذا قرأ القارئ فوصل إلى آية فيها سجدة، فسجد، يسن ويستحب أن يسجد الجميع. قال ابن عمر رضي الله عنهما: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا السورة فيها السجد، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا موضعًا لجبهته». والحديث -كما ذكر في التخريج- متفق عليه. وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ آية فيها السجد، كان يسجد، ويسجد كذلك معه الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وقول ابن عمر رضي الله عنهما: «حتى ما يجد أحدنا موضعًا لجبهته»، فيه إشارة على كثرة الساجدين وازدحامهم. وفيه إشارة إلى أنهم كانوا في بعض حلقات الذكر وتلاوة القرآن مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالحديث يدل على استحباب سجود التلاوة لمن قرأ القرآن، بفعله صلى الله عليه وسلم، واستحباب السجود -أي سجود التلاوة- كذلك لمن استمع ذلك، لفعل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بحضرته، وسجدوا معه وأقرهم على ذلك. قالوا: وهو سنة على الصحيح، وهذا على مذهب الجمهور، وليس بواجب، أي خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه. فقد قرأ زيد بن ثابت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿والنجم﴾ فلم يسجد فيها، فدل على عدم الوجوب. أي: هذا دليل يدل على أن سجدة التلاوة ليست بواجبة. قالوا: ويشرع سجود التلاوة في حق القارئ والمستمع، كما تقدم، إذا قرأ آية سجدة في الصلاة أو خارجها، أي: سواء كان في الصلاة أو كان خارج الصلاة. وخارج الصلاة الأمر فيه واضح، بل ومجمع عليه، أي: على مشروعيته. أما في الصلاة، فوقع فيه شيء من الخلاف. وصحيح أنه يشرع ذلك، لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «أنه صلى يومًا بالناس، فقرأ سورة الانشقاق، فسجد عند قراءة آية السجدة، سجد وسجد الناس معه، فلما فرغ من صلاته، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يسجد بها». فالشاهد أنه يشرع كذلك السجود في الصلاة إذا مرت به آية سجدة. وهل يشرع له عند كل آية أم في آيات محصورات معدودات، خلاف بين أهل العلم. ذهب بعض أهل العلم إلى أنها محصورة في أربع سجدات من القرآن، في سورة «ص»، و«النجم»، و«الانشقاق»، و«اقرأ». وبعض أهل العلم -وهم جماهير أهل العلم- ذهبوا إلى أنه يسجد عند كل آية فيها الأمر بسجود. والأظهر -والله أعلى وأعلم- أن الأمر واسع، بمعنى أن من سجد فحسن، ومن لم يسجد فالأمر واسع، والله أعلى وأعلم. قالوا: فإذا لم يسجد القارئ، لا يسجد المستمع؛ لأن المستمع تبع فيه. ولحديث زيد بن ثابت المتقدم، فإن زيدًا لم يسجد، فلم يسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهذا تنبيه، وهو أن المأموم إذا كان خلف الإمام، أو إذا كان طائفة من الناس يقرؤون القرآن متحلقين، فكانت القراءة عند أحدهم، فقرأ أحدهم الآية التي يسجد عندها، فلم يسجد القارئ، فإذا لم يسجد القارئ، كذلك لا يسجد معه المستمع؛ لما تقدم ذكره من حديث زيد بن ثابت؛ فإنه لم يسجد، فلم يسجد معه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. لكن من سجد، باعتبار أنه سمع القرآن الذي فيه السجود، فسجد، فلا ينكر عليه؛ وذلك لما تقدم ذكره في حديث -أو في أثر- عمر رضي الله عنه وأرضاه، إذ قال: «فمن شاء أن يسجد فليسجد، ومن شاء أن لا يسجد فلا يسجد». فكأنه يقول رضي الله عنه وأرضاه: إن الأمر واسع. وكذلك إذا كان الإنسان مأمومًا، فقرأ الإمام آية سجدة فلم يسجد، فلا يشرع له أن يسجد؛ لأن في سجوده دون الإمام مخالفة للإمام، وفعل محظور من محظورات الصلاة يؤدي إلى بطلان صلاته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة-: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبر، وإذا ركع فاركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد». الحديث. فمعناه: أن المأموم يتابع الإمام. فضله: أي فضل سجود تلاوة. قالوا: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه قال: إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار». والحديث رواه الإمام مسلم رحمه الله. قال: صفته وكيفيته. يسجد سجدة واحدة، ويكبر إلى سجود، ويقول في سجوده: «سبحان ربي الأعلى»، كما يقول في سجود صلاة. ويقول أيضًا: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». وإن قال: «سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته»، فلا بأس. الرابع: مواضع سجود التلاوة في القرآن. قالوا: مواضع سجود القرآن الكريم خمسة عشر موضعًا. وهي -على الترتيب-: واحد: آخر سورة الأعراف، الثاني: سورة الرعد، الثالث: سورة النحل، الرابع: سورة الإسراء، الخامس: سورة مريم، السادس: أول سورة الحج، السابع: آخر سورة الحج، الثامن: سورة الفرقان، التاسع: سورة النمل، العاشر: سورة السجدة، الحادي عشر: سورة فصلت، الثاني عشر: سورة النجم، الثالث عشر: سورة الانشقاق، الرابع عشر: سورة العلق. قالوا: خامس عشر هي سجدة سورة «ص»، وهي سجدة شكر؛ أي: سجدة شكر أن داود عليه السلام سجد، فسجد النبي صلى الله عليه وسلم بها. قال الله جل وعلا: ﴿ولقد آتينا داودَ منَّا فضلًا يا جبالُ أَوِّبِي معه والطيرَ وأَلَنَّا له الحديدَ﴾ إلى قوله: ﴿فخرَّ ساجدًا وأناب﴾. فسجد النبي صلى الله عليه وسلم عند هذه السجدة. قالوا: فعن ابن عباس رضي الله عنهما، ما قال: «ليست "ص" من عزائم السجود»، أي: لم يأت فيها الأمر بالسجود كبقية السور، وإنما فعله داود عليه السلام، فلذا قيل: ليست من عزائم السجود. وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. إذن هي من مواطن السجود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها. المسألة السادسة: سجود الشكر. قالوا: يستحب لمن وردت عليه نعمة أو دفعت عنه نقمة، أو بشر بما يسره، أن يخر ساجدًا لله اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. ولا يشترط فيها استقبال القبلة، ولكن إن استقبلها فهو أفضل. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. فعن أبي بكرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه أمر يسره أو يسر به، خر ساجدًا لله شاكرًا». والحديث حسن العلامة الألباني رحمه الله تعالى بمجموع طرقه. قال: وكذا فعله صحابة رضوان الله عليهم، كما ثبت هذا في حديث كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه في قصة توبته، حينما جاءه البشير فخر ساجدًا. قالوا: وحكم هذا السجود حكم سجود التلاوة، وكذا صفته وكيفيته، وقد تقدم هذا؛ أي: بمعنى أن الإنسان إذا جاءه أمر يسره، يستحب له أن يخر لله جل وعلا ساجدًا على أية حالة. وصفته وكيفيته ما تقدم في سجود التلاوة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.