الدرس في شرح فتح المجيد 117، ألقاها
يشرح هذا الفصل حديث عائشة رضي الله عنها حول التمسك برضا الله وعدم الاكتراث بسخط الناس، ويبين أهمية هذه الوصية في توجيه المسلمين للعمل الصالح. يشدد على أن رضا الله هو الغاية الأساسية للمسلم.
يتناول هذا الفصل أهمية التوكل على الله كشرط للإيمان، ويبين أن التوكل هو عمل القلب وعبوديته لله، يعتمد على الثقة بالله وتفويض الأمور إليه. من يتوكل على الله يُكفى مؤونة الناس.
يشرح هذا الفصل معنى التوكل على الله باعتباره الاعتماد عليه في أمورنا، ويبين فضله في حماية المؤمنين وتكفيهم من كل سوء، مستشهدا بتجارب الأنبياء مثل إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم.
يتناول هذا الفصل الحديث الضعيف حول قول حسبنا الله ونعم الوكيل في مواجهة الأمور العظيمة، ويشير إلى أهمية الأذكار والاستغفار في التغلب على الشدائد.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من التمس رضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» رواه ابن حبان في صحيحه. قال الشارح رحمه الله: هذا الحديث رواه ابن حبان بهذا اللفظ، ورواه الترمذي عن رجل من أهل المدينة قال: كتب معاوية إلى عائشة أن أكتب لي كتابا توصيني فيه ولا تكثري عليه، فكتبت عائشة إلى معاوية: سلام عليكم، أما بعد، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس» والسلام عليكم. رواه أبو نعيم. قوله: «من التمس» أي طلب. قال شيخ الإسلام: فكتبت عائشة إلى معاوية، وروي أنها رفعته. ومن أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا. قال: وهذا الحديث كما أشار الشارح رحمه الله تعالى حديث عائشة رضي الله عنها رواية مرفوعة وموقوفة، أي جاء في بعض الطرق أن عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الطرق أنها ذكرت هذه الوصية وهذا الحديث من نفسها، فكان بعض الرواة يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من يوقفه على عائشة رضي الله عنها. وهذا الحديث قد سئل عنه الإمام البخاري رحمه الله تعالى كما في العلل الكبير للإمام الترمذي رحمه الله، فرجح فيه الوقف. وكذلك الإمام أبو حاتم والإمام أبو زرعة فرجحا فيه الوقف. والشيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة ذكر له طرقا وخرج رحمه الله تعالى بأن الحديث صح مرفوعا وموقوفا. والناظر في كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنه قال: وكتبت عائشة إلى معاوية، وروي أنها رفعته. والحديث كما ترون فيه وصية عظيمة من عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. وهذه الوصايا أو هذه الوصية التي أوصت بها أم المؤمنين عائشة لمعاوية بن أبي سفيان مستنبطة من الكتاب والسنة. فإن دلالات الكتاب والسنة تدل على هذا المعنى: أن من ربط قلبه بالله جل وعلا وتعلق قلبه بالله جل وعلا ولم ينظر إلى الناس رضوا أم سخطوا، وإنما همه وقصده رضى الله جل وعلا، فإن الله جل وعلا يرضى عنه ويكون ذلك سببا لرضى الناس عنه. والعكس بالعكس. فالحاصل أن هذه الوصية من عائشة رضي الله عنها وأرضاها من أعظم الوصايا التي ينبغي أن تكون نصب عين كل مسلم. أن ينظر إلى هذه الوصية أمام عينيه إذا أقدم على عمل: هل هذا العمل مما يرضي الله؟ فإن كان مما يرضي الله فيقدم أو يسارع إلى ذلك العمل، ولا ينظر إلى ذام ولا إلى سخط ساخر، ما دام أن هذا الأمر مشروع شرعه الله وأحبه الله وأذن الله جل وعلا به. قال الشارح رحمه الله: قال شيخ الإسلام: وكتبت عائشة إلى معاوية، وروي أنها رفعته. ومن أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا. هذا لفظ المرفوع. ولفظ الموقوف: «من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس ذاما» وهذا من أعظم الفقه في الدين. فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح. والله يتولى الصالحين، والله كاف عبده. ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب. والله يكفي مؤونة الناس. قال: وأما كون الناس كلهم يرضون عنه فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه إذا سلموا من الأغراض وإذا تبين لهم العاقبة. ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا. قال: فالظالم الذي يعض على يديه. قوله: ليس المقصود هذا، ولكن المقصود أن من كان مع الله كان الله جل وعلا معه ناصرا ومؤيدا ومعينا. وكذا محببا لهم لمن شاء من خلقه من أهل الخير والتقى. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾. قال الشارح رحمه الله: علاقة الباب بكتاب التوحيد كما سيأتي بإذن الله جل وعلا من كلام الشارح رحمه الله تعالى. وخلاصته أن الشيخ رحمه الله تعالى عقد هذا الباب في كتاب التوحيد بيانا منه رحمه الله تعالى أن التوكل على الله فرض من الفرائض. وأن إفراد الله جل وعلا بالتوكل توحيد. ومن توكل على غير الله جل وعلا فقد وقع في الشرك الأكبر. المنافي للتوحيد والتوكل كما هو ظاهر هذه الآية شرط في الإيمان. فلا يتحقق الإيمان إلا بالتوكل على الله. قال الشارح رحمه الله: قال أبو السعادات: يقال توكل بالأمر إذا ضمن القيام به. ووكلت أمري إلى فلان إذا اعتمدت عليه. ووكل فلانا إذا استكفاه أمره ثقة لكفايته أو عجزا عن القيام بأمر نفسه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: التوكل عمل القلب وعبوديته اعتمادا على الله وثقة به والتجاء إليه وتفويضا إليه ورضاه بما يقضيه لعلمه بكفايته سبحانه وحسن اختياره لعبده إذا فوض إليه مع قيامه بالأسباب المأمور بها. فالتوكل كما يقول الإمام ابن القيم: عمل القلب وعبوديته. قال: اعتمادا على الله أن يكون العبد معتمدا على الله جل وعلا ظاهرا وباطنا. قال: وثقة به. معتمدا على الله. وما هو اعتماد مجرد، بل هذا الاعتماد ناتج عن ماذا؟ عن ثقة ثقة من العبد بربه جل وعلا وأنه كافيه وأنه حسيبه وأنه ما يختار له إلا الأصلح والأنفع. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. قال الشارح رحمه الله: قال ابن عباس في الآية: المنافقون لا يدخل في قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون على الله. فأخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين. ثم وصف المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فأدوا فرائضه. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. قوله: «وجل القلب من الله» يستلزم القيام بما أمر به وترك ما نهى عنه. قال السدي: «الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم» هو الرجل يريد أن يظلم أو قال: يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله، فيجل قلبه. رواه ابن أبي شيبة وابن جرير. قال: وقوله ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ استدل بهذه الآية ونظائرها الصحابة والتابعون ومن تبعهم من أهل السنة على زيادة الإيمان ونقصانه. قال عمير بن حبيب الصحابي: «إن الإيمان يزيد وينقص». فقيل له: وما زيادته ونقصانه؟ قال: «إذا ذكرنا الله وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه». رواه ابن سعد. قال: وقال مجاهد: «الإيمان يزيد وينقص، وهو قول وعمل». رواه ابن أبي حاتم. قال: وحكى الإجماع على ذلك الشافعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم. قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أن يعتمدوا عليه بقلوبهم مقلصين إليه أمورهم، فلا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه ولا يرغبون إلا إليه. يعلمون أن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك وحده والمعبود وحده لا شريك له. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال الشارح رحمه الله: قال ابن القيم: أي الله وحده كافيك وكافي أتباعك. فلا تحتاجون معه إلى أحد. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. فقيل: المعنى حسبك الله وحسبك المؤمنون. قال ابن القيم: وهذا خطأ محض. لا يجوز أن يكون هذا المعنى الذي أراده الله جل وعلا. لأن الحسب لا يكون إلا لله. فهم العبادات الحسب معنى التوكل على الله جل وعلا. قال ابن القيم: فجعل التوكل على الله شرطا في الإيمان. فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه. وفي الآية الأخرى: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ فجعل دليل صحة الإسلام يتوكل. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقوله ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. قال الشارح رحمه الله: قال ابن القيم: أي كافيه. ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدو. ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش. قال: وأما أن يضره بما يبلغ به مراده منه فلا يكون أبدا. ففرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء وفي الحقيقة إحسان. وإضرار بنفسه وبين الضر الذي يتشفى به العدو منه. قال: فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السماوات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجا وكفاه ونصره. قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن ابن عباس قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار. وقال محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: «إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم» فزادهم إيمانا وقالوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل». رواه البخاري. قال الشارح رحمه الله: قوله: «حسبنا الله» أي كافينا. فلا نتوكل إلا عليه. قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾. قوله: «ونعم الوكيل» أي نعم الموكول إليه. كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾. قال ابن القيم: هو حسب من توكل عليه وكافي من لجأ إليه. فهو الذي يؤمن خوف الخائف ويجير المستجير. فمن تولاه واستنصر به وتوكل عليه وانقطع بكليته إليه تولاه وحفظه وحرسه وصانه. قال: ففي هاتين القصتين فضل هذه الكلمة العظيمة. وأنها قول الخليلين عليهم السلام في الشدائد. وجاء في الحديث: «إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل». وهذا الحديث ذكره أبو داود وغيره، وهو ضعيف جدا. سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.