كتاب الجهاد 12

الدرس في كتاب الجهاد 12، ألقاها

عقد الذمة وأحكامه

عقد الذمة هو إقرار الكفار على كفرهم بشرط دفع الجزية والتزام أحكام الإسلام. يشترط فيه دفع الجزية والتزام أحكام الإسلام ولا يصح إلا إذا قام به الإمام أو من فوضه.

آثار عقد الذمة

عقد الذمة يوجب حرمة قتال الكفار ويوجب الحفاظ على أموالهم وصيانة عرضهم وكفالة حريتهم تحت إطار أحكام الشريعة. يجب معاملة الذميين بطريقة تظهر عزة الإسلام وأهله.

عقد الأمان وأحكامه

عقد الأمان هو عقد مؤقت يُمنح للكافر المحارب لدخول بلاد الإسلام ويجب الوفاء به. يصح عقد الأمان من كل مسلم عاقل بالغ مختار ويحرم قتل أو أسر أو استرقاق المستأمن.

التمهيد لكتاب البيوع

المقطع يشير إلى انتهاء جزء من الحديث أو الدرس ويستعد للانتقال إلى كتاب البيوع بإذن الله. يتم ختم الجزء السابق بالتسبيح والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، المسألة الثانية: عقد الذمة ودفع الجزية. توقفنا في الدرس الماضي عند الكلام على قوله: "وعقد الذمة". إصطلاحا: هو إقرار بعض الكفار على كفرهم بشرط بدل الجزية والتزام أحكام الملة التي حكمت بها الشريعة الإسلامية عليهم. وتقدم أننا ذكرنا ما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى من أن الجزية وضعت إذلالا وإصغارا لأهل الكفر. والجزية على الصحيح من أقوال أهل العلم تصح من جميع أصناف الكفر. كما ذكر وأشير إليه في الدرس الماضي أن هذا الإقرار، أي لأهل الذمة من الكفار بالبقاء على كفرهم، إنما هو بشرط، إنما هو بشرط أو قول هو بشرطين اثنين. وكونه بشرط يدلنا على أن الأصل أنه يجب على كل أحد أن يلتزم بدين الإسلام، هذا هو الأصل على كل أحد أن يلتزم بدين الإسلام. كما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". فالأصل هو قتال الكفار، والأصل إرغام جميع الناس في الدخول في دين الله جل وعلا لعبادة الله وحده لا شريك له. لأن الله جل وعلا إنما خلق الإنس والجن لهذه الغاية، قال الله جل وعلا: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. فالأصل أن المسلمين يأمرون جميع الكفار بالتزام دين الإسلام، هذا هو الأصل. لكن كما سمعتم، جاء في الشريعة ذكر بعض العهود مع الكفار، من هذه العهود الثلاثة المذكورة: عقد الهدنة، وهذا مع المحاربين، أي أن يكف كلا الطرفين عن قتال الآخر مدة ذلك العقد. والعقد الثاني الذي نحن في صدده وهو عقد الذمة. وعقد الذمة كما ذكر أنه إقرار لبعض الكفار ببقائهم على كفرهم، لكن بشرطين اثنين لا بد منهما، ولا يصح عقد الذمة إلا بهما. الأول: أن يعطوا الجزية. والثاني: أن يلتزموا أحكام أهل الإسلام، أن يلتزموا أحكام أهل الإسلام باعتبار المعاملات والعقود والغرامات، أي غرامة الجنايات ونحو ذلك. فيجب عليهم أن يلتزموا أحكام الإسلام، يدل على هذا قول الله جل وعلا: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. فقول الله جل وعلا: "حتى" ها هنا غاية، "يعطوا الجزية" هذا هو الشرط الأول حتى نعقد معهم عقد الذمة. "عن يد وهم صاغرون" ومعنى "عن يد" أي مقهورون، وقول الله جل وعلا: "عن يد وهم صاغرون" أي وهم صاغرون لالتزامهم أحكام الإسلام. إذن دلت هذه الآية على أن هذين الشرطين لا بد منهما. وإذا لم يكن، وإذا تخلف أحد هذين الشرطين فإنه لا يصح عقد الذمة. بعض أهل العلم ذكر أمرا ثالثا وهو كالقيد في هذا العقد، كذلك وهو أن هذا العقد إنما هو من مهمات الإمام، أن هذا العقد إنما يقوم به الإمام أو من فوضه الإمام. بمعنى أنه ليس لأحد من أفراد المسلمين أن يعقد عقد الذمة مع شخص أو مع طائفة أو مع جهة ما من الكفار، وإنما هذا من مهام الإمام الأعظم أو من فوضه الإمام. والإمام كما هو معلوم، لا سيما بعد تفرق الدول الإسلامية، يكون كل بحسبه، فهو يقوم بأمورها أو من فوضه ذلك الإمام بعقد ذلك العقد. ويدل على هذا المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الذي يعقد العقود، أو كان يفوض من يعقد هذه العقود. كما جاء في حديث بريدة أنه كان إذا بعث سرية في غزوة ما، أمرهم بثلاث، بعد أن يذكر أمير بتقوى الله وبالمسلمين إلى غير ذلك، يوصي أو يأمر أميرهم الذي أمره أن يدعو أولئك الذين يقابلهم إلى ثلاثة أمور، ومنها عقد الذمة. فإذا هي من مهمات الإمام أو من فوضه الإمام. لماذا؟ لأنه أولا من الأمور العامة الكبيرة المدلهمة، فهي من مهمات الإمام. ثانيا: أن هذا العقد الأصل فيه أنه من عقود المؤبدة، أي عقد الذمة الأصل فيه أنه من عقود المؤبدة. ومع المؤبدة أنه يستمر على هذه الحال حتى يحصل النقض من جهتهم، إن حصل النقض من جهتهم أن توقض ذلك العقد، كغيرهم من العقود. بخلاف الأمان كما سيأتي معنا، عقد الأمان فإنه يكون لأفراد الأمة، كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا. فالحاصل من هذا أن هذا العقد لا بد أن يكون عقد يقوم به الإمام أو من فوضه الإمام، ولا بد فيه من مراعاة الشرطين المذكورين: الجزية والتزام أحكام الإسلام. ما الفرق بين قول الفقهاء "التزام أحكام الإسلام" وقول القائل "التزام الإسلام"؟ الفرق بينهما أن التزام أحكام الإسلام كما ذكر أن يلتزم العقود، وكذلك أحكام الإسلام الظاهرة من أروش الجنايات وغير ذلك. أما الإسلام، معنى أن يدخل في الإسلام، والمقصود من عقد الذمة إنما أن يلتزم أحكام الإسلام إذلالا لهم، وكذلك تحقيرا لهم لأنهم خالفوا دين الله جل وعلا. وكما قال نبي صلى الله عليه وسلم: "وكتبت الذلة والصغار على من خالف أمري". إذن لا بد من الشروط المذكورة. قالوا: "والتزام أحكام الملة التي حكمت بها الشريعة الإسلامية عليهم". ومنه نعلم أنهم ما داموا ملتزمين لهذه الأحكام، فهم موفون لهذا العقد. ومتى نقضوا هذه الأحكام، يكونون ناقضين للعقد بينهم وبين أهل الإسلام. قالوا: الأصل في مشروعية عقد الذمة قول الله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة: "ثم ادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم... إلى قوله: فإن أبوا فسلهم الجزية، فسلهم الجزية". وتقدم معنا في الدرس الماضي من تأخذ منه الجزية. قالوا: تأخذ الجزية من الرجال المكلفين الأحرار الأغنياء القادرين على الأداء. فلا تأخذ من العبد لأنه لا يملك، فكان بمنزلة الفقير. ولا تأخذ من المرأة والصبي والمجنون لأنهم ليسوا من أهل القتال. ولا تأخذ من المريض المزمن والشيخ الكبير لأن دماءهم محقونة، فأشبه النساء. وهؤلاء الأصناف المذكورون ممن يجب الأخذ منهم وممن لا يجب، هذا التفصيل المذكور ها هنا على قول الجمهور الفقهاء رحمهم الله تعالى. أو قل على قول جمهور علماء الملة رحمهم الله تعالى. وبعض الصور متفق عليها، والتعليل هو التعليل الذي علل به العلماء رحمهم الله تعالى من أن عقد الذمة ليست إجارة للأرض، وإنما هو إذلال وإصدار لهؤلاء. لذا كما سمعتم، أخذ من أهل القوة ومن الرجال دون الشيوخ الغير قادرين، ومن غير كذلك النساء والصبياء لأنهم ليسوا من أهل القوة ولا القتال. فالحاصل أنها تأخذ من الرجال المكلفين الأحرار الأغنياء القادرين على الأداء. ولو كان ليس بغني ولكن قادر على الأداء، كذلك تأخذ منهم. الرابع: طيب، قبل هذا ما هو المقدار الذي يأخذ من هؤلاء؟ ما هو مقدار الجزية الذي تأخذ من أهل الذمة لأهل العلم؟ هذه مسألة أقوال، منهم من جعلها مقيدة بقدر أو قول بقدر باعتبار الابتداء والانتهاء، أي أعلى ما يأخذ منهم وأدنى ما يأخذ منهم. ومنهم من قيد الأعلى ولم يقيد الأقل، ومنهم من قيد الأقل ولم يقيد الأعلى. ومنهم من أطلق الحكم ورده إلى ما يراه الإمام لاختلاف أحوال أهل الذمة، وهذا هو الصحيح. بمعنى أن أهل الذمة باعتبار الغنى واليسار وباعتبار الحاجة، هم مختلفون متفاوتون. يعني كان في الزمن الأول كما ذكر الفقهاء، كتب النبي صلى الله عليه وسلم أو جعل الجزية على أهل اليمن دينارا على الرجل، بينما أهل الشام حين فتحت الشام كان يجعل على الرجل أربعة دنانير. قالوا: ما الفرق بين هؤلاء وهؤلاء؟ قالوا: أولئك كانوا أهل ثراء عندهم مال، فكان مقدار الجزية بحسبها. والآخرون كانوا دونها، فكان مقدار الجزية بحسبها. فلأجل هذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن هذا يرجع إلى نظر الإمام. لذا الإمام يفاوضهم، يعني كم تستطيع؟ يقول: كذا وكذا، يقول: لا كذا وكذا، حتى يتفقون على شيء معين، لا إجحاف فيه لا على هؤلاء ولا على هؤلاء. فهذا من الأمور التي تكون تحت نظر الإمام ويراعي فيها الإمام الأصلح لأهل الإسلام. **الرابع: موجب عقد الذمة**. قالوا: يوجب هذا العقد مع الكفار حرمة قتالهم، أي من جهة الإسلام. وفي المقابل كذلك، هم لا يجوز لهم أن يفعلوا شيئا مما هو في هذا المعنى، إما قتال المسلمين أو الممالأة على قتال المسلمين. فإن فعلوا، فقد انتقض العهد بينهم وبين الإسلام. قالوا: والحفاظ على أموالهم، وصيانة عراضهم، وكفالة حريتهم، وعدم إيذائهم. لكن ماذا؟ تحت إطار أحكام الشريعة، تحت إطار أحكام الشريعة. بمعنى أنهم لا يفعلون أشياء هي مخالفة للشريعة. لذا جاء في عقد الجزية التي كتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه على أهل الشام، ذكر فيه قيودا وشروطا، منها أنهم لا يظهرون صلاتهم أمام الناس، ولا يعلنون بها، ولا يعلنون بما من أشياء التي هي من خصائصهم، وإنما يختفون في فعل ما يفعلونه. بل ذكر أنهم ينبغي أو بأنهم يلزمون بأن يغيروا أهل الإسلام في الملبس وفي الهيئة وفي الممشى إلى غير ذلك. وهذا كله من إذلالهم والتصغير لهم. بمعنى أن تكون هناك هيئة معينة، ملابس معينة لمن لليهود، ذكر العلماء منها: أن يكون له زنارا، وهو أن يوضع له خيط عريض في وسط الثوب يكون ظاهرا، يميز به عن أهل الإسلام. ومنهم من ذكر أنهم تحلق لهم الناصية حتى يميز عن أهل الإسلام. وما شابه ذلك من الأشياء التي فيها إظهار العزة للإسلام وأهله، والذل على من خالف دين الله جل وعلا. فإذا كفالة حريتهم، لكن تحت إطار أحكام الشريعة الإسلامية. قال: "وعدم إيذائهم ومعاقبة من قصدهم بأذى". لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم". أي: لا تؤذيهم، بمعنى الأذية التي فيها إضرار. أما الأذية التي فيها عزة للإسلام وأهله، وهم يرونها أذية، فهذه مما يطرح. فمنها كما ذكر العلماء: لا يركبوا، يعني إذا مر ذمي عند مسلم، لا يكون راكبا، ينزل إذا كان المسلم يمشي على قدميه. والآخر راكب، أي الذمي، قالوا: لا يمشي على الراكب أو على المركوب. لماذا؟ لأنه مشي على المركوب فيه عزة له، وإذلال للمسلم، فيجب عليه أن ينزل وأن يمشي على قدميه، إلى غير ذلك من الأحكام والأمور التي فيها إظهار هذا الأمر. المسألة الثالثة: عقد الأمان، تعريفه. أي: تعريف الأمان لغة: ضد الخوف. وصلاحا: هو عبارة عن تأمين الكافر على ماله ودمه مدة محدودة. يعني الفرق بين عقد الذمة وعقد الأمان، وعقد الجزية. عقد الجزية كما تقدم معنا ليس بمؤبد، لا يجوز أن يكون مؤبدا. نعم، عقد الهدنة، عقد الهدنة كما مر معنا لا يكون مؤبدا، ولا يجوز أن يكون مؤبدا. لماذا؟ لأنه يناقض وينافي وجوب الجهاد. لكن قد يكون مؤقتا، وإذا كان مؤقتا فإنه يكون لازما للطرفين. وإما أن يكون مطلقا، أي غير مقيد بمدة ما، وحينها يكون جائزا من الطرفين. وعقد الذمة يكون عقدا مؤبدا، ويوفى لهم بأمرهم ما داموا لم ينقضوا ذلك العقد. والثالث: عقد الأمان، وعقد الأمان عقد مؤقت، كأن يريد كافر محارب أن يدخل إلى بلاد الإسلام لتجارة أو مثلاً عنده رسالة أو عنده أمر من الأمور، فيطلب من أحد المسلمين أن يؤمنه. فإذا أمنه المسلم، قال: فلان قد أمنته، يكون مستأمنا. هذا باعتبار الأمان الخاص. أما الأمان العام، الأمان العام يعني على أهل بلدة كاملة، قالوا: لا يكون من أحد أفراد المسلمين، لا يأتي مسلم من المسلمين فيقول: قد أجرت أهل البلدة الفلانية، فهم في ذمة. فهم في ذمة. الأمور العامة لا تكون إلا لمن؟ لا تكون إلا للإمام. الأمور العامة لا تكون إلا للإمام. أما إذا كان فردا أو أفرادا، فدخلوا في ذمة المسلم، فإن هذا جائز. قالوا: "الصلاحا هو عبارة عن تأمين كافر على ماله ودمه مدة محدودة". ومعنى محدودة: أن يقول لهم: أدخل لمدة كذا. مثلاً أراد أن يقرأ القرآن، أن يعلم دين الله عز وجل، يدخل يسمع كلام الله. أراد التجارة، أراد مثلاً زيارة بعض أرحامه، هو كافر محارب، لكن بعض أرحامه مثلاً مسلم، فيخشى إن داخل بلاد المسلمين أن يقتلوه، فيستأمن، يطلب الأمان من بعض الرحماء فيؤمنوه، فيكون مستأمنا. وهكذا. قالوا: "مشروعيته وأدلة ذلك". الأصل في مشروعية عقد الأمان قوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾. وهذه آية واضحة صريحة في أن أحد المشركين، أي المحاربين، إن أراد أن يسمع القرآن وأراد الأمان، فيؤمن حتى يسمع كلام الله جل وعلا بنص هذه الآية. الثالث: ممن يصح أي هذا الأمان وشروطه. قال: "يصح عقد الأمان من كل أحد من المسلمين"، بشرط أن يكون عاقلا بالغا. فلا يصح من المجنون والطفل، لأنهم لا يعقلون، وغير معتبر عقودهم وأمورهم. لماذا؟ لأنهم ليسوا من أهل التكليف. الثالث: أن يكون مختارا، أن يكون عاقلا بالغا مختارا. فلا يصح من المكره، إنسان أكرهه كافر أن يستأمن، أن يكون في أمان أو أن يجيره، فهذا غير معتبر. لماذا؟ لأنه مكره، وأعمال المكره غير معتبرة. ولا سكران، ولا المغمى عليه. لماذا؟ لما تقدم، لأن المكره أحكامه غير نافذة. وكذا سكران حكم حكم المجنون، والمغمى عليه كذلك. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل، وعن النائم حتى يفيق". قالوا: "فيصح من المرأة". لقوله صلى الله عليه وسلم: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ". والحديث في صحيح مسلم. ويصح من العبد، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم". أي: أدنى المسلمين، يكون العبد من أهل الإسلام، إن أجار العبد المسلم أحدا من الكفار، فإن إجارته تكون معتبرة لعموم هذا الحديث، وهو في الصحيحين. ويكون الإمام، ويكون الأمان عاما، ويكون الأمان عاما من الإمام لجميع المشركين، هذا أمان عام. لكن من يعقده الإمام أو من فوضه الإمام. قالوا: "من الإمام لجميع المشركين أو من الأمير لأهل بلده". وخاصة من أحد الرعية المسلمين بواحد من الأعداء. والأمان العام من تصرفات إمام المسلمين، لأن ولايته عامة. وليس لأحد أن يفعل ذلك إلا بموافقته. ومعنى هذا أن من فعل هذا بغير موافقته، لا يكون ذلك العقد معتبرا. قال: "ويقع الإمام بكل ما يدل عليه من قول، مثل: أنت آمن، أو أجرتك، أو لا بأس عليك، أو إشارة مفهمة". وهذا هو الصحيح أن الأمان يقع بكل ما فهم منه الأمان، بكل ما فهم منه أنه الأمان، سواء بالقول أو بالإشارة. وهذا كبقية العقود. قالوا: "المستأمن هو الذي يطلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام". فتلزم إجابته للآية السابقة. ثم يرد إلى مأمنه. وكذلك يدخل فيه كما سمعتم من أراد الدخول مثلا إلى بلاد المسلمين للتجارة، أو دخل كما سمعتم لحاجة، صلة أرحام أو عمل من الأعمال أو ما شابه ذلك، فكان مستأمنا، دخل بأمان، يسمى مستأمنا. الرابع: حكم الأمان وما يلزم به. قالوا: "يلزم الوفاء بعقد الأمان". فيحرم قتل المستأمن أو أسره أو استرقاقه. وكذا الالتزام بسائر الأمور المتفق عليها في عقد الأمان، أي الذي يحصل به الأمان. قالوا: "ويجوز نبذ الأمان إلى الأعداء إن خيف شرهم وقيانتهم". كبقية العقود، يعني مثلا دخل إنسان فخشي أن يكون جاسوسا، دخل طلب الأمان فخشي أن يكون جاسوسا لأهل الكفر، فها هنا يرد ويمنع ذلك أو يسحب عنه ذلك الأمان. فالحاصل أن هذه بعض الأحكام المتعلقة بعقد الأمان. وكما سمعتم أنه لا يجوز خفر ذمة المؤمن، ولا أذية المستأمن، ما دام أنه دخل إلى بلاد الإسلام بأمان، سواء كان بأمان أحد المسلمين أو كان بأمان من الإمام. وكما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل ذميا أو معاهدا أو معاهدا لم يرح رائحة الجنة". فهذا يدل على حرمة دمائهم إذا دخلوا بعقد أمان أو عقد ذمة. لا يجوز القتال، بل يجب الوفاء كما تقدم ذكره. والله تعالى أعلى وأعلم. وبهذا نكون انتهينا من كتاب الجهاد من هذا الكتاب بإذن الله جل وعلا. وندخل في ما يلي بإذن الله جل وعلا من كتاب البيوع. إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على