شرح قرة عيون الموحدين 45

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 45، ألقاها

مقدمة في حماية المصطفى جناب التوحيد

يبدأ الكلام ببيان أهمية التوحيد ودعوة المرسلين له، مع التركيز على حماية النبي صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد. الإمام محمد بن عبد الوهاب يؤكد على حماية جانب التوحيد وقطع كل طريق يوصل إلى الشرك.

شرح حديث النبي في حماية جناب التوحيد وسد طرق الشرك

يشرح المقطع معنى حماية النبي لجناب التوحيد وسد الطرق المؤدية إلى الشرك، مع بيان مناسبة آية التوبة لهذا الباب. كما يتطرق لشرح حديث أبي هريرة في تحذير النبي من جعل بيوتنا قبورًا ومن اتخاذ قبره عيدًا.

تفسير أحاديث النبي حول الصلاة في البيوت واتخاذ القبور عيدًا

يفسر المقطع حديثين للنبي حول عدم جعل البيوت كالقبور بعدم الصلاة فيها وعدم اتخاذ قبره عيدًا. كما يوضح معنى العيد وكيفية وصول الصلاة على النبي إليه بعد وفاته، معتمدًا على تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية.

توضيح معنى سماع النبي للصلاة عليه وتفسير ابن تيمية

يتم توضيح أن النبي لا يسمع الأصوات مباشرة، وإنما تبلغه الصلاة عليه من خلال ملك موكل بإبلاغها له من رب العالمين، مستندًا إلى تفسير ابن تيمية في كتابه «الرد على الأخنائي».

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: قوله: «باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك»، هذا الباب بوّب به الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في هذا الكتاب المبارك في كتاب التوحيد؛ ليبين لنا كيف أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حمى جانب التوحيد حماية تامة، وقطع كل طريق يوصل إلى الشرك بالله جل وعلا. فبين لنا نبينا صلى الله عليه وسلم أحسن البيان، وبلغ أتم البلاغ دين الله جل وعلا الذي أساسه وأصله المتين هو توحيد الله رب العالمين جل وعلا، وأعظم ما يناقض ذلك ويضاده هو الشرك بالله جل وعلا، فمبنى دعوة المرسلين من أولهم إلى آخرهم على تحقيق التوحيد وبيان التوحيد وتوضيح طرق التوحيد، والتحذير من كل طريق يناقض ذلك ويضاد ذلك. هذا الباب كالأبواب السابقة التي تقدم ذكرها، والشيخ رحمه الله تعالى خصص هذا الباب بالذكر ليبين لنا أن أعظم ما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم تحذيرًا تامًا عامًا شاملًا كاملًا، أعظم ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو التوحيد، وأعظم ما حذر منه وقطع كل طريق يفضي إليه إلى ما يناقضه، وقطع كل طريق يوصل إلى الشرك بالله جل وعلا. وهكذا كل مصلح داع إلى الله جل وعلا ينبغي لهم العناية بهذا الأمر عناية تامة؛ أي العناية بباب التوحيد والتحذير من الشرك بالله جل وعلا، ومن وسائل الشرك بالله جل وعلا، ومن الطرق المفضية إلى الشرك بالله جل وعلا، وإلى كل ما يضاد التوحيد الذي دعت إليه الرسل أو ينقصه من الشرك الأصغر أو من الذنوب والمعاصي. قوله رحمه الله تعالى: «باب تقدم معنى مرارًا»، أن معنى الباب والمدخل والمدخل هاهنا يعني: والمدخل قد يكون حسيًا، وقد يكون معنويًا، المدخل الحسي هو الذي يدخل منه الناس ويخرجون في بيوتهم وفي أسواقهم وفي مساجدهم إلى غير ذلك، يسمى بابًا، وهو باب حسي، وباب معنوي وهو ما يذكره العلماء رحمهم الله تعالى في أبواب العلم أو في كتب العلم، فيقولون: «باب كذا»، و«باب كذا»، وما شابه ذلك، ومعناه المدخل إلى معرفة أحكام ذلك الشيء المبوّب عليه. قوله رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم»، قوله: «باب ما جاء»، «ما» هاهنا موصولة؛ أي باب الذي جاء من الأدلة والبيانات في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقوله: «ما جاء» أي من الأدلة البينة الواضحة الجلية في بيان حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد. وقوله: «في حماية» الحماية بمعنى الحراسة، فهي من المحاماة، وقوله: «المصطفى» هذا وصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس من أسمائه؛ فهو صلوات الله وسلامه عليه ممن اصطفاه الله جل وعلا؛ لأن الله جل وعلا قال في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾، فالله جل وعلا اصطفى الرسول، ومن هؤلاء الذين اصطفاهم ربنا جل وعلا نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهو سيد المصطفين الذين اصطفاهم الله جل وعلا، فهو كما أخبر عن نفسه صلوات الله وسلامه عليه: بأنه سيد ولد آدم، فهو إذا رأس المصطفين صلوات الله وسلامه عليه. قوله: «جناب التوحيد»، جناب بمعنى جانب؛ أي حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جانب التوحيد، ومعنى جانب التوحيد؛ أي أنه حما كل أمر أو كل طريق أو كل سبيل يخدش أو يقدح أو ينقض التوحيد بالله جل وعلا. قال: «وسد كل طريق يوصل إلى الشرك»، سدّه صلى الله عليه وسلم كل طريق يوصل إلى الشرك بالله جل وعلا، وهذا السد منه صلوات الله وسلامه عليه عام؛ سواء كان ذلك سدًا للشرك الأكبر الذي هو أعظم الذنوب والذي هو أكبر الكبائر مطلقًا، وسده كذلك الشرك الأصغر المفضي إلى الشرك الأكبر، وسده كذلك صلوات الله وسلامه عليه الذنوب والكبائر التي تضعف التوحيد في قلب العبد وتنقصه، وربما تكون سببًا لفقدانه الإيمان إن استمر على الذنوب. قال رحمه الله تعالى: «قد تقدم فيما سلف من الأبواب قبل هذا»، أي الكلام على معنى هذا الباب، قوله: «وقول الله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ»، قال: «ووجه الدلالة بالآية أنه صلى الله عليه وسلم يعز عليه كل ما يؤثم الأمة ويشق عليهم»، أي معنى هذا أنه يشتد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشق عليه صلوات الله وسلامه عليه أن يحصل للأمة أي شيء يكون سببًا لأن يقع في الإثم ولأن يقع في الحرج. قال: «وأعظم ما يؤثم الأمة ويشق عليهم الشرك بالله قليله وكثيره ووسائله وما يقرب منه من كبائر الذنوب»، ومنه نعلم مناسبة الآية لهذا الباب؛ فمناسبة الآية لهذا الباب أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لما كان يشق عليه مشقة عظيمة أن يقع من أمته شيء يوقعهم في الإثم ويوقعهم في الحرج، كان منه صلى الله عليه وسلم العناية التامة بأمته بأن حذرهم من كل طريق يسبب لهم هذا الحرج أو يسبب لهم الإثم، وحثهم وأمرهم على كل طريق يوصلهم إلى الله جل وعلا وإلى القرب منه جل وعلا وإلى نيل محبته ورضوانه جل وعلا. قوله: «عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»، رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات، قال الحافظ محمد بن عبد الهادي: هو حديث حسن جيد الإسناد، ولو شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحة، وهو كما قال رحمه الله تعالى، وكلام هذا في رده على السبكي في كتاب «الصارم المنكي في الرد على السبكي». قوله: «نهاهم صلى الله عليه وسلم أن يهجروا بيوتهم عن الصلاة فيها كما تهجر القبور عن الصلاة إليها مخافة الفتنة بها وما يفضي إلى عبادتها من دون الله»، لأن النهي عن ذلك قد تقرر عندهم، فنهاهم أن يجعلوا بيوتهم كذلك؛ أي هذا وجه شاهد لذكر هذا الحديث في هذا الباب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا». وقوله أيضًا: «ولا تجعلوا قبري عيدًا»، هذا كذلك شاهد آخر لترجمته، وذلك لأنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو خير ولد آدم وسيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه، نهى أن يتخذ قبره عيدًا؛ أي مكانًا يعتاده الناس لعباداتهم والاجتماعاتهم، فقبر غيره من باب أولى؛ قبر غيره من باب أولى إذا كان قبره صلى الله عليه وسلم نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ قبره صلى الله عليه وسلم عيدًا، وقبره أشرف القبور صلوات الله وسلامه عليه، فكيف بقبر من هو دونه؟ من باب أولى أنه لا يتخذ عيدًا. قال شيخ الإسلام: «العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائدًا إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك»، وقد تقدم معنا الكلام على أن العيد إما أن يكون باعتبار الأزمنة في زمن محدود، إما في يوم في الأسبوع أو في الشهر أو في السنة إذا اعتاده الناس يسمى عيدًا. قال ابن القيم رحمه الله: «العيد ما يعتاده مجيئه وقصده من زمان ومكان عام من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد؛ أي اعتاده الناس»، وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن أقل ما يسمى عودًا أن يتكرر أكثر من مرة؛ أن يتكرر ذلك أكثر من مرة يسمى عيدًا. قال: «فإذا كان اسمًا للمكان فهو الذي يقصد فيه الاجتماع وانتيابه للعبادة أو لغيرها»، إما للعبادة وإما لغيرها، كما أن المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله عيدًا للحنفاء ومثابة؛ كما جعل أيام العيد فيها عيدًا، وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها، وعوض الحنفاء؛ أي أهل التوحيد منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى؛ كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر، فلله الحمد رب العالمين جل وعلا؛ إذ أنه أبدل أهل الإسلام بخير مما كانوا عليه باعتبار الأزمنة وباعتبار الأمكنة، وهذا من فضل الله رب العالمين جل جلاله علينا. قوله: «وصلوا علي؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»، ليس معناه أن للنبي صلى الله عليه وسلم سمعًا يسمع الأصوات؛ ليس معناه أن للنبي صلى الله عليه وسلم سمعًا يسمع به أصوات من صلى عليه، ولكن معناه كما جاء مفسرًا في الحديث الآخر: قال: «فإن الله وكل على قبري ملكًا يبلغني صلاة من صلى علي»، بمعنى أن الله جل وعلا جعل من الملائكة من يبلغون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم صلاة من صلى عليه، وهذا من الله جل وعلا. فالحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمع الأصوات؛ لا كما يظن الجهال ممن قد يستدل بمثل هذا الحديث فيقول: هذا الحديث في دلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم يسمع أصوات داعيه، ليس فيه هذا المعنى، وإنما المعنى أن من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم سواء كان قريبًا من قبره أو كان في شرق الأرض أو غربها، فإن تلك الصلاة تبلغه؛ لماذا؟ لأنه يسمعها من؟ يسمعها رب العالمين جل وعلا، وجعل رب العالمين جل وعلا ملكًا موكلًا في إبلاغه صلى الله عليه وسلم من صلاة من صلى عليه من أمته، هذا بيان لهذا الحديث كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في كتابه العظيم «الرد على الأخنائي».

شاركنا على