الدرس في كتاب الزكاة 11، ألقاها
العملة الورقية تجب فيها الزكاة باعتبارها نقدا قائما بذاته، ونصابها هو أدنى النصابين من الذهب أو الفضة. ولا تضم إلى الذهب أو الفضة لاستيفاء النصاب.
ذهب جمهور العلماء إلى وجوب زكاة عروض التجارة، بينما ذهب الظاهرية إلى عدم وجوبها. واستدل كلا الفريقين بأدلة مختلفة.
استدل الشيخ على عدم وجوب زكاة عروض التجارة بقول عطاء بن أبي رباح، واستحسن العلامة الألباني ذلك. وذكر آراء العلماء المحققين الذين ذهبوا إلى رأي معين.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم بعد، تقدم معنا في الدرس الماضي الكلام على الحلي، حلي الذهب وكذا حلي الفضة، هل فيهما الزكاة أم لا؟ وتقدم معنا أنها إذا بلغت النصاب ففيها الزكاة؛ إذا بلغت النصاب ففيها الزكاة على الصحيح من أقوال أهل العلم، لظاهر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو أصرح ما جاء في الباب. طيب، ها هنا مسألة هي كتتم لهذه المسألة، وهي: هل يضم الذهب المحلق أو الملبوس إلى غيره من الذهب لتمام النصاب؟ تقدم معنا أن الذهب المحلق أو الحلي إذا كان فيه الزكاة، وإذا كان كذلك فإنه يضم إلى ما كان من جنسه؛ لاستيفاء النصاب. فإذا كان النصاب قد اكتمل من قبل، فإنه كذلك يضم إلى غيره، ويخرج الزكاة من الكل. أي: يضم هذا إلى هذا، ويخرج الزكاة من الكل، ربع العشر. طيب، المسألة التي تليها: هل في العملة الورقية الزكاة؟ وما هو نصابها؟ الذي عليه عامة فقهاء العصر: أن في العملة الورقية الزكاة، حُكمًا لها بالذهب والفضة، بجامع الثمنية، على أصح أقوال العلماء. قالوا: وبما أن الثمنية لا تقتصر عند الفقهاء على الذهب والفضة، وتطمئن النفوس بتداولها والدخار بها، ويحصل الوفاء والإبراء العام بها، رغم أن قيمتها ليست في ذاتها، وإنما في أمر خارج عنها، وهو حصول الثقة بها كوسيط في التداول والتبادل؛ وذلك هو سر مناطها بالثمنية. فلذلك؛ فإن العملة الورقية نقد قائم بذاته، له حكم النقدين من الذهب والفضة؛ فتجب فيه الزكاة، ويجري الربا عليه بنوعيه: فضلًا ونسيئة، كما يجري ذلك في النقدين من الذهب والفضة تمامًا، باعتبار الثمنية في العملة الورقية قياسًا عليها. وبذلك تأخذ العملة الورقية أحكام النقود في كل الالتزامات التي تفرضها الشريعة. فالحاصل من هذا: أن العملة الورقية -على قول علماء العصر- وهذا الكلام ملخص من كلام مجلس المجمع الفقه الإسلامي في قراره برقم 22 في الدورة الخامسة في المجلس الثاني- خرج هؤلاء الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى أن العملة الورقية تلحق بالذهب والفضة. طيب، بماذا تلحق؟ قالوا: بجامع الثمنية. فالذهب والفضة كان في الزمن الماضي يتعامل بهما في البيع والشراء، واضحة. فكانوا يتعاملون في البيع والشراء بالذهب أو الفضة؛ الرجل إذا أراد أن يشتري -مثلًا- إبلًا، غنمًا، ثيابًا، أرضًا، شجرًا، إلى غير ذلك، اشترى بماذا؟ إما بالذهب، وإما بالفضة. إذن؛ رُعِي في ذلك مسألة الثمنية. لذا؛ قال علماء -رحمهم الله تعالى- لما صار في العصر الحاضر هذه الأوراق النقدية تقوم في التعامل مقام الذهب والفضة؛ فإنها تأخذ حكمها. لماذا؟ لأنها صارت مقام الذهب والفضة في التعامل بها، باعتبار الثمنية، لا باعتبار ذاتها؛ إذ هي ورقة. ولكن باعتبار ثمنيتها؛ كان لها ما كان من أحكام الذهب والفضة. هل باعتبار ذاتها؟ الجواب: لا. لكن باعتبار ثمنها. واضح. إذا؛ تلحق بالذهب والفضة باعتبار وجوب الزكاة إذا بلغت النصاب. وكذلك يجري فيها أحكام الربا من ربا الفضل وكذا ربا النسيئة؛ فلا يجوز التفاضل في العملة إذا كانت من جنس واحد. واضح. كذلك؛ ولا يجوز فيها النسيئة. يبيع رجل لرجل -مثلًا- مئة دولار بمائة وخمسين ريالًا سعوديًا آجلًا؛ يقوز هذا؟ ولا يقوز. لا يقوز. واضح. لا بد من المقابضة. فحكمها كحكم الذهب والفضة في هذا المقام. وسيأتي الكلام على مسائل الربا في بابها بإذن الله جل وعلا. فشاهدنا هاهنا: أنه يجري فيها أحكام الزكاة كالذهب والفضة بهذا الجامع. طيب، بقي الأمر الآخر: ما هو نصابها؟ قد يقول الإنسان: إذا علمنا أن حكمها حكم الذهب والفضة؛ فما هو نصابها؟ فالجواب: قال العلماء: ووجوب زكاة الأوراق النقدية إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من الذهب أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة. فكما سمعتم: أن يكون لها -كما قال هؤلاء- أن نصابها يكون أدنى النصابين؛ إذا كان الفضة أدنى نصابًا من الذهب -أي: قيمته أدنى من الذهب- فإنها تلحق بالفضة، كما هو الحاصل في زماننا هذا. وإذا قدر أو قدر في زمان من الأزمان كان الذهب قيمته دون الفضة؛ فإنه يلحق بالذهب. واضح. قال علماء: والعلة في ذلك؛ لأنه الأحظ للفقراء. وبهذا نص على هذا العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله، وكذلك العلامة محمد بن صالح بن عثيمين، وكذلك اللجنة الدائمة؛ أفتوا بهذا: بأن الزكاة في الأوراق النقدية تلحق إما بالذهب، وإما بالفضة بما كان أحظ للفقراء. طيب، إذا علم هذا على ما تقدم -وهي أن الذهب والفضة نقدان أو ثمنان مستقلان، وكذا العملة الورقية كذلك نقد مستقل- فهل تضم العملة الورقية إلى الذهب لاستيفاء النصاب، أو إلى الفضة لاستيفاء النصاب؟ وإذا بلغ الذهب أو الفضة النصاب -مثلًا- فهل تضم إليها الورق النقدية فيخرج أو تخرج الزكاة من الكل أم لا؟ الصحيح: أنه لا يضم؛ لأنه يُعامل معاملة جنس ثالث؛ فليس هو بذهب، وليس هو بفضة. وإذا كان كذلك؛ فلا يضم إلى أحدهما؛ فيكون جنسًا مستقلًا. لذا؛ قال من قال من أهل العلم -من الذين يقولون بزكاة العروض إذا كانت عروضًا تجارية- فإنه يضم إليها المال؛ يضم إلى زكاة العروض التجارية. قالوا: لأنه من جنسها. وهذا -لو فرد صحته- لا يخلو من نظر؛ لأنهم يعدون زكاة عروض تجارة كذلك جنسًا مستقلًا. طيب، المسألة التي تليها: زكاة عروض التجارة. ومعنى عروض تجارة: ما يعده الإنسان من أشياء للتجارة؛ إما أراضي، وإما عقارات، وإما -مثلًا- ألبسة، أو من المواد الغذائية، أو ما شابه ذلك؛ إذا كان يستخدمها للتجارة -أي: للبيع والشراء- فهل فيها الزكاة أم لا؟ ذهب جمهور، وأهل العلم إلى أن فيها الزكاة. بل حكاه بعضهم إجماعًا. واستدل لهم بأدلة؛ من أشهرها حديث سمرة بن جندب -رضي الله عنهم- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نخرج الصدقة مما نعدهم للبيع». رواه أبو داود. وهو -كما ترون- نص صريح في المسألة، ولكن ليس بصحيح؛ فهو مسلسل بالمجاهيل؛ الحديث مسلسل بالمجاهيل؛ فإنه من طريق جعفر بن سعد، وخبيب بن سليمان، وأبوهم، وكلهم مجهولون. وقال الذهب: إسناد مظلم لا ينهض بحكم. وقال حافظ في التلخيص: وفي إسناده جهالة. وكذا ضعفه العلامة الألباني في الإرواء. واستدلوا أيضًا بأثر عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهم- جاء من طريق أبي عمر بن حماس: أن أباه حماسًا قال: مررت على عمر بن الخطاب، وعلى عاتقي أدمة أحملها، فقال لي: ألا تؤدي زكاتها يا حماس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين! ما لي غير هذا، وإهابه من القرض. فقال: ذلك مال. فقال: فضعها بين يديه، فحسبها، فوجدها قد وجبت فيها الزكاة؛ فأخذ منها الزكاة. واضح هذا. وأثر عمر هذا أيضًا لا يصح؛ لأنه من طريق حماس هذا، وحماس هذا مجهول. وعلى فرض صحته؛ فإن دلالته غامضة؛ وذلك لأن من فرض الزكاة عند القائلين بزكاة العروض: أن يدور عليها الحول. وفي أثر عمر -رضي الله عنه وأرضاه- كما ترون: أخذ عليه الزكاة مباشرة؛ دون أن يقول: نقوم مالك، فإذا بلغ النصاب، ثم بعد النصاب ينبغي أن يدور عليه الحول. كذلك؛ استدلوا بما رواه عبد الرزاق عن هشام بن حسان، عن أنس بن سيرين قال: بعثني أنس بن مالك -قال- على الأبلة -والأبلة هي- قالوا: الوخامة والثقل من الطعام. قال: فقلت له: بعثتني على شر عملك. قال: فأخرج إلي كتابًا من عمر بن الخطاب؛ فيه قال: خذ من المسلمين من كل أربعين درهمًا درهمًا، ومن أهل الذمة من كل عشرين درهمًا درهمًا، ومن لا ذمة له من كل عشرة دراهم درهمًا. وإسناده صحيح. ولكن ليس فيه دليل للقائلين بعروض التجارة؛ لماذا يا جماعة؟ لأنهم لم يبلغوا النصاب. نصاب الفضة كم يبلغ يا جماعة؟ إذا كان مئتي درهم. وعمر هاهنا يقول: من كل أربعين درهمًا. فهم يعملون بهذا. واضحة. كذلك؛ من حيث الاستدلال به؛ لا يستقيم أن يكون دليلًا لهم؛ لماذا؟ لأنهم لا يقولون به. إلا أن هناك رواية عن مالك؛ رواية عن مالك قريبًا من هذا المعنى؛ يقول مالك -رحمه الله تعالى- إذا قل المال أو كثر -يعني: قل على المئتي درهم أو كثر- إذا باع فيه الرجل؛ فإنه قد وجبت فيه الزكاة. وكثير من القائلين بوجوب الزكاة في عروض التجارة يشترطون فيه أن يبلغ النصاب. وأقله: أن يكون مئتي درهم. فالحاصل: أن أثر عمر -رضي الله عنه وأرضاه- ليس فيه دليل لهم. ويؤكد هذا: أنه قال كذلك: ومن أهل الذمة ... ومن أهل الذمة من كل عشرين درهمًا درهمًا. فهل في أهل الذمة الزكاة؟ هل عليهم الزكاة؟ الجواب: لا. إذن؛ هذا الذي فرضه عمر -رضي الله عنه وأرضاه- يكون لمعنى آخر؛ لعله أراد أو فرض هذا الأمور لمعنى آخر؛ ليس لهذا المعنى -ليس لمعنى عروض التجارة- والله تعالى أعلى وأعلم. وثبت كذلك عن عبد الله بن عمر بإسناد صحيح: أنه قال: «ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة». وهذا أصح وأصرح ما جاء في هذا الباب عن الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاه- فابن عمر -رضي الله عنه- يقول: ليس في العروض -أي: العروض من حيث هي عروض؛ مثل العقار، مثل أراضي، مثل المحل، الملابس، الأموال- قال: إلا ما كان للتجارة. إلا ما كان للتجارة؛ فإذا كان في عروض تجارية؛ يقول ابن عمر: ففيها الزكاة. واضح. وهذا نص للقائلين بزكاة عروض التجارة. وهذا نص من عبد الله بن عمر للقائلين بزكاة عروض التجارة -رضي الله عنه وأرضاه-. طيب، هذا القول الأول. وذهب الظاهرية إلى عدم الوجوب. وحكاه أبو عبيد في كتاب الأموال عن بعض الفقهاء -عن بعض الفقهاء- أي: قال: وذهب بعض الفقهاء. ولم يسمه. واضحة. ولا يقول قائل بأنه أراد داود الظاهري؛ لماذا؟ لأن داود الظاهري حينها -كما نبه على ذلك العلامة الألباني رحمه الله- قال: كان سنهم بنحو الأربع وعشرين سنة أو أقل. ومثل هذا السن؛ يستبعد أن يكون له قول ومذهب يشتهر به؛ حتى يذكره مثل أبي عبيد الإمام الكبير. فقوله: وذهب بعض الفقهاء؛ يدل على أن هناك قائلًا أو بعض من ذهب إلى هذا القول غير داود الظاهري. واضح. بل قبل أن يظهر داود الظاهري. وهذا ينقض ما الدعوى من الإجماع. بل الظاهرية نفسها تنقض ما الدعوى من الإجماع. وأيضًا؛ ذكر العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- أن هذا القول: قول عطاء بن أبي رباح. وذكر بإسناد صحيح من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج: أن عطاء بن أبي رباح سئل عن هذا؛ فقال: وإن كان شيئًا من ذلك يُدار -أي: يُتجر به- قال: ففيه صدقة؛ في ثمنه حين يباع. واضح. وهذا القول من عطاء -كما يقول العلامة الألباني- فيه دلالة على أن عروض التجارة ليس فيها زكاة؛ وإنما الأدلة العامة -﴿وَآتُوا الْمَالَ عَلَى حُبِهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ﴾، ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾، وما شابه ذلك من أدلة العامة- يقول: هذا أثر عطاء؛ يدل على هذا المعنى؛ معنى أن الرجل إذا باع -إذا باع في حال البيع والتجارة- اكتسب؛ يخرج صدقة غير محدودة. واضح. مما تطيب به نفسه؛ ما قل أو كثر؛ كله يعود إلى عطاء ذلك الرجل وإلى نفقته. وهذا الذي ذهب إليه العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- في هذه المسألة، واختاره. وقال: إنه لا زكاة في عروض التجارة؛ ولكن التجار عليهم أن ينفقوا حين الكسب؛ بما تيسر؛ لعموم الأدلة في الباب؛ لعموم الأدلة في الباب. وممن ذهب إلى أنه لا زكاة في عروض التجارة كذلك: ابن حزم. ونصره نصرة عجيبة في كتاب المحلى؛ ذكر أدلة القائلين بزكاة العروض، وردها؛ وبين تناقض القائلين بها؛ لأن القائلين بها مضطربون؛ منهم من يقول: كما سمعتم: إذا بلغت مئتي درهم؛ ففيها الزكاة. ومنهم من يقول: إذا كانت دون ذلك؛ ففيها الزكاة. ومنهم من يقول: إذا خرج للبيع والشراء، واختزن -أي: ربح- ففيه الزكاة. وأما إذا ما ربح؛ فليس عليه شيء. واضح. وبعضهم يقول: عليه -ما دام أنه جعلها للبيع والشراء- فإن عليه الزكاة. وبعضهم يقول: لو خرج وخسر -ما ربح، خسر- يقول أيضًا: عليه الزكاة. واضح. وبعضهم ينفي مثل هذا. فالحاصل: اضطراب القائلين بهذه المسألة؛ يدل على أنها لا تستند على أصل يرجع إليه عند الاختلاف. كما رأيتم في أثر عمر: في كل أربعين ... في كل أربعين درهمًا درهمًا. طيب؛ في الأثر الثاني عن عمر -رضي الله عنه وأرضاه- أنه أخذ الزكاة من الرجل مباشرة؛ والرجل إنما هو دباغ؛ عنده أدمة -كما جاء فيه الأثر- عنده أدمة، وعنده أشياء كان يدبغ بها من القرض ونحوه. فالحاصل: أنه أخرج عليه الزكاة في الوقت نفسه. يقول: بأثر عمر؛ لا أحد. بل استدل من استدل -ابن عبد البر رحمه الله تعالى- بأثر عن عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه ورحمه الله- وأنه كتب لبعض عماله: أن خذوا الزكاة من كل كذا وكذا، ومن كل كذا وكذا. في بداية الكلام؛ يقول ابن عبد البر: وعمر بن عبد العزيز لا يفتي فتوى، ولا يقول قولًا؛ إلا وقد جمع من عنده من أهل العلم، واستشارهم، واستخبرهم؛ فإذا خرجوا بقول؛ قال: كتب لرعاية ولدينه، إلى غير ذلك مما ذكر. قال: فهذا يشبه أن يكون إجماعًا. تقلب المستدِلَّ الاستذكار؛ بعد صفحة أو صفحتين؛ يأتي بالقول الآخر؛ في الصحيفة نفسها -التي هي عن عمر بن عبد العزيز- وفي كل رجل من أهل الذمة؛ في كذا وكذا. قال: وهذا القول من عمر بن عبد العزيز؛ لم يوافقه عليه أحد. واضحة. في الصحيفة نفسها؛ قبل صفحة أو صفحتين؛ يقول: هذه الصحيفة من عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- تدل على أنه إجماع. في الصحيفة؛ يخرج زكاة العروض. واضحة. وأيضًا؛ كتب زكاة على من؟ على أهل الذمة. بعد صفحة؛ في العروض؛ قالوا: أما زكاة في أهل الذمة -الذي قال به عمر بن عبد العزيز- فإنه لم يوافقه عليه أحد. واضحة. إذا؛ كان لم يوافقه عليه أحد في الأولى؛ فكيف وافقها عنه كل أحد أخرى؟ وضح. فهي يدل على أن في المسألة نوع اضطراب؛ أن القائلين بها لم يستقموا فيها على قول؛ تجد هذا العالم يفتي بأن الزكاة في عروض تجارة؛ فيها كذا وكذا. وآخر يقول: لا؛ بل فيها كذا وكذا. وآخر يقول: لا؛ بل فيها كذا وكذا. وآخر يقول: لا؛ زكاةها يوم الربح. وآخر ... وآخر. فهي يدل على ماذا؟ كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. فيبعد كل البعد: أن تكون فريضة من فرائض الله جل وعلا -وهي الزكاة من فرائض الإسلام- ويكون فيها هذا الاضطراب. ويكون نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ مات يوم مات؛ ولم يبينها؛ ولم يوضحها الوضوح البيان الواضح؛ وهي ركن من أركان الإسلام. يبعد أن يكون مثل هذا موجود في شريعتنا -والله تعالى أعلم-. فالحاصل: أنه إلى جانب ما تقدم مما استدل به؛ كذلك القائلون بأنه لا زكاة في عروض تجارة؛ استدلوا بالبراءة الأصلية؛ بالبراءة الأصلية. ما هي البراءة الأصلية؟ الأصل عدم الزكاة. واضح. الأصل: عدم الزكاة؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم وعراضكم عليكم حرام». واضح. الأصل في مال المسلم: ما هو؟ الحرمة. أصل لا يخرج عن هذا الأصل إلا بدليل. فكيف نقول: الأصل الذي هو الحرمة في المال؛ نقول: بل الواجب عليك أن تخرج الزكاة؟ ما الدليل على هذا؟ كما ترون؛ مثل هذه الأدلة وهذه الآثار. واضح. هذا الذي يظهر في هذه المسألة. وكما سمعتم؛ ذهب إليها من العلماء المحققين: الشوكاني رحمه الله تعالى، وكذلك صديق حسن خان، والعلامة الألباني؛ له بحث جيد لمن أراد الرجوع إليه؛ في كتاب تمام المنة؛ له بحث جيد؛ يعاد من أحسن البحوث. وكذلك؛ كان يقول به شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي -رحم الله تعالى جميعًا-. صلى الله وسلم وبارك على نبيه، وعلى آله وصحبه أجمعين.