الدرس في كتاب البيوع 49، ألقاها
يتناول تعريف الشفعة لغة وشرعا وأدلتها من السنة النبوية والإجماع. يشرح بعض أحكامها ومسائلها مثل شروط ثبوت الشفعة وحدودها.
يناقش آراء الفقهاء المختلفة في أحكام الشفعة وتطبيقاتها. يشمل ذلك آراء من قصر الشفعة على الشركاء في المال المشاع ومن وسعها لتشمل الجوار والشركة في الطريق.
يتناول تأويل حديث الجار أحق بشفعة جاره وتفسيره وفقًا لآراء العلماء. يشمل ذلك حمل الحديث على حالة اتحاد الطريق بين الجيران واستدلالهم بحديث جابر في الصحيحين.
يناقش صحة حديث جابر وتأويله وفقًا لما ذكره علماء مثل ابن القيم والصنعاني. يشمل ذلك تصحيح الحديث وتفسيره وفقًا للمعنى الذي ذكره ابن القيم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب البيوع، في باب الرهن وغيره، قال: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: جعل -وفي لفظ قضى- النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. قوله يعني في حديث "جعل" وفي رواية "قضى" أن اللفظ ما ضبطه الراوي "جعل" أو "قضى". وهذا الحديث ذكره الإمام عبد الغني رحمه الله تعالى بما تضمنه من مسائل الشفعة، فنتكلم بإذن الله جل وعلا على ما تيسر من مسائل الشفعة بإذن الله عز وجل. فنسأل الله التوفيق والسداد. وقبل أن نذكر ونتكلم في مسائل الشفعة، نتكلم على ألفاظ الحديث ومفرداته. قوله صلى الله عليه وسلم "الشفعة" بضم المعجمة وسكون الفاء، وبعضهم حركها، أي جعل الشفعة بضم الفاء. ولكن العلماء، أو بعض المحققين، غلطوا من حركها. قالوا: هي مأخوذة من الشفع وهو الزوج، وقيل: من الزيادة، وقيل: من الإعانة. وقال بعضهم: الشفعة من "شفعت الشيء" إذا ضممته وثنيته، ومنه شفع الأذان. قالوا: وسميت شفعة لضم نصيب إلى نصيب. وقال ابن الأثير في "النهاية": الأول ذكره الحافظ في "الفتح"، والثاني ذكره النووي في شرح مسلم. وقال ابن الأثير في "النهاية": الشفعة في الملك معروفة، قال: وهي مشتقة من الزيادة؛ لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به، كأنه كان واحدا وترا فصار زوجا شفعا. قال: والشافع هو الجاعل الوتر شفعا. وقال ابن قدامة رحمه الله -أي في تعريف الشفعة-: قال: وهي استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه. استحقاق الشريك انتزاع يعني: عمر وزيت شريكان في أرض أو بيت، عمر باع البيت لخالد، فلزيد أن يأخذ البيت من خالد ويعطيه ما دفع من المال، وإن كان البيع قتم. لماذا يحق الشفعة؟ لحق الشفعة؛ لذا قالوا: استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة أو المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه أو انتقلت إليه. وبعضهم قال: يعرفها شرعا الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في "السبل". عرف الشفعة شرعا، فقال: وهي شرعا انتقال حصة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض المسمى. قال: وأكثر الفقهاء على أنها واردة على خلاف القياس. الشفعة واردة على خلاف القياس؛ لماذا؟ قال: لأنها تأخذ كرها، يعني تأخذ من المشتري، تأخذ من المشتري وهو كاره؛ لأنها تأخذ كرها. قال: ولأن الأذية لا تدفع عن واحد بضرر الآخر، يعني: الآن الأذية لا تدفع عن واحد -وهو الشريك- بضرر الآخر -وهو المشتري الأجنبي-. حصل له ضرر. رجل تم البيع، فرح بالبيع، قال: أنا أحق بذلك المبيع. قال: وقيل: خالفت هذا القياس ووافقت قياسا أخرى، أي: مسألة شفعة، وإن خالفت هذا القياس إلا أنها وافقت قياسا أخرى يدفع فيها ضرر الغير بضرر آخر، ثم يأخذ حقه. قالوا: كبيع الحاكم عن المتمرد والمفلس ونحوهما، هذه خرجت على الأصل ولكن في مصلحة أعلى. قال الإمام -أو قبل هذا- الحافظ بن حجر رحمه الله في "الفتح" عرفها، فقال: انتقال حصة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبي -يعني بنفسها- تعريف إلى الصنعاني بمثل العوض المسمى. طيب، إذن التعريف سيكون أخذ الصنعاني من الحافظ بن حجر في "الفتح". طيب، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: قال: وهي ثابتة بالسنة والإجماع. قال: أما السنة فذكر حديث الباب -أي حديث جابر-. ثم قال: ولمسلم -أي في لفظ للإمام مسلم-: "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شرك لم يقسم". "ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باع ولم يستأذن فهو أحق به". واضح، هذا موضح مفسر لحديث الأول: "إن باع ولم يستأذن فهو أحق به". من الذي هو أحق؟ الشريك. وللبخاري وفي لفظ للبخاري قال: "إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". قالوا: أما الإجماع، فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط. قال ابن قدامة: قالوا: المعنى في ذلك أن أحد الشريكين إذا أراد أن يبيع نصيبه وتمكن من بيعه لشريكه وتخليصه مما كان بصدده من توقع الخلاص والاستخلاص، قال: فالذي يقتضيه حسن العشرة أن يبيعه منه؛ ليصل إلى غرضه من بيع نصيبه وتخليص شريكه من الضرر. قال: فإذا لم يفعل ذلك وباعه لأجنبي، سلط الشرع الشريك على صرف ذلك إلى نفسه. قال: ولا نعلم أحدا خالف هذا إلا الأصم، والأصم لا يعتبر بقوله، ولا سيما وهو قد خالف النص الصريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. طيب، قوله: "في كل ما إن لم يقسم بالشفعة قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما إن لم يقسم". ظاهر هذا الحديث أو هذا اللفظ العموم، ظاهره العموم، أي: ثبوت الشفعة في جميع الأشياء، وأنه لا فرق بين الحيوان والمنقول وغيره. قاله الحافظ في "الفتح"، ثم الشوكاني في "النيل". قوله: "فإذا وقعت الحدود" أي: حصلت قسمة الحدود في المبيع، واتضحت بالقسمة مواضعها، أي: مواضع الحدود. قوله: "وصرفت" بضم الصاد وتخفيف الراء المكسورة، وقيل: بتشديدها، أي: بينت مصارفها، وكأنه من التصريف أو التصرف. قال ابن مالك: معناه خلصت، وبانت. قال: وهو مشتق من الصرف -بكسر المهملة- وهو الخالص من كل شيء، سمي بذلك لأنه صرف، لأنه صرف عنه الخلط. قال: فعلى هذا "صرف" يعني "صرفت" يكون مخففة الراء، وعلى الأول -أي التصريف والتصرف- مشدد. قوله: "فلا شفعة" أي: معتبرة، "فلا شفعة" أي: معتبرة. وفي الحديث مسائل أولى هذه المسائل، وهي أهمها، وبها تتبين مسألة الشفعة بإذن الله عز وجل: ما هي الشروط التي بها تثبت الشفعة؟" ذكر بعض أهل العلم لثبوت الشفعة شروطا أربعة، أحدها: أن يكون الملك مشاعا غير مقسوم. فأما الجار فلا شفعة له. الشرط الأول: أن يكون المال مشاعا غير مقسوم، أي: تكون الشفعة في الشركة. الشفعة تكون في الشركة، وأي شركة في المال غير المقسوم؟ مال مشاع غير مقسوم: أرض أو دار أو ما شابه ذلك. وبهذا القول قال عمر وعثمان رضي الله عنهما، ومن التابعين: عمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، وإسحاق بن نصار، ومن تابعيهم: ربيعة ومالك والأوزاعي، ومن تابعيهم: الشافعي وأحمد وإسحاق، ومن تابعهم: أبو ثور وابن المنذر. وقال ابن شبرمة والثوري وابن أبي ليلى وأصحاب الرأي: الشفعة بالشركة، ثم بالشركة في الطريق، ثم بالجوار. يعني: هؤلاء يجعلون الشفعة في ماذا؟ على أمور ثلاثة مرتبة. قال أبو حنيفة: يقدم الشريك، فإن لم يكن وكان الطريق مشتركا -كدرب لا ينفذ- تثبت الشفعة لجميع أهل الدرب الأقرب فالأقرب. يعني: مثلا بيوت على درب، مدخلهم واحد، مخرجهم واحد. فيقول: هؤلاء كذلك تثبت في حق ماذا؟ الشفعة. الشفعة يعني: الشركة في ماذا؟ في الطريق مشتركين في طريق واحد. قال: فإن لم يأخذوا تثبت للملاصق من درب آخر -من درب آخر خاصة- يعني: يقول: إن لم يوجد فيرجع إلى ماذا؟ إلى مسألة الجار. ما الجار؟ الجار يقول: أحق. أبو حنيفة يقول: الجار أحق بالشفعة من غيره، ولو صرفت الطرق. قال: إذا لم تصرف الطرق يكون ماذا؟ يكون شريكا راسما في المشاع. وقال العنبري وسوار -والظاهر أنه التميمي، من عبد الله التميمي-: تثبت بالشركة في المال، أو تثبت بالشركة في المال وبالشركة في الطريق. يعني: الشفعة تثبت بماذا؟ قالوا: بالشركة في المال، وبالشركة في الطريق. ومعنى "في المال": في أي مال كان، وفي الطريق كما قال أبو حنيفة. واحتج هؤلاء بما روى أبو رافع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجار أحق بصقبه". رواه البخاري. وبما رواه الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "جار الدار أحق بالدار". رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. والحديث ظاهره الصحة والصحاحة. والعلامة الألباني رحمه الله تعالى في "الإرواء" وكذلك بحديث جابر. قالوا: "الجار أحق بداره ينتظر به إذا كان غائبا" -يعني الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا- "إذا كان طريقهما واحد". رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. وسائل الكلام على هذا الحديث إن شاء الله. هذا من حيث الدليل، ومن حيث التعليل. قالوا: ولأنه اتصال ملك يدوم ويتأبد، فتثبت الشفعة به كالشركة. الجار يقولون: اتصال ملك يدوم ويتأبد، فتثبت الشفعة به كالشركة. يعني: الآن رجل عنده أرض، وجاء ما اتصل به جاره. يقول: بدلا أن يبيعه الأجنبي، جاره أحق. وضع حده. وإن صرفت الطرق، هذا له طريق، وهذا له طريق. أو كان في دار، هذا عنده دار، وهذا عنده دار. هذا له طريق، وهذا له طريق. يقول ماذا؟ أتجار أحق بالبيت من ماذا؟ من الغير. فإن باعه الغير، فللجار حق الشفعة. للجار حق الشفعة، وإن لم يكن شريكا. واضح. والقول الأول يقول ماذا؟ يقول: ليس له حق إلا أن يكون شريكا في مال مشاع، أن يكون شريكا في مال مشاع وغير مقسوم. أما إذا كان مقسوما فالأمر واضح: كل أحد يتبع حقه. يقول: نبي صلى الله عليه وسلم: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". يستدلوا بحديث الباب -يعني كما سيأتي معنا-. طيب، استدل الجمهور بحديث الباب. وفي حديث الباب: "قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". قال: وهذا نص واضح وصريح في أن الحدود إذا فصلت -هذا له دار خاص معلوم، وهذا له دار خاص معلوم، وهذا له عقار أو أرض معلومة محدودة، وهذا له دار معلومة محدودة، وما شابه ذلك- فلا شفعة بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك استدل بما رواه ابن جريج عن الزهري عن ابن المسيب -أو أبي سلمة- أو عنهما -يعني جاء عن الزهري عن المسيب في رواية، وجاء في رواية أخرى عن ابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وفي رواية عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب، وفي رواية ثالثة، رابعة، عنهما عن أبي هريرة، وفي رواية خامسة عن أبي سلمة عن جابر-. والإمام أحمد رجح هذه الأخيرة، وهي التي رواها الشيخان البخاري ومسلم في حديث الباب. واضح، جماعة عمله. فالجع الحديث إلى حديث الباب. وإن كان الإمام يحيى بن معين رجح المرسل، رجح المرسل، إلا أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى رجح المسند المرفوع، وهو اختيار الشيخين البخاري ومسلم رحمهم الله تعالى جميعا. فإذا استدل الجمهور بحديث الباب -يعني رجع إلى أن ما استدلوا بحديث الباب- قالوا أيضا من حيث التعليل: ولأن شفعة ثبتت في موضع الوفاق على خلاف الأصل لمعنى معدوم في محل النزاع فلا تثبت فيه. قالوا: وبيان انتفاء المعنى هو أن الشريك ربما دخل عليه شريكه فيتأذى به، فتدعو الحاجة إلى مقاسمته أو يطلب الداخل مقاسمته، فيدخل ضرر على شريك بنقص أو بنقص قيمة ملكه، وما يحتاج إلى إحداثه من المرافق. وهذا لا يوجد في المقسوم. يعني: معنى هذا أن المال إذا لم يقسم وكان مشاعا يتضرر الشريك الآخر؛ لماذا يتضرر؟ لأن الآخر -يعني قد يكون رجل لا يرضاه، لا يرتضيه- فيسبب له ضررا أو يريد أن يحدث أشياء، فيقول: لا، ما أريد هذا. فيضطر الشريك الأول أن ماذا؟ يصرع أن يتخلص من ماله وتأذى بذلك. فلأجل هذا جعل الشرع الشفعة للشريك؛ لأجل هذا المعنى. قالوا: والجواب عن أدلتهم -يعني عما استدل به من قال بأن الجار له حق- قالوا: هو كالآتي: أولا حديث أبي رافع، قالوا: ليس بصريح في الشفعة؛ ليس بصريح في الشفعة؛ فإن الصقب القرب، يعني: الجار أحق بصقبه، قالوا: أحق بقربه. قال: يقال بالسين والصاد، يعني: "صقب" و"ثقب". قال الشاعر -يعني الدليل على أن الصقب يطلق ويراد به القرب في لغة العرب- قول الشاعر: "كوفية نازح محلتها، كوفية نازح محلتها، لا أمم، لا أمم دارها ولا صقب" أي: ولا قريب دارها، لا بعيد ولا قريب. قال: فإذا كان الصقب يأتي بمعنى القرب، احتمل أنه أراد أحق بإحسانه لجاره وصلته وعيادته ونحو ذلك. واضح، جماعة. فيكون معناه: "الجار أحق بصقبه" أي: أحق بإحسانه وبمراعاته، إلى غير ذلك من معاني الإحسان. قالوا: أما حديث الحسن عن سمرة، وأما حديث جابر، فقد رواه الخمسة -أحمد وأصحاب السنة الأربعة- من طريق عبد الله بن أبي سليمان العرزمي عن عطاء عن جابر رفعه. قال الترمذي بعد أن أخرج الحديث: "لا نعلم من رواه إلا عبد الملك". أي: لم يعلم من رواه على هذا الوجه إلا عبد الملك. قال: "وقد تكلم شعبا فيه لأجل هذا الحديث". تكلم في عبد الملك لأجل هذا الحديث. وقال: "لو أتى بحديث آخر مع حديث الشفعة لتركت حديثه". لتركت حديثه. وقال الشافعي: "نخاف أن لا يكون محفوظا". وقال الإمام محمد: "هو منكر". أي: حديثه منكر. وقال يحيى بن سعيد -أي القطان-: "أنكره الناس عليه". أي: عن العرزمي. قال: "ويقال إنه رأي عطاء أدرجه عبد الملك". يعني: أنه ليس من قول النبي، وإنما هو من قول عطاء، ولكن أدرجه عبد الملك. وهذا هو الأظهر أن الحديث لا يصح، لا سيما مع نصوص هؤلاء إما رحمهم الله. والحديث قد ذكره شيخنا العلامة مقبل الوادعي في كتابه "أحاديث معل ظاهر وصحة" صفحة 97 إلى 98. ومن أراد الرجوع رجع كذلك إلى كتاب "الدراية" للحافظ ابن حجر، وكذلك "نصب الراية" و"التلخيص الحبير". فقد تكلموا عليه بما يكث. وأما العلامة الألباني رحمه الله تعالى في صحة الحديث في "الإرواء" برقم 40 و500. والأظهر والله أعلم أن الحديث -وإن كان ظاهر إسناده أي رجاله ثقات، العرزم ممن وثق حديثه- إلا أن هذا الحديث بعينه مما أنكر عليه، مما أنكر عليه، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى -يعني فيه-: أنه بعد أن وثقه، قال: "إلا أنه يرفع أحاديث عن عطاء يرفع أحاديث عن عطاء". وكأنه يشير إلى هذا الحديث. طيب، فهذا هو الجواب الأول. الجواب الثاني -أو قبل هذا- يعني قال الإمام ابن المنذر رحمه الله: الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث جابر -أي السابق الذي في الصحيحين-. قال: والذي رويناه، وما عدا من الأحاديث فيها مقال. يعني: "حسن أن تمر فيها مقال". وكذلك "حسن أن تمر فيه مقال". طيب، الجواب الثاني: أنه -يعني على فرض صحتها- قالوا: أنه يحتمل أنه يراد بجار الشريك. واضح، يعني: يحتمل أن يراد بجار الشريك. قالوا: فإنهم جار أيضا، ويسمى كل واحد من الزوجين جارا. قال الشاعر: "أجارتنا بيني فإنك طالق، كذاك أمور الناس غاد وطالق". الشاهد منه: "أجارتنا" أي: الزوجة. فالجارة يعني جار قد يطلق ويراد به أحد الزوجين، كما يراد به الشريك. قالوا: وكذلك تسمى الضرتان تسمى كذلك ماذا؟ جارتان. قال: لاشتراكهما في الزوج. قال: "حمل بن مالك كنت بين جاريتين فضربت إحداهما الأخرى بمصطح فقتلتها وجنينها". كنت بين جارتين -جارتين- فسمى الزوجتان ماذا؟ أو الضرتان جارتين. قالوا: هذا يمكن -يعني هذا القول يمكن- في تأويل حديث أبي رافع أيضا. واضح، هذا الأمر أم لا؟ أي: أن الأحاديث التي فيها ذكر الجار محتملة مجملة، فيحمل على أن المراد بها الشريك؛ حتى تجتمع الأحاديث بعضها إلى بعض، ولا يكون بينهما تعارض. لأن ظاهر حديث جابر الذي في الصحيحين: "قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل مال لم يقسم". ظاهره ماذا؟ أن المال مفهومه أن المال إذا قسم فلا شفعة؛ لذا قال: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". منطوق. فاجتمع المنطوق والمفهوم على ماذا؟ على معنى واحد، وهو أنه متى قسمت الأموال وصرفت الطرق، وصارت الحدود معلومة لكل واحد من الشريكين، فلا شفعة. فإذا كان هذا في الشريكين، فالجار مع جاره من باب أولى. من باب أولى. وهذا هو الأظهر. وهذا هو الأظهر والله تعالى أعلى وأعلم. على أن بعض أهل العلم ممن صحح حديث جابر الآخر -حديث جابر الذي فيه "الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا"- قالوا: يعني من صحح الحديث، قالوا: الجار -يعني ربما حمل على الجار المخالط لجاره- ربما حمل على الجار المخالط لجاره. إذا اتحد طريقهما، فلم يكن لهما إلا طريق واحد. فلم يكن لهما إلا طريق واحد. بمعنى أن هذا له طريق، وهذا له أرض. وهذا له أرض، لكن طريقهما واحد. أو مثلا اجتمع في دار -يعني هذه الأيام كنا تتصور في ماذا؟ في العمارات إذا كانت في شقق- طريقهما واحد. فيقول: إذا كان طريقهما واحد، فتصح الشفعة ها هنا؛ لماذا؟ يقول: لأنه يحصل فيه المعنى. لذا قال العلامة الصنعاني رحمه الله -بعد أن وهو ممن صحح الحديث-: "ولا يخفى أنه قد آل الكلام إلى الخليط". إلى الخليط. يعني: اختلط الطريق؛ لأنه مع اتحاد الطريق تكون الشفعة للخلطة فيهما. تكون الشفعة للخلطة فيهما. أي: بمعنى أنه حصلت الخلطة فيما في الطريق. والحديث الأول الذي فيه حديث جابر: "فإذا قسمت -يعني فإذا وقعت الحدود- وصرفت الطرق فلا شفعة". واضح، هذا الأمر أم لا؟ قالوا: هذا الآن ما صرفت الطرق، بل الطريق ماذا؟ بل الطريق واحد. بل الطريق واحد. قالوا: إذن مع اتحاد الطريق تكون الشفعة للخلطة فيها. ففيه معنى ماذا؟ معنى الشركة في الطريق. قال العلامة ابن القيم: وهو أعدل الأقوال. اليمان ابن القيم يقول: وهو أعدل الأقوال، وهو كذلك اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قالوا: حديث جابر هذا صريح فيه -أي حديث جابر الذي أعلاه الأئمة-. قالوا: صريح فيه؛ فإنه أثبت الشفعة بالجوار مع اتحاد الطريق. قال: ونفاه به في حديث الآخر مع اختلافها، حيث قال: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". قال: فمفهوم حديث جابر هذا هو بعينه منطوق حديثه المتقدم. واضح. قال: فأحدهما يصدق الآخر ويوافقه، لا يعارضه ولا يناقضه. وجابر روى اللفظين، فتوافقت السنن واتفقت بحمد الله. قال: ومن أراد الرجوع رجع كذلك إلى كتاب "الدراية" للحافظ ابن حجر، وكذلك "نصب الراية" و"التلخيص الحبير". انتهى كلامه -أي كلام العلامة ابن القيم-. واضح، جماعة. وهو كلام قوي. وهو كلام قوي. إلى صح الحديث الآخر. وكذلك قد يستدل بمفهوم حديث جابر بأن الطرق ما فصلت. لكن هل يبقى الاحتمال في ماذا؟ في كل ما لم يقسم في قول: "قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم المال". ها هنا ماذا؟ مقسوم، ليس بشركة، وإنما الاشتراك في ماذا؟ في الطريق. فالحاصل أنه إذا ثبت حديث جابر، حمل على هذا المعنى -حمل على هذا المعنى الذي ذكره العلامة ابن القيم، وقبله شيخه، وبعده العلامة الصنعاني رحمهم الله تعالى-. والحديث كما سمعتم قد صححه جماعة، قد صححه جماعة. وعلى القول بعدم صحة الحديث، فالأظهر القول الأول. والله أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.