الدرس في كتاب الحدود 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل حد السرقة وفقًا للشريعة الإسلامية، حيث يشترط لقطع يد السارق أن يكون مكلفًا ومختارًا وأن يسرق من حرز ربع دينار فصاعدًا. يُشدد على أن القطع يسقط بعفو المسروق عليه قبل إبلاغ السلطان.
يفصّل هذا الفصل في شروط قطع يد السارق، حيث يشترط أن يكون المسروق من حرز وأن تبلغ قيمته ربع دينار فصاعدًا. يُشرح معنى الحرز وأنه لا يكون القطع إلا إذا اختلس السارق الشيء من مكان حفظه.
يناقش هذا الفصل تفاصيل أحكام السرقة والقطع، ويشير إلى آراء العلماء حول تعليق يد السارق في عنقه، وسقوط القطع بعفو المسروق عليه، وعدم القطع في بعض الحالات مثل الأخذ من غير حرز أو في حالة الخيانة والنهب والاختلاس.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: قال، ويجلد المملوك نصف جلد الحر، ويحده سيده أو الإمام. قوله: ويجلد المملوك نصف جلد الحر، كما تقدم وسبقت الإشارة إليه في قوله في أول هذا الباب: إن كان بكرًا حرا، فخرج بالحر غيره، أي العبد والأمة، فالمملوك ينصف له العذاب في نص القرآن. وهكذا كذلك السنة الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾. وهذه الآية وإن كان سياقها سياق الأمة، فهي في قول عامة، بل نقل بعض الإجماع أنه يدخل فيها العبد. فالشرع لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. بل إذا كان هذا في حق الأمة، فهو في حق العبد من باب أولى. وقد فهم من الآية مع ما جاء في السنة أن هذا الحكم يتعلق بالجلب، فهو الذي ينصف، وأنه كذلك ينسخ الرجم الذي في حق الحرة وحق الحر، فينتقل من الرجم إلى الجلد بالنصف. وقد دلت على هذا أحاديث كثيرة، منها ما أشار إليه في حديث علي رضي الله عنه، قد تقدم أن أصله في الصحيح مسلم، فقد روحي في لفظ عند الإمام أحمد، وأشار إليه بالشرح، قال علي رضي الله عنه: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمة سوداء زنت، لأجلدها الحد، فوجدتها في دمها، يعني نفاسًا. قال: فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إذا طهرت من نفاسها، فاجلدها خمسين. ومعنى إذا طهرت. وقد تقدم أن هذا الحديث فيه دليل على أن المريض يؤخر عنه الحد حتى يشفى، إذا يرجى برؤه وشفاؤه. وفيه كذلك دليل وتأكيد للآية السابقة أن الأمة عليها نصف ما على الحرة. وفيه دليل كذلك أن الأمة ينصف لها عذاب الحرة في الجلد، لا فرق في ذلك بين بكر وإحصان. وهو كذلك يقال في حق العبد. وأشار إلى أثر روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في فتية من قريش، أمر عمر رضي الله عنه إياهم في ولائد من ولائد الإمارة، يعني إماء، أن يجلدن خمسين، خمسين في الزنا. ومعنى نصف ما على المحصنة، لأن المحصنة مئة، تجلد مئة. وأشار إلى أن المسألة فيها خلاف، فذهب بعضهم أن هذا في حق من لم يتزوج، في حق من تزوج. وأما من لم يتزوج، فلا حد عليه، روي هذا عن ابن عباس. والصحيح الذي عليه جمهور أهل العلم ما تقدم. وأشار إليه المؤلف رحمه الله. وأشار إلى أن معنى الآية: ﴿فإذا أحصن﴾، ليس المراد به النكاح، ولكن معناه الإسلام. وحتى لو قيل أنه النكاح، فليس معناه أنه لا يقع فيما دونه، بل من باب أولى أن يقع فيما دونه. واضح إذا كان الإحصان الذي فيه الرجم ينصف إلى خمسين جلدة، فكيف بما فيه الجلد؟ فهو بلا شك ينصف. إنما الإشكال في كيف ينصف الرجم؟ فلما كان حكم الرجم التنصيف بالجلد خمسين، فدل هذا أنه من باب أولى أن ينصف المئة إلى خمسين. فعلى كلا المعنيين لا إشكال، لو قلنا أنه الإسلام، أو قلنا أنه الإحصان بمعنى النكاح، لأفاد في كلا المعنيين أن الأمة عليها نصف ما على الحر، أو أن العبد عليه نصف ما على الحر من العذاب. وذكر رحمه الله أن هذا الحد يحده سيده أو الإمام. ومعنى أن هذا يختلف عما سبق من الحدود، لأن الأصل في الحدود يقيمها الإمام، هذا هو الأصل الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وكان عليه عمل سلف الأمة، ونقل فيه الإجماع. أما بالنسبة للعبد، فيجوز لسيده، والأمة يجوز لسيدها أن يقيم عليها الحد، كما يجوز أن يقيمه الإمام. ودليله ما أشار إليه في حديث أبي هريرة في الصحيحين، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا زنت أمت أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة، فليبعها ولو بحبل من شعر». والشاهد: أمر النبي صلى الله عليه وسلم السيد أن يجلد. قال العلماء: والسبب في هذا أولًا حفظًا لهذه الأمة أن لا ينتشر خبرها، فيتطاولها، وكذلك يطمع بها أهل السوء. والغالب أن الأمة لا تحفظ مثل ما تحفظ الحرة، فهي التي تقوم بالأعمال، تدخل وتخرج وتذهب وتأتي، فهي ما يظن أنها تلقي أهل السوء لها. فالأستر في حقها، والأحفظ للمجتمع أن يجلدها السيد، يعني صاحبها. وكذلك ذكر العلماء أن هذا لأجل كذلك التيسير، حتى لا تقع مشقة لكثرة وقوع ذلك، خصوصًا في ذاك الزمان، ما بداية الإسلام، وكذلك قلة التعفف في أول الأمر، لكون أكثر الضعفة يقع منهن أو منهم مثل ذلك. والمشقة تجلب التيسير. وقوله: «بل يبعها ولو بحبل من شعر»، معناه أنه لا يبقيها، فمثلها لا يصلح أن تبقى في بيت مسلم، لأنها قد تضر به وبأهل بيته. وهذا من باب ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أشدهما ضررًا، فوجودها في البيت ضرره أشد من خروجها خارج البيت، ما دامت على هذا الوصف. وأما معنى «لا يثرب»، أي لا يشدد في التوبيخ، حتى لا يعين الشيطان عليها. قال رحمه الله تعالى: باب حد السرقة. قال: من سرق مكلفًا مختارًا من حرز ربع دينار فصاعدًا، قطعت كفه اليمنى. ويكفي الإقرار مرة واحدة، أو شهادة عدلين. ويندب تلقين المسقط، ويحسم موضع القطع، وتعلق اليد في عنق السارق. ويسقط بعفو المسروق عليه قبل البلوغ إلى السلطان، لا بعده، فقد وجب. يعني إذا بلغ السلطان. ولا قطع في ثمر ولا كثر ما لم تؤوه الجرين، إذا أكل ولم يتخذ خبنة، وإلا كان عليه ثمن ما حمله مرتين، وضرب نكال. وليس على الخائن والمنتهب والمختلس قطع. وقد ثبت القطع في جحد العارية. هذه مجموعة من المسائل ذكرها رحمه الله فيما يتعلق بالسرقة وحدها. قوله: باب حد السرقة، كما تقدم الباب لغة ما يدخل منه ويخرج، والمراد ها هنا الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة حكم حد السرقة. وقد تقدم معنى الحد. وقوله: السرقة، السرقة كما دلت عليها نصوص الشرع: أخذ المكلف لمال المحترم من حرزه وبقدره شرعًا. فما كان كذلك فهو السرقة. فلو وقع من غير مكلف، وبعضهم يزيد قيد الاختيار، وإلا في الحقيقة التكليف يكفي في الإشارة إلى معنى الاختيار. فلو وقع من غير المكلف، لم يحد حد السرقة، ولم يكن في معنى السرقة التي توجب الحد، وإن كان قد يكون عليه التعزير، وهذا يرجع إلى الإمام. قوله رحمه الله: من سرق مكلفًا مختارًا من حرز، هذه شروط السرقة. أما التكليف فلما تقدم من أدلة تكررت معنا في الأبواب السابقة، فالبالغ العاقل هو المكلف. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس، ومعناه عن علي رضي الله عنه: «وضع القلم»، وفي رواية: «رفع القلم»، وهو حسن بمجموع طرقه، عن ثلاثة، وذكر منهم الصبي حتى يحتلم، والمجنون، وفي رواية المعتوه حتى يفيق. وأما شرط الاختيار، فكذلك لما تقدم من أدلة، ربنا: ﴿لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾ الآية. ولأنه بهذا الوصف يكون في معنى غير المكلف. على أن العلماء فرقوا في الإضطرار: أن منه ما هو ملجئ، ومنه ما هو غير ملجئ. ولكن سيأتي أن هذا التفصيل على الصحيح في القتل. وأما في غير القتل كالسرقة، فهو سواء. وقوله: من حرز، خرج بالحرز ما كان ليس في حرز، مثل الذهب إذا وجد في حوش الغنم، فمن أخذ الذهب من حوش الغنم لم تقطع يده، لأن صاحبه قد فرط فيه. ولو كان حوش الغنم في الحقيقة هو مكان لصاحب البيت، لا يجوز لمن وجد شيئًا فيه أن يأخذه، لأن للمكان مالك. لكن لا يوجب مثل هذا القطع، لأن هذا ليس حرزًا للذهب، بخلاف ما إذا أخذ شاة من هذا الموضع، فهذا حرز. وقوله: ربع دينار، لما سيأتي من الأدلة إن شاء الله تعالى. وقوله: قطعت كفه اليمنى، سيأتي إن شاء الله دليله. أما دليل اشتراط الحرز في القطع، فقد أشار في الشرح لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فيما رواه داود وغيره، في قول النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث حسن، وقد سأل رجل في ذلك عما يؤخذ من ماذا من الحريسة، أو من مراتعها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «فيها ثمنها مرتين، وضرب كال»، يعني تعزير. «وما أخذ من عطنه، ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن»، يعني إذا بلغ حد ما يكون فيه القطع. والمجن، أي الترس. قال: «يا رسول الله، فالثمار؟ وما أخذ منها في أكمامها؟ قال: من أخذ بثمه ولم يتخذ خبنة، فليس عليه شيء»، معناه: من أخذ ما يملئ فمه، فأكل، فهذا ليس عليه شيء. «ومن احتمل»، يعني حمل معه فوق ما يحتاج من أكله، «فعليه ثمنه مرتين». ومعناه: أنه تعزير، يعاقب بأن يدفع ثمنه مرتين، حتى لا يتجرأ أحد على أخذ مال أحد بغير إذن. «وضرب نكال»، يعني فوق العقوبة المالية، كذلك عقوبة بالضرب. قال: «وما أخذ من أجرانه، ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن». ومعنى أجرانه، أي الموضع الذي يحفظ تحفظ فيه الثمار. فإذن في هذا الحديث التفريق بين ما يؤخذ من مكان حفظه، وكان قد بلغ ثمن القطع، قطع، فتقطع يده. وما كان في غير مكان حفظه، مثل الحريسة، أي المكان الذي يحرص، وهو واسع، وليس هو المكان الذي يحفظ، ويكون فيه حرز ذلكم الشيء. ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بين هذا وهذا. فكذلك قال العلماء: من باب أولى أن يفرق فيما هو أعلى من هذا، مثل المثال الذي تقدم. فمن أخذ الذهب من موضع الغنم، مثلًا إذا وجده، هو آثم ومعتدي، لكن لا يجب عليه القطع، بل يعزر لهذا الحديث، وما كان بمعناه مما روي في هذا الباب. وأشار كذلك إلى حديث آخر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق سرق برنسًا من صفة النساء، ثمنه ثلاثة دراهم. وقوله: برنس، البرنس معروف الذي يستر الرأس مما يتصل بالثوب، يعني ثوب له رأس. ومنه ما يكون للرجال، ومنه ما يكون للنساء. وهذا لباس يعرفه أهل المغرب العربي إلى يومنا هذا، ولا يزال من خصائص لباسهم، اشتهر في لباس أهل المغرب العربي البرنس للنساء، والبرنس للرجال. والشاهد في قوله: من صفة النساء، يعني من مكان مسكن النساء، الذي هو مكان حفظه. ثمنه ثلاثة دراهم، يعني بلغ المبلغ الذي فيه يكون القطع، وهو ربع دينار كما جاءت به الأحاديث الأخرى، لأن الدينار يعادل اثني عشر درهمًا، فربع الدينار ثلاثة دراهم. وتقدم معنا في دروس سابقة أن الدينار الواحد يساوي أربعة جرامات وربع الجرام من الذهب، يعني ما قيمته أربعة جرام وربع. وأشار كذلك إلى حديث آخر بمعناه، رواه الإمام مسلم في قصة صفوان. وسنأتي الكلام عليه، معناه: أن الحرز يختلف، فقد يكون الحرز في الدولاب، وقد يكون الحرز تحت اليد وتحت الرأس، لأن قصة صفوان: أنه أخذه من تحته وهو نائم. كما سيأتي إن شاء الله. وفيه دليل على أن الحرز لا يشترط أن يكون في البيت، حتى المسجد فيه حرز. ننتبه لهذا، لأن هذا الآن الحديث والذي قبله في المسجد، في قصة سرقة من المسجد. فالمسجد قد يكون فيه حرز. فإذا أخذ شيء من تحت إنسان، هذا حرزه نائم عليه، أو من جيبه هذا حرزه. نعم، أو كذلك من دولابه الخاص له دولاب خاص، فتحه وأخذ منه شيء، هذا حرز. هذا حرز. أو حتى من المكتبة، الكتاب الثمين في مكتبة المسجد حرز، فإذا أخذه من المكتبة، أخذه من حرزه. بل حتى الساعة على جدار المسجد، حرزها مكانها. فكل شيء له حرز خاص به. أما ما ذكر من النصاب في قوله: ربع دينار فصاعدًا، فكما أشار في الشرح لحديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا. وهذا فيه دليل أن الحد الأدنى ربع دينار بالنسبة للثمن. وفي رواية لمسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا». وفي لفظ لأحمد: «اقطع في ربع دينار، ولا تقطع فيما هو أدنى من ذلك». وما روي من أحاديث فيها ما يدل على القطع فيما ظاهره أو ما يظن أنه دون ذلك، فهو ليس كذلك. وقد أشار إلى بعض هذه الأحاديث. فمثلًا قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي تقدم، معناه: «لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن». قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار. فيه دليل أن المجن الذي هو الترس الذي سبقت الإشارة إليه، قيمته ربع دينار. قد يظن الإنسان أنه ليس قيمته كذلك، بل هو قيمته كذلك. وهكذا حديث ابن عمر في الصحيحين: قطع النبي صلى الله عليه وسلم في مجن ثمنه ثلاثة دراهم. إذن لو وجد مجن قيمته أقل من ربع دينار، فليس فيه القطع، حتى لا نقول كل مجن فيه القطع. ننتبه لهذا، لأن لفظ مجن قضية عين، هذه تسمى عند العلماء قضية عين. وقضايا الأعيان لا عموم لها. قضايا الأعيان لا عموم لها، يعني ما نقول: قطع في مجن، إذن كل مجن فيه قطع. نقول: لا، الحديث واضح وصريح أنه لا يقطع في أقل من ربع دينار. وجاءت في الروايات الصحيحة الصريحة أن المجن الذي قطع فيه النبي صلى الله عليه وسلم كان قيمته ربع دينار. إذن نقول: ما كان قيمته ربع دينار، فيه القطع. وإذا وجد مجن قيمته أقل من ربع دينار، فليس فيه القطع. هكذا دلت الأدلة، أو على هذا دلت الأدلة. وهكذا كذلك أشار رحمه الله إلى حديث آخر في الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده». وأشار وفسر أن المراد بالبيضة: بيض الحديد، يعني ما هو بمعنى المغفر، ما يوضع على الرأس فيكون كالبيض، في بياضه لأنه غالبًا يكون من معدن الحديد الذي يكون فيه بياض كبياض البيض، وسمي بيضه لأنه كذلك شكله مبيض كالبيض. وقال بعض أهل العلم: هذا الحديد إنما يحمل إذا أريد به البيضة الحقيقية، أنه من باب أنه يبتدئ بالبيضة والحبل، الشيء اليسير الذي لا تقطع فيه يده، إلى الشيء الثمين الذي تقطع به يده، يعني معنى التحذير من الوقوع في السرقة ولو في الشيء اليسير، لأن اليسير سيوقع في الكبير العسير. وكل التفسيرين صحيح، سواء قلنا هذا أو هذا، لأنه يوجد قد يوجد من البيضة التي توضع على الرأس ما قيمته أقل من ربع دينار، وقد يوجد من الحبل ما قيمته أقل من ربع دينار، فيكون معناه أنه يوصل الوقوع في السرقة إلى الاسترسال في هذا الباب والتوسع، حتى يسرق ما تقطع فيه اليد. فإذن الخلاصة: لا قطع في أقل من ربع دينار. وربع دينار كما قلنا ما يعادل واحد جرام وربع، ربع الجرام. واحد جرام وربع، ربع الجرام. فما كان قيمته كذلك، ففيه القطع. والذهب كما تعرفون يختلف قيمته من زمان إلى آخر، ومن مكان إلى آخر. قوله رحمه الله: قطعت كفه اليمنى، يعني تقطع من الكف. أما كونه تقطع من الكف، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وستأتي بعض الأحاديث في ذلك، أنه أمر بها فقطعت من الكف، وهو معنى قول الله عز وجل: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾. فالمراد باليد إذا أطلقت: الكف. ولهذا في آية الوضوء لما أريد ما هو زائد عن الكف، قال: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾. فاستدل العلماء بهذا أن اليد إذا أطلقت أريد بها الكف، وإذا أريد بها أكثر من الكف، فلابد من القيد. ولهذا في آية الوضوء ذكر المرافق. وفي هذا فائدة فقهية في مسألة من المسائل الفقهية، وهي أن آية التيمم حين أمر الله عز وجل بالمسح، ذكر اليد، تبقى اليد على معنى الكف. وبه يعلم خطأ قول من قال من أهل العلم: أن المراد بها كما ذكرت في آية الوضوء. وما روي في هذا الباب مرفوعًا لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وما روي عن بعض الصحابة، لو قدر أنه صح، لكان خطأ خلاف الصواب، لأنه أولًا ليس هو معناه في نص القرآن لما سمعنا وفهمنا، ولأنه ثانيًا جاء صريحًا في السنة في حديث عمار وغيره: أنه يكفيه أن يضرب بكفيه هكذا. ولم يذكر اليدين إلى المرفقين. فحديث ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا لم يصح، لا من جهة السند، ولا من جهة المعنى، في أنه إلى المرفق يمسح في التيمم. وقوله: كفه اليمنى، لأنه يبدأ بها كذلك، كما صح معناه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله: ويكفي الإقرار مرة واحدة، كما تقدم في حق الرجم، فمن باب أولى في القطع، فمن باب أولى في القطع. وكذلك لما ثبت في قصة رداء صفوان، فإنه اعترف، وقرره النبي صلى الله عليه وسلم، وكرر عليه التقرير، فكرر الاعتراف. والحديث كما تقدم أصله في صحيح مسلم. وأشار إلى ذلك رحمه الله في الشرح. وقوله: أو شهادة عدلين، أي في إقامة هذا الحد، حد السرقة. أشار إلى أن هذا مأخوذ من عموم الأدلة في هذا الباب، فالأصل في الشهادة: شهادة رجلين عدلين. ولما كان في حد الزنا خاصة يطلب ما هو زائد عن الرجلين، زيد فيه وذكر أنه أربعة، كما جاء في آية النساء، وغيرها من الأدلة الأخرى التي تدل على ذلك. وقوله: ويندب تلقين المسقط، يعني يستحب أن يقرر، ويكون في تقريره ما فيه ما يسقط عنه الحد. هذا كما قلنا في الإقرار، فالإقرار يختلف عن الشهادة، كما تقدم. الأدلة دلت على التفريق بين المقر وبين من ثبت عليه الحكم بشهادة الشهود، لأن من ثبت عليه بشهادة الشهود، هذا معنى نوع من الإشاعة، وهو كذلك موجب لما قد يقع من الفتن إذا لم يقم الحد، فعند ذلك كان الحكم محكمًا. وأما في إقرار المقر، فإنه يكون الأمر مختلفًا، إذا أمكن أن يرد المقر عن إقرار، كان ذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ما تقدم من أحاديث في باب الاعتراف بالزنا من المحصن والمحصنة، وهكذا كذلك ها هنا في حق السارق. ففي هذه الرواية التي حسنها بعض أهل العلم بمجموع طرقها، وأصلها في صحيح مسلم: أنه قال عليه الصلاة والسلام للسارق حين اعترف: «ما أظنك سرقت»، يعني ما أظن أنك سرقت. فقال: بلى، مرتين أو ثلاثًا. فاستدل العلماء بهذا أنه فيه دليل على جواز تلقين المعترف ما يسقط عنه الحد. فإن تراجع في الاعتراف، قبل منه ذلك، وتوبته بينه وبين ربه وخالقه سبحانه وتعالى. ولو وصل إلى السلطان، بخلاف ما إذا ثبت بشهادة الشهود، على القول الصحيح. وهذا وهذا، جمعًا بين الأدلة الواردة في هذا الباب، لأن الأدلة فرقت بين إقرار المقر، وبين كذلك شهادة الشهود. وأشد من هذا: أنه لو أقيم أو أريد إقامة الحد على المقر، ففر، فإنه لا يتابع، ويترك. لما ثبت في قصة ماعز، قال النبي عليه الصلاة والسلام حين فر من شدة ألم الرجم: «لو تركتموه»، أو كما قال، كما مر معنا عنه عليه الصلاة والسلام. وما ذكره رحمه الله من حسم موضع القطع، فكما أشار في الشرح لما ثبت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سارق سرق واعترف على نفسه: «اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه». ومعنى احسموه: يعني أوقفوا ما ينزف من دمه، بوضعه في الزيت الحار، هذا يسمى حسم اليد المقطوعة، تغمس في الزيت الحار حتى يحسم الجرح، فيتوقف النزيف. قال: فقطع، فأثي به، فقال: «تب إلى الله». فقال: قد تبت إلى الله. فقال: «تاب الله عليك». وفيه استحباب تلقين السارق التوبة. وهل يجوز أن يستبدل بما كان بمعناه من الطب الحديث الصحيح، أنه يجوز إذا قال قائل: بدلًا من الحسم، قد نستعمل بعض العلاجات والمجارحات التي تغني عن الحسم؟ اختلف أهل العلم في هذا. والصحيح أنه يجوز. وقد رجحه عدد من أهل العلم، ومنهم شيخنا محمد صالح العثيمين رحمه الله. وما أشار إليه رحمه الله في قوله: وتعلق اليد في عنق السارق، لما ثبت كذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد صح أنها علقت في زمنه، وهكذا كذلك في زمن الصحابة من بعده. وقد أشار إلى حديث فضال بن عبيد في سارق قطعت يده، ثم أمر بها، فعلقت في عنقه. وأشار إلى أن في إسناده شيء من الضعف، فيه الحجاج بن أرطأة، قال النسائي: ضعيف، لا يحتج به. لكن كما أشار بعض أهل العلم: أن هذا الحديث ثبت من فعل عدد من الصحابة موقوفًا، وهو من الموقوف الذي له حكم الرفع، لأن مثل هذا لا يفعل بالرأي. لأن مثل هذا لا يفعل بالرأي. وأما كونه لم يثبت في الأحاديث الأخرى، فهذا يدل على عدم وجوبه، يعني معناه: على حسب المصلحة، إذا اقتضت المصلحة أن تعلق في عنقه، حتى يتعظ الناس، علقت في عنقه. وإن اقتضت المصلحة التي تعلق في عنقه لم تعلق في عنقه، فهو بحسب ما تقتضيه المصلحة. وأما ما ذكره رحمه الله: أنه يسقط بعفو المسروق عليه قبل البلوغ إلى السلطان، لما تقدم كما أشار في حديث صفوان. وجاء في حديث عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب». والحديث كما أشار، وذكر في التعليق كذلك حديث صحيح، هو حسن، وجاء من طرق، ومعناه صحيح، ويدل عليه أصل حديث صفوان. وإن كان حديث صفوان اختلف العلماء في ألفاظه، لكن حديث ابن عمر صريح في المسألة. وهذا يحمل إذا ثبت بشهادة الشهود، إذا ثبت بشهادة الشهود. أما إذا تراجع المعترف، أو كذلك المقر، فهذا كما تقدم له حكم آخر. وأما ما ذكره رحمه الله: إلا إذا بلغ السلطان، فلهذا الحديث لقوله: «لا بعده فقد وجب»، يعني إذا بلغ إلى السلطان، فقد وجب القطع. وأما ما ذكر من أنه لا قطع في ثمر ولا كثر ما لم تؤوه الجرين، معنى لا قطع في الشيء الذي يؤكل من الثمار، ولا كذلك ما يؤخذ من الجمار، وما كان بمعناه مما لا يكون مبلغ ما يوجب القطع، لأن الغالب أن الإنسان إذا أكل ما يبلغ ما أكل قيمة نصاب القطع. وهكذا كذلك إذا أخذ الشيء من غير حرزه، كما تقدم في الحديث، إذا أخذه من غير حرزه، فبهذين الأمرين يسقط القطع. لكن سقوط القطع لا يعني سقوط العقوبة، فقد تجب العقوبة، للتفريق، فيكون عليه التعزير، فيكون عليه التعزير. ومن التعزير كما تقدم: أن يدفع الثمن مرتين، وأن يضرب ضرب نكال، فتكون عليه عقوبة مالية، وعقوبة بدنية. وتقدم الحديث: «ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين، وضرب نكال». «وما أخذ من أجرانه، ففيه القطع إذا بلغ ما يأخذ من ذلك ثمن المجن». وقوله رحمه الله: ليس على الخائن، نعم، إذا أكل من تخذ خبنه، إلا كان عليه ثمن محمل مرتين. طيب هذا مر. وليس على الخائن والمنتهب والمختلس قطع، يعني فيما لم يقع فيه معنى السرقة، لأن هذه الصور فيها شبهة فيها شبهة تمنع من القطع. هذا من جهة المعنى. وورد في هذا حديث صحيح في قوله عليه الصلاة والسلام: «ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع». لماذا؟ لأن مثل هذه المواضع مواضع فيها شبهة تمنع من القطع. لأن الخائن هو من توضع عنده الأمانة، فيخون. وهذا معناه أن الرجل أخطأ في وضع الأمانة في غير مكانها. وهذا معناه كذلك أن الرجل أخذ المال من غير حرزه، لماذا؟ لأن المال أتى إليه. وكما تقدم: لو أخذه من غير حرزه، لما وجب فيه القطع، فشروط القطع لم تتوفر. فهنا لا يقطع. وهكذا كذلك المنتهب، وإن كان الأول آثم وفاعل لكبيرة، بل صفة من صفات المنافقين. والثاني آثم وفاعل لكبيرة، صفة من صفات غير المؤمنين. والثالث آثم وفاعل لكبيرة كذلك، لكن ليس في الجميع القطع. وقوله في إقامة الحد على جاحد العارية، كما أشار لما ثبت في الصحيح من حديث عائشة في قصة المرأة المخزومية من قريش، كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها. والسبب في هذا التفريق: أن أخذ هذا المتاع كان من حرزه، أخذ هذا المتاع كان من حرزه. وجحود الاستعارة، الشيء المستعار، هذا معنى من معاني السرقة، معنى من معاني السرقة. فلهذا من جهة الدليل، ومن جهة التعليل، ثبت ما يوجب القطع في حق من فعل هذا الفعل. وقد صح معنى هذا الحديث عن جماعة من الصحابة، جاء عن جابر، وجاء عن ابن عمر، وعن جماعة، وهو الصحيح في هذه المسألة. وإن كان بعض أهل العلم خالف، لكن الصواب هو هذا. طيب هذه المسائل التي أشار إليها في هذا الباب. وبهذا نكتفي، والله تعالى أعلم.