الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 66، ألقاها
يشرح المقطع مفهوم الخوف في الإسلام وأنواعه، حيث يعتبر الخوف من الله عبادة جليلة، بينما الخوف من غير الله قد يكون شركًا أكبر إذا اعتقد فيه القدرة على النفع والضر.
يتناول المقطع تحليل مفهوم الخشية وعلاقتها بالتوحيد والإيمان، موضحًا أن الخشية نوعان: خشية عبادة لله وحده، وخشية طبيعية من الأسباب الدنيوية.
الخشية الطبيعية أمر لا مفر منه، لكن المؤمنين يختلفون في التعامل معها، فمنهم من يتأثر بها سلبيًا ومنهم من يبقى ثابتًا بفضل توكله على الله وإيمانه.
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى: قال قوله - أي قول إمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله - في كتابه «التوحيد»، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]. قوله رحمه الله تعالى: «باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾» ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى هذا الباب في كتاب التوحيد، ومناسبة ذكر هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة، ولا سيما وقد ذكره رحمه الله تعالى بعد الباب الذي قبله، وهو قوله: «ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله». ومعنى هذا: أن الخوف من الله جل وعلا عبادة كريمة وعظيمة وجليلة، يتقرب بها العبد إلى خالقه وربه ومولاه جل وعلا، وكلما كملت هذه العبادة كمل إيمان العبد وكمل توحيده، وكلما نقص من إيمانه وتوحيده بحسب ما يكون في قلب ذلك العبد من قلة الخوف من الله جل وعلا. وهذا الباب كالباب الذي قبله، وهو أن الخوف من الله جل وعلا من العبادات القلبية التي يحبها الله جل وعلا، ومن الأعمال القلبية التي يحبها الله جل وعلا، أي إن كانت لله جل وعلا خالصة. وكلما كان العبد بربه جل وعلا أعرف كان منه أخشى، ولذا كان أخشى الناس لله رب العالمين جل وعلا العلماء، لكمال معرفتهم بالله رب العالمين جل وعلا، هذا أمر. وأمر آخر: ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن المحبة من حيث هي على أسباب، وأن الخوف من حيث هو على أسباب، كما أن المحبة على أسباب، فالخوف إذا كان من الله جل وعلا على علم بالله جل وعلا، هذا النوع من الخوف عبادة جليلة. والخوف من الله جل وعلا: أن يخاف العبد من ربه جل وعلا أن يقع في شيء من الأمور التي تسخط الله جل وعلا، وتبعد العبد عن ربه جل وعلا، فهذا الخوف محبوب إلى الله جل وعلا، ومطلوب من العبد أن يكون كذلك، أي أن يكون خائفًا من الله رب العالمين جل وعلا من أن يقع في شيء مما حرمه الله جل وعلا، فيكون بذلك سببًا لبعده من الله رب العالمين جل وعلا. والخوف الذي هو خوف العبادة: هو الخوف المشرب بالمحبة والإجلال والتعظيم، فكل خوف مشرب بالمحبة والإجلال والتعظيم فهو خوف عبادة، فإذا كان هذا الخوف لله رب العالمين جل وعلا فهو عبادة وتوحيد وإيمان، وكلما أخلص فيه العبد كلما أخلص في توحيده وارتقى في إيمانه وازداد وكمل إيمانه وتوحيده، وكلما حصل منه شيء من النقص والتقصير كلما حصل كذلك نقص وتقصير في توحيده. هذا القسم الأول: هو خوف العبادة، والخوف من الله رب العالمين جل وعلا. القسم الثاني: الخوف الذي يلقبه العلماء رحمهم الله تعالى بخوف السر، وهو أن يخاف العبد غير الله جل وعلا في السر كخوفه من الله جل وعلا، فيعتقد في غير الله جل وعلا أن له قوة وتأثيرًا وأنه يستطيع أن يبطش بذلك الغير وأنه قادر على أن يفعل به ما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا، فهذا النوع هو نوع شرك بالله جل وعلا، وهو من قبيل الشرك الأكبر؛ لأنه اعتقد في غير الله جل وعلا أنه يستطيع أن يفعل وأن يعلم ما لا يعلمه إلا الله جل وعلا، فيعتقد في ذلك الغير أنه ممن يملك النفع بذاته وممن يملك الضر بذاته، وهذا بذاته شرك أكبر بالله جل وعلا. ومنه كذلك خوف العبادة إذا صُرف لغير الله جل وعلا، وهذا منه - أي النوع الثاني الذي يلقب بخوف السر - هو في الحقيقة مشرب بصرف خوف العبادة إلى غير الله جل وعلا؛ إذ أنه يخاف غير الله جل وعلا كخوفه من الله جل وعلا، بل قد يكون أشد مع المحبة والإجلال والتعظيم وما شابه ذلك. فهذا شرك أكبر، وهو كما سمعتم ما يسميه العلماء ويلقبونه بخوف السر، كما قال الله جل وعلا عن أولئك المشركين الأول: «إِنَّا نَقُولُ إِلَّا إِنَّ إِلَهَنَا قَدْ أَصَابَكَ بِسُوءٍ»، فهذا من خوف السر؛ لأنهم يعتقدون أن غير الله جل وعلا له تصرف في إيقاع الضر بمن خالف أمره. فهذا نوع شرك، بل هو من الشرك الأكبر؛ لأنه يعتقد في غير الله جل وعلا أنه يعلم الغيب، بل ويستطيع أن يضر من أراد أن يضره ولو كان بينه وبينه المفاوز، ولو كان ذلك المعتقد فيه من الأموات وقد صار إلى ما صار إليه من الرفات والتراب، فيعتقدون فيه هذا المعنى. وهذا كما سمعتم من شرك الأولين، وهو كذلك موجود في شرك الآخرين، فكثير من المتأخرين ممن يعتقد أن غير الله جل وعلا من الأولياء ومن السادة ومن المقبورين ومن أصحاب الأضرحة أن له قوة وتأثيرًا يستطيع أن يعلم ما في الصدور ويستطيع أن يوقع في الغير ما أراد أن يوقعه به، وهذا كما سمعتم من الشرك الأكبر والعياذ بالله، لذا تحكى القصص تلو القصص أن بعضهم ربما إذا دخل على سيده زعم من الأولياء أو أراد أن يزور الولي الفلاني ربما وضع كفه على صدره على قلبه وخضع وأناب وذل لذلك الولي زعمًا خشية أن يعلم ما في صدره وما في قلبه فيوقع فيه الضرر. وهذا يشبه ما حصل في الزمن الأول حينما أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد أن يهدم العزى فهدمها، ثم قال له: «ما صنعت شيئًا»، فرجع فهدمها مرة أخرى، فخرجت امرأة ناشزة الشعر عارية، فجعل المشركون يقولون: «خب ليه يا عزة، خب ليه يا عزة» - أن يعتقدون فيها أنها قادرة على إيقاع الضر بمن شاءت بذاتها وأنها تنفع كذلك من شاءت - فلما علاها خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه بالسيف فقتلها، علم المشركون حينها أنها لا شيء، إنما هي اعتقادات ليس وراءها حقيقة، وإنما هو من تخويف الشيطان ومن تسويل الشيطان. لذا ألمح الشيخ رحمه الله تعالى بهذا الباب إلى هذا المعنى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنْ الشَّيْطَانِ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: إن ذلك من تخويف الشيطان بأوليائه، الشيطان يخوف من يخوف بأوليائه. فهذا من هذا النوع، ونوع آخر وقسم ثالث من الخوف: الخوف الطبيعي الجبلي، كخوف الإنسان من النار ومن الحية ومن السبع وما شابه ذلك، فهذا خوف طبيعي. لكن كما تقدم معنا في أقسام المحبة: إذا كان ذلك الخوف قد بلغ مبلغًا بذلك الإنسان حتى إنه منعه من فعل واجب يقدر عليه أو ترك محرم يقدر عليه، فإن هذا يكون من خوف المعصية، فإن هذا يكون من خوف المحرم، بل ربما يكون نوع شرك باعتبار أنه ربما قدم طاعة من يخافه على طاعة الله رب العالمين جل وعلا، بهذا الاعتبار يكون نوع شرك أصغر، أن يخاف غير الله كأن يخاف المرؤوس من رئيسه والمدير من مديره وما شابه ذلك، أن يوقع به الأذى إن لم يطعه فيطيعه على معصية الله خوفًا منهم، فهذا الفعل محرم، وكذلك هو نوع شرك أصغر؛ لأنه قدم طاعة غير الله جل وعلا خوفًا منه على طاعة الله جل وعلا وعلى خوفه من الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «ومن كيد عدو الله أنه يخوف المؤمنين بأوليائه»، أي: أن الشيطان من كيده أنه يخوف المؤمنين بمن بأوليائه من الشياطين والطواغيت ومن كان على شاكلتهم. قال رحمه الله: «لئلا يجاهدوهم ولا يأمروهم بمعروف ولا ينهوهم عن منكر»، وأخبر تعالى أن هذا من كيد الشيطان وتخويفه، ونهاهم ونهانا أن نخافهم، قال: «والمعنى عند جميع المفسرين: يخوفهم بأوليائه»، قال قتادة: «يعظمهم في صدورهم»، أي: يعظم أولياءهم من الشياطين من الطواغيت من الكافرين في صدور المؤمنين حتى يوقع في قلوب المؤمنين رهبة وخوفًا ووجلًا من أولئك، فيتركون أمر الله خوفًا منهم. قال رحمه الله تعالى: «فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم»، فدلت هذه الآية على أن إخلاص الخوف من كمال شروط الإيمان؛ لأن هذا الخوف إذا كان سببًا لترك أمر الله جل وعلا كان من خوف المعصية، ومن خوف المحرم، وهو منقص للتوحيد والإيمان، فإذا أكمله العبد أكمل توحيده وإيمانه، وإذا نقص نقص بحسب ذلك. قال رحمه الله تعالى: «وسبب نزول هذه الآية مذكور في التفاسير والسير»، أي: في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أي: بعد أن قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 173-175]. وهذه الآيات نزلت بعد وقعة أحد، بعد أن حصل ما حصل يوم أحد، ورجع المشركون، اجتمع أو جمع النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، وكان منهم الجريح وكان منهم المصاب وكان منهم من به قروح ومنهم ومنهم، فجمعهم النبي صلى الله عليه وسلم لإعادة الكرة على المشركين، فانطلقوا فلما كانوا في الطريق أخبرهم بعض الناس أن قريشًا قد أعدت لهم العدة، قالوا لهم: «فارجعوا»، خوفهم بالمشركين، فلم يزد المؤمنين إلا إيمانًا، وقالوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، كما في الآية: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله. فالشاهد من هذا: أن أهل الإيمان لم يتأثروا ولم تضعف عزائمهم من ذلك الإرجاف ومن ذلك التخويف من الشيطان، وإنما ساروا حتى بلغوا حمراء الأسد، ثم رجعوا بعد ذلك سالمين ومع رضوان الله رب العالمين جل وعلا لهم. قال رحمه الله تعالى: قوله: وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: 18]، الآية، أخبر تعالى أن مساجد الله لا يعمرها إلا أهل الإيمان بالله واليوم الآخر، الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا بجوارحهم وأخلصوا له الخشية دون ما سواه، فلا تقول: «المساجد عامرة» إلا بالإيمان الذي معظمه التوحيد، مع العمل الصالح الخالص من شوائب الشرك والبدع، وذلك كله داخل في مسمى الإيمان المطلق عند أهل السنة والجماعة. أي: هذه الأعمال كلها - أي إعمار المساجد إعمارًا حسيًا بالصلوات وتلاوة القرآن والذكر، وإعمارًا معنويًا بالصلاة فيها وتلاوة القرآن والذكر وما شابه ذلك - وكل هذا من الإيمان، وكل هذا كذلك لمن أخلص العمل لله جل وعلا توحيدًا لله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾، قال ابن عطية - أي: المفسر -: «يريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة»، أي: في قوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ تعظيمًا وإجلالًا وعبادة لله رب العالمين جل وعلا. وقوله: «يريد خشية التعظيم والعبادة والطاعة» إشارة منه إلى أن الخشية قد تكون كذلك وقد تكون غير كذلك، أي: من الخشية ما تكون عبادة، ومن الخشية ما لا تكون عبادة كما تقدم ذكره. قال رحمه الله تعالى: «ولا محالة أن الإنسان يخشى المحاذير الدنيوية»، يخشى المحاذير الدنيوية وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه. قوله: «ولا محالة أن الإنسان يخشى المحاذير الدنيوية»، أي: خشية طبيعية، خشية ماذا؟ طبيعية. ثم قال: «وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه»، أي: وإن كان يخشى هذه بطبعه، إلا أنه ينبغي أن يعلم أن الأمر كله بيد الله جل وعلا، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الأمر كله بيد الله جل وعلا الذي يقول للشيء: «كن فيكون»، والذي يجعل السبب سببًا نافعًا مثمرًا، وقد يمنع ذلك فيسلب السبب سببيته أو يمنعه بوجود مانع. فإذا يعلق العبد قلبه بالله جل وعلا ولو في الأمور الحسية التي يخشاها طبعًا، كما مثلنا: الإنسان من عادته أنه إذا رأى اشتعال نار يخاف، يفر، يفزع، لكن المؤمن يعلم بإيمانه أن تلك النار إنما هي السبب للإحراق، وأنها بقضاء الله جل وعلا وقدره، وأن الله جل وعلا لو شاء أن يمنعها، لو شاء أن يمنعها الإحراق لمنعها، ولو شاء أن يجعل لها مانعًا يمنعها من خاصيتها لجعل. ولكم أو لنا جميعًا عبرة بخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، ألقي في النار، هل انزعج؟ هل خشي الناس وخشي تلك الأسباب؟ الجواب: لا، ألقي في النار، وقبل أن يلقى في النار قال: «حسبي الله ونعم الوكيل»، كلمة واثق بربه جل وعلا، متوكل عليه، ناظر إلى خالقه ومولاه أن الأمر كله بيده، فسلب الله جل وعلا النار خاصيتها المحرقة؛ لأن الله جل وعلا هو خالق السبب وخالق المسبب، فقال: «النار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم»، آية من آيات الله جل وعلا. فالشاهد من هذا: أنه كما ذكر رحمه الله الأصل في الخشية في قوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: خشية العبادة، لم يخش إلا الله خشية العبادة؛ لأن صرف هذا النوع من الخشية لغير الله جل وعلا شرك بالله. لكن الخشية الطبيعية: هذه لا محالة منها تقع في قلب العبد، لكن الناس في هذه الخشية متفاوتون، منهم الذي قد ينزعج انزعاجًا خفيفًا ثم يمضي ولا تؤثر فيه، ومنهم الذي ربما يحصل لهم من الخوف والهلع الشيء العظيم، هذا لا ينبغي للمؤمنين أن يكون كذلك. ومنهم من قد يكون ذلك الخوف وتلك الخشية سببًا لفعله شيئًا لا يرضاه الله جل وعلا، وفي المقابل منهم من ينظر إلى تلك الأشياء نظرة المؤمن الواثق بربه جل وعلا، فلا يتأثر بذلك، بل يبقى ثابت القلب رابط الجأش، لا يخشى من هذه الأشياء التي هي بالعادة وبالحس قد تكون سببًا للإضرار. وضربنا في ذلك مثالًا بنبي الله وخليل الله إبراهيم عليه السلام، ومثال آخر في خليل الرحمن محمد صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث جابر وغيره: حينما كان نائمًا تحت شجرة، فجاء أعرابي فاخترط سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان السيف صلتًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأعرابي يقول: «يا محمد من يحول بيني وبينك؟» - يعني تخيل إلى هذا الموقف ألا يسبب الخوف؟ ألا يسبب الهلع؟ ألا يسبب كذلك القلق؟ الجواب: نعم، لكن عندما عند من ضعف إيمانه. لكن انظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ماذا أجاب لذلك الرجل؟ «يا محمد من يحول بيني وبينك؟» قال: «الله»، كلمة الواثق بربه جل وعلا المعتمد على ربه جل وعلا، فماذا كان؟ قال: «فسقط السيف من يد الأعرابي وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وقال له حينها: «من يحول بيني وبينك يا أعرابي؟» فقال الأعرابي: «يا محمد كن خير آخذ، كن خير آخذ»، أي: اعف عني، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذان مثالان ممن هم القدوة العليا من البشر في تحقيق التوكل والثقة بالله رب العالمين جل وعلا، وعدم النظر إلى الأسباب ولو كانت ظاهرة لشدة الاعتماد على الله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «قلت: لأن النفع والضر إنما يكون بمشيئة الله وإرادته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن»، وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: «والخوف عبودية القلب، فلا يصلح إلا لله كالذل والمحبة»، قال: «كالذل والمحبة والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب». قال قوله رحمه الله تعالى: قال قوله: ﴿فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [الأعراف: 8]، قال: قال ابن أبي طلحة - أي: علي بن أبي طلحة - عن ابن عباس: «يقول: إن أولئك هم المهتدون»، قال: «وكل عسى في القرآن فهي واجبة»، أي: كل عسى في القرآن فهي واجبة إذا قال الله جل وعلا في القرآن: «عسى»، فإنها واجبة من الله جل وعلا؛ لأنه لا مانع لما أعطى ولا راد لحكمه سبحانه وتعالى. وهذا الأثر ثابت إلى ابن عباس رضي الله عنهما، ورواية علي بن أبي طلحة وإن كانت منقطعة، إلا أن الواسطة بينهما معروفة من ثقات أصحاب ابن عباس، كما نص على ذلك غير واحد، وقد اعتمدها البخاري رحمه الله تعالى وغيره، أي: اعتمد رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. قال رحمه الله تعالى: قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10]، الآية، قال ابن القيم رحمه الله: «الناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين، إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما أن لا يقول ذلك، بل يستمر على السيئات والكفر، فمن قال: آمنا، امتحنه ربه وابتلاه، والفتنة الابتلاء والاختبار، ومن لم يقل: آمنا، فلا يحسب أن يعجز الله ويفوته ويسبقه، فلابد من حصول الألم لكل نفس آمنت أو راغبت عن الإيمان». لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والمعرض عن الإيمان تحصل له اللذة ابتداء، ثم يصير لهم الألم الدائم. والإنسان لا بد أن يعيش مع الناس، والناس لهم تصورات وإرادات، فيطلبون منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له العذاب تارة منهم وتارة من غيرهم. إلى أن قال: «فالحزم كل الحزم في الأخذ بما قالت أم المؤمنين لمعاوية: من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئًا»، والأثر صح موقوفًا على عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وقد جاء مرفوعًا، وفي رفعه خلاف: هل ثبت أم لا؟ وكثير من الحفاظ يحكمون على الحديث بأن الراجج في الوقف. قال رحمه الله تعالى: «فمن هداه الله وألهمه رشده ووقاه شر نفسه امتنع من الموافقة على فعل المحرم وصبر على عداوتهم، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة كما كانت للرسل وأتباعهم»، ثم أخبر تعالى عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرة، وأنه إذا أوذي في الله جعل فتنة الناس له - وهي أذاهم ونيلهم إياه بالمكروه، وهو الألم الذي لا بد أن ينال الرسل وأتباعهم ممن خالفهم - جعل ذلك في فراره منه وتركه السبب الذي يناله به. فالمؤمنون لكمال بصيرتهم فروا من ألم عذاب الله إلى الإيمان وتحملوا ما فيه من الألم الزائل المفارق عن قريب، وهذا من ضعف بصيرته فر من ألم أعداء الرسل إلى موافقتهم ومتابعتهم، ففر من ألم عذابهم إلى ألم عذاب الله، فجعل ألم فتنة - عذاب الناس - في الفرار منه بمنزلة عذاب الله. وغبن كل الغبن: إذ استجار من الرمضاء بالنار، أي: فر من عذاب الناس وأذاهم اليسير المنقطع إلى عذاب الله جل وعلا الأليم الدائم، فكما قيل: «كالمستجير من الرمضاء بالنار»، فهو يفر من حر الشمس إلى حر النار والعياذ بالله. قال: «وفر من ألم ساعة إلى ألم الأبد»، وإذا نصر الله جنده وأولياءه قال: «إني كنت معكم»، أي: على الإيمان وعلى الصبر وعلى غير ذلك، والله أعلم بما في الصدور. قال رحمه الله تعالى: قوله: عن أبي سعيد مرفوعًا: «إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره»، قال: «هذا الحديث رواه أبو نعيم في الحلية والبيهقي»، قال: «وأعلوه بمحمد بن مروان السدين»، وقال: «ضعيف»، والراجح أنهم ضعيف جدًا، بل واهن. لكن للحديث شاهد من حديث ابن مسعود - يعني هذا الطريق حكم عليه بأنه موضوع - لكن له طريق أخرى من حديث ابن مسعود بمعنى، وحديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه فيه ضعف يسير، وجاء كذلك موقوفًا على ابن مسعود بإسناد لا بأس به. أي: بمعنى، قال رحمه الله تعالى: «وتمام هذا الحديث: أنه بحكمته جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط»، قال قوله: «إن من ضعف اليقين»، الضعف بفتح وسكون، وتضم ضاد مع سكون العين وتحرك عينه مع فتح الضاد، ضد القوة. قال ابن مسعود: «اليقين الإيمان كله، والصبر نصف الإيمان»، وهذا موقوفًا على ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. قوله: «أن ترضي الناس بسخط الله»، أي: أن تؤثر رضاهم على ما يرضي الله، وذلك إذا لم يقم بقلبك من إعظام الله وإجلاله وهيبته ما يمنعك من إيثار رضا المخلوق بما يجلب له سخط خالقه وربه ومليكه الذي يتصرف في القلوب، وبهذا الاعتبار يدخل في نوع من الشرك؛ لأنه آثر رضا المخلوق على رضا الله، وتقرب إليه بما يسخط الله. قوله: «وأن تحمدهم على رزق الله»، أي: على ما وصل إليك من أيديهم بأن تضيفه إليهم وتحمدهم عليه، والله تعالى هو الذي كتبه لك ويسره لك، فإذا أراد أمرًا قيض له أسبابًا، ولا ينافي هذا الحديث حديث: «من لم يشكر الناس لا يشكر الله»، والحديث رواه أبو داود وغيره، وإسناده صحيح من حديث أبي هريرة؛ لكون الله ساقه على أيديهم، فتدعوا لهم أو تكافئهم لحديث: «من صنع إليكم معروفًا فكافئوا، فإن لم تجدوا ما تكافئوا فادعوا لهم حتى تروا أنكم قد كافأتموهم». ومعنى هذا: أنك إذا نسبت النعمة إلى غير الله جل وعلا نسبتها إلى السبب، هذا شرك بالله جل وعلا، أما إذا شكرت من كان سببًا فهذا من شكر الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث: «من لم يشكر الناس لا يشكر الله»، فمن شكر الله جل وعلا أن يشكر من جعله الله جل وعلا سببًا، فهو يشكره؛ لأنه سبب، جزاك الله خيرًا، بارك الله فيك، وما شابه ذلك، هذا جائز. لكن أن تعلق قلبك به، أو أن تعتقد أنه هو الذي به ومنه ولولا كان ما كان، هذا الذي ينهى عنه، أما اعتقاد السببية: أنه كان سببًا فهذا لا بأس به، مع تعليق القلب بالله رب العالمين جل وعلا، وأنه هو المنعم حقيقة. قال رحمه الله تعالى: قوله: «أن تذمهم على ما لم يؤتك الله»، قال: «لأنه لم يقدر لك ما طلبته على أيديهم، فلو قدر لك ساقه القدر إليك، فمن علم أن الله وحده هو المتفرد بالعطاء والمنع بمشيئته وإرادته، وأنه الذي يرزق العبد بسبب وبلا سبب - يرزق العبد بسبب وبلا سبب، وهذا كثير - كم من إنسان يجد الخير والرزق من حيث لا يحتسب، من غير سبب، ومنهم من يجعل الله جل وعلا له أسبابًا، والله على كل شيء قدير، فهو يفعل ما يشاء كيف شاء سبحانه وتعالى». قالوا: «من حيث لا يحتسب لم يسأل حاجته إلا من الله وحده، ولعل ما منع من ذلك يكون خيرًا له، ويحسن الظن بالله سبحانه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يخاف إلا من ذنبه»، وقد قرر هذا المعنى في الحديث، وقد قرر هذا المعنى في الحديث بقوله: «إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره». قال شيخ الإسلام رحمه الله: «اليقين يتضمن القيام بأمر الله تعالى، وما وعد الله به أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره»، فإذا أرضيت الناس بسخط الله ولم تكن موقنًا لا بوعده ولا برزقه، فإنما يحمل الإنسان على ذلك إما ميل إلى ما في أيديهم، فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم، وإما ضعف تصديقه بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة. فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مؤنتهم، وأرضاؤه وإرضاؤهم بما يسخطه، إنما يكون خوفًا منهم ورجاء لهم، وذلك من ضعف اليقين، وهذا بهذا الاعتبار فيه نوع الشرك بالله جل وعلا لما تقدم. قال: «وإما إذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك، فالأمر في ذلك إلى الله لا لهم؛ لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن»، فإذا ذممتهم على ما لم يقدر لك، ما لم يقدر لك، كان ذلك من ضعف يقينك، فلا تخفهم ولا ترجهم ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك، ولكن من حمده الله ورسوله منهم فهو المحمود، ومن ذمه الله ورسوله منهم فهو المذموم. إذن الميزان يكون بأن يوزن العبد بميزان الإيمان وقربه من الله جل وعلا أو بعده من الله، فالمحبوب من أحبه الله، والمكرم من أكرمه الله، والمذموم من ذمه الله، والمهان من أهانه الله جل وعلا. قال: «ويدل الحديث على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال من مسمى الإيمان»، وهذا على مذهب أهل السنة والجماعة، فواضح. قال قوله: عن عائشة رضي الله عنها: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من التمس رضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس عنه، ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس»، رواه ابن حبان في صحيحه، وتقدم أن جماعة من الحفاظ يرجحون الوقف على عائشة رضي الله عنها وأرضاها. قال قوله: «من التمس»، أي: طلبة، قال شيخ الإسلام: «وكتبت عائشة إلى معاوية»، ويروى أنها رفعت، وقوله: «يروى» إشعار منهم بعدم التيقن بثبوتها مرفوعًا. قال: «من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغن عنه من الله شيئًا»، قال: «هذا لفظ المرفوع»، ولفظ الموقوف: «من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذامًا». قال: «وذلك من أعظم الفقه في الدين؛ فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، والله كاف عبده، ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، والله يكفيه مؤنة الناس بلا ريب، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغن عنه من الله شيئًا كالظالم الذي يعض على يديه»، وأما كون حامده ينقلب ذامًا فهذا يقع كثيرًا ويحصل في العاقبة؛ فإن العاقبة للتقوى لا تحصل ابتداء عند أهوائهم. والله تعالى أعلى وأعلم، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.