الدرس في شرح الفرائد البهية 45، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناولت المقاطع عدة قواعد فقهية مهمة مثل 'المشغول لا يشغل' و'المكبر لا يكبر' وتطبيقاتها الفقهية المختلفة. هذه القواعد تشكل أساساً للفهم الصحيح للعبادات والمعاملات في الفقه الإسلامي.
ناقشت المقاطع قاعدة 'من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه' وأثرها في سد الذرائع ومنع الفساد. كما تطرقت إلى استخدام الحيل الشرعية وحدودها في الفقه الإسلامي.
تناول المقطع الأخير مسألة استخدام الحيل الشرعية لتحقيق مقاصد معينة، مثل استخدام الأدوية لتحفيز الحيض، ويوضح حدود جواز هذه الحيل في الشرع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة الثامنة والعشرون: المشغول لا يشغل. قال: وقعد الأصحاب فيما ينقل بأنه المشغول ليس يشغل. ومن هنا ما جاز أن يرهن ما رهنه أخرى، كما قد علم، ولم يجز إراد عقدين على عين محلا واحدا في من جل. وها هنا في الأصل تفصيل أشد في العقد حيثما على العقد ورد. هذه قاعدة من القواعد الكلية الجزئية عند الشافعية وغيرهم، وهي قاعدة مشهورة: المشغول لا يشغل. وربما عبر عنها بتعابير بمعنى ذلك، مثل ما قال: لا يجوز إراد عقد على عقد. ومعنى هذه القاعدة أن الشيء المشغول، سواء أكان شخصا أو ذمة أو عينا أو عقدا، بعمل ما لا يجوز أن يوجه بعمل آخر. كالإناء المشغول بالماء لا يمكن شغله بشيء آخر لامتلاء محله بهذا الموجود فيه. ومنه نعلم أن هذه القاعدة تضطرد فيما إذا كان فيه هذا المعنى. واستثني من ذلك أشياء إذا حصل الإنفكاك، وسيأتي إن شاء الله الإشارة إلى ذلك. قوله: وقعد الأصحاب فيما ينقلوا، يريد بالأصحاب الشافعية. ومثل هذه العبارات انتقدها بعض أهل العلم لأنها تستدعي التعصب وما كان بمعنى ذلك من المذهبية التي لا تأتي بالخير. لكن اشتهرت في ألسنة الفقهاء، خصوصاً في أهل المذاهب، كل في مذهبه، فيعبرون به عن أهل المذهب. وهي في الحقيقة قاعدة كما تقدم، لا تنحصر بالشافعية، بل مذكورة عند غيرهم. قال: بأن المشغول ليس يشغل، يعني قاعدة الشافعية هذه القاعدة، وهي كذلك موجودة عند غيرهم. وقوله: ومن هنا ما جاز أن يرهن ما رهنه أخرى، كما قد علم، يعني المرهون لا يرهن لأنه مشغول برهنه الأول. فلو أن إنسانا رهن بدين، مثلاً وضع ذهبا أخذ دينا، ووضع رهنا لهذا الدين ذهبا، فهنا لا يجوز أن يرهن هذا الرهن في دين آخر. هذا هو معنى هذا البيت، وهذا المثال على هذا المعنى اشتهر عند الفقهاء. وفصل بعض أهل العلم وقال: هذا إذا لم يمكن اشتراك العملين في هذا الرهن. أما إذا أمكن جاز، مثل أن يكون الرهن أكثر من قيمة الدين، فيتناول هذا الدين ودين آخر عنده. مثلا حزام من الذهب، ربما قيمة الحزام ما يعادل ثلاثة ملايين، وأخذ دين بقدر مليون، كم بقي في قيمة الذهب؟ تقريبا اثنين مليون، فأخذ دين من إنسان آخر، قال: اعطني رهناً، قال: لي رهن عند فلان في دين بمليون، وأشركك فيه على أن يبقى الذهب عنده بهذا الشرط والقيد، هل يجوز أو لا يجوز؟ الصحيح إنه يجوز، ولكن تطييبا للأول يستأذن في ذلك. فما دام أنه لا يحصل التزاحم فيجوز على الصحيح. ومن هنا جاء الاستثناء فيما سيأتي إن شاء الله. وقوله: ولم يجوز إراد عقدين على عين محلا واحدا في من جل، يعني لا يجوز إراد عقدين على عين واحدة في محل واحد. مثاله لو أجر داره ثم باعها، فهذا الإيجار والبيع متعارض، أورد عقدين على محل واحد، وهذا بهذا الوصف لا يجوز. ولكن في قوله: ولم يجوز إراد عقدين على عين محلا واحدا في من جل، إشارة إلى أنه قد يفصل إذا كان هناك معنى للإنفكاك والإنفصال، كما سيأتي إن شاء الله، وبيّنه في البيت الذي بعده. فقال: وها هنا في الأصل تفصيل أشد في العقد حيثما على العقد ورد، يعني أن العلماء ذكروا تفصيلا في العقد إذا ورد عليه عقد آخر. وهذا التفصيل أنهم يقسمون إيراد العقد على العقد إلى قسمين: إيراد عقد على عقد قبل تمامه. فإذا أورد عقدا على عقد آخر قبل تمام هذا العقد وانعقاده، مثل أن يكون في مدة الخيار، فإنه يكون إبطال للعقد الأول. مثلاً قال الإنسان: أريد أن أستأجر منك هذا البيت، قال: طيب، قال: لكن بيننا مدة خيار أسبوع، إن ناسبني سكنت وإن ناسبك أجرت لي. وفي خلال هذا الأسبوع يجوز أن أبطل ويجوز أنت أن تبطل. هذا يسمى خيار مدة الخيار، بينهما خيار شرط. فجاء مشتري للبائع، هو بالنسبة له أنفع وأصلح من الإيجار. وهذا قد يحصل، ليس كذلك إنسان محتاج للمال ما وجد من يشتري منه، فجاءه من يستأجر يقول: إيجار أفضل من لا شيء. فإذا جاء المشتري وهو في مدة الخيار، وقال للمشتري: بعتك، فجاء الذي يريد الإيجار قال: أين أنت نريد أن نكتب العقد؟ قال: انتهينا، نحن في مدة الخيار. جاء أني مشتري أنت بالخيار وأنا بالخيار. جاء ما هو أصلح لي، فبيعت البيت يجوز ولا يجوز. يجوز لأنه ما تم العقد مع الأول. لكن إذا تم العقد مع الأول لم يجوز إلا بقيد آخر. فهذا تفصيل إذا كان العقد لم يتم. وأما إذا تم العقد فإنه لا يجوز إيراد عقدين كما قال: ولم يجوز إيراد عقدين على عين محلا واحدا في منجلة. لا يجوز إيراد عقدين على عين واحد في محل واحد. لكن أفاد هذا أنه إذا اختلفت العين أو اختلف المحل أو اختلف مورد العقد فإنه يجوز. ثلاثة أشياء يختلف العين أو المحل أو مورد العقد فإنه يجوز. فمثلا إذا انفكت الجهة، مثل إنسان أراد أن يستأجر من إنسان آخر بيتا، ثم باع هذا البيت. أجرها للأول، أجر البيت للأول، فجاء مشتري، قال: أنا أريد أشتري منك هذا البيت، قال: لا، بس أنا أبيع لك هذا البيت، لكن بشرط يكمل هذا المستأجر إيجاره. فإذا أكمل إيجاره فالبيت لك، ونتفق على هذا، هل يجوز هذا أو لا يجوز؟ يجوز، لأنه ليس فيه إضرار بالعقد الأول. فهنا إيراد عقد على عقد لا يعارضه ولا يضر ولا ينافي انتفاع الأول به، فهذا جائز. ومن الثاني: مثل أن يؤجر ثم يبيع لنفس الرجل. أجر له قال: أريد نستأجر منك، قال: أجرت لك بكم؟ قال: الشهر بعشرة آلاف. في نصف الإيجار، المستأجر عجبه البيت، قال: لمن استأجرت منه؟ ما رأيك أشتري منك البيت؟ فقال: بعت، والإيجار الذي بيننا، قال: مسامح أو قال: نخصم مدة الباقي من قيمة الشراء. هذا يجوز، وهذا يجوز، إذا سامح جاز. وإذا قال: بقي أنا استعملت نصف خمسة آلاف، بقي خمسة آلاف، نخصمها من قيمة الاتفاق البيع، اتفق على ذلك جاز. فإراد عقد على عقد لا يضر ولا ينافي العقد الأول، فهذا كذلك يجوز. فهذا يجوز، فالأول كونه شخص مختلف ولا يضر بالأول. والثاني كونه نفس الشخص وانفكت الجهة ولا ينافي الشرع وحصل التراضي، فهو كذلك يجوز. وهكذا كذلك إذا كان في اختلاف المحل، مثلا لو استأجر إنسان إنسانا للخدمة لمدة شهر. قال: لم يجوز استئجاره للخياطة. وهذا يصح إذا كان وقت الخياطة سيكون في وقت الخدمة. لكن لو كان وقت آخر يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، استأجره ست ساعات يخدمه في محل في بيت، ست ساعات من الصباح إلى الظهر، ثم أراد أن يخيط وهو يحسن الخياطة من بعد العصر إلى العشاء، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، لأن هذا محله آخر اختلف المحل. ولو كان الشخص واحد، ولو كان الشخص واحد، فإذا لو حصل التزاحم لم يجوز. وإذا لم يحصل التزاحم فهو ماذا؟ يجوز. نعم، وبهذا نعرف أن القاعدة يستثنى منها هذه المعاني الأربعة. نعم. قال رحمه الله تعالى: القاعدة التاسعة والعشرون: المكبر لا يكبر. قال: كذاك مما قعد المكبر على خلاف جاء لا يكبر. ومن هنا التثليث غير ندبي في غسلات رجس نحو الكلب. قلت: الذي جرى عليه ابن حجر سنية التثليث وهو المعتبر. هذه قاعدة كما ذكرها من القواعد الكلية الجزئية: المكبر لا يكبر، وهي مشهورة عند الشافعية وغيرهم. وقد اختلف أهل العلم في أولا اضطراد هذه القاعدة، كما أشار في التعليق. وهكذا كذلك ذكرها من ذكرها ممن ذكر هذه القاعدة، واختلفوا كذلك في الأمثلة التي تدخل في هذه القاعدة. والصحيح أن هذه القاعدة على الأصل، ويستثنى ما قيد بالشرع. ومعنى القاعدة أن الأصل فيما وقع فيه تكبير أو تضعيف أنه لا يزاد على ذلك التكبير والتضعيف، سواء أكان في عبادة أو كان في معاملة أو غير ذلك. هذا هو الأصل، تقيدا بما ورد في الشرع فيما حقه التوقيف. وما ليس حقه التوقيف فهو على أصل الإباحة. فمثلا في اللغة يقولون: ما بلغ منتهى صيغة الجموع لا يجمع، مثل مساجد، ما في بعض مساجد جمع، خلاص هو جمع الجمع. فكذلك ما جاء في الشرع منتهيا بعدد أو بوصف فإنه لا يزاد عليه. وكما قلنا هذا فيما حده التوقيف، وما ليس حده التوقيف فهو على أصل الإباحة. وبهذا التفصيل تطرد هذه القاعدة. والأصل كما تقدم التقيد بالشرع فيما قيده الشرع. فمثلا المثال الأول قال: ومن هنا التثليث غير ندبي في غسلات رجس نحو الكلب. ويريدون بذلك أن بعض الفقهاء من الشافعية وغيرهم قالوا: يجوز تثليث الغسلات في الكلب، يعني ثلاث مرات تغسل من سبع مرات إذا أردت أن تفعل ذلك من باب التأكيد فيجوز. ونعرف أن الحديث إنما ورد أن يغسل سؤر الكلب سبع مرات، أحداهن بالتراب. وفي رواية انفرد بها مسلم وعفروه الثامنة بالتراب. فعلى أقصى ما يمكن أن يقال: سبع ليس منها التعفير بالتراب، على أن الحفاظ انتقدوا هذه الرواية. لكن أن يكرر ثلاث مرات من سبع مرات، فهذا ليس له أصل صحيح صحت به السنة. لكن هو اجتهاد من بعض أهل العلم قالوا: إن ذلك في حق النجاسة إذا كان هذا في حق السؤر وهو الفم الذي هو مظنة الطهارة، فكيف ببوله وروثه يعني أشد؟ فقالوا: إذا يضعف فيغسل ثلاث مرات. وهذا ليس مبني على أصل صحيح. ولهذا حصل خلاف في هذه المسألة. مع أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الغسل هذا تعبدي، ليس لأجل النجاسة. وقد أثبت العلم الحديث أن لعاب الكلب يحوي ما قد يضر الإنسان، لا يزول إلا بتعفيره بالتراب. فالتراب فيه إنقاء وتطهير له مع غسله المتتابع بالماء. فكان في هذا علم من أعلام نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام. كيف أن الله أوحى إليه في الكلب خاصة، وليس في أي شيء من الحيوانات؟ فدل ذلك على ما سبق من صحة أن الأمر تعبدي لا لأجل النجاسة. وأما النجاسات فالحكم العام فيها فيما دلت عليه الأدلة الشرعية أن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما. فإذا زالت عين النجاسة زال حكمها، سواء بالغسل بالماء أو بالمسح بالأرض أو باي شيء آخر يكون به إزالة النجاسة. لأن باب التروق ليس مثل باب الأوامر والطلب. وهذا محله كتب الفقه فيما يتعلق بهذه المسائل. فعلمنا أن المثال الأول على الصحيح تطرد فيه القاعدة، فالمكبر لا يكبر. فمن هنا التثليث غير ندب في غسلات رجس نحو الكلب. ثم قال: قلت الذي جرى عليه ابن حجر سنية التثليث وهو المعتبر، يعني المشهور عند الشافعية المتأخرين منهم الأخذ بقول من قال، ومن قال بهذا ابن حجر، أنه يسن ويستحب التثليث في غسلات رجس الكلب، يعني بزيادة غسلتين. ويريدون برجس الكلب يعني بوله وما كان بمعناه من خبثه. وأكثر أهل العلم على خلاف هذا لعدم وجود شيء صحيح صريح يدل على ذلك. وقد ذكروا من ذلك من المسائل المكبر لا يكبر، أنه لا يشرع التغليض في أيمان القسامة، يعني في حكم القسامة كما هو معروف في أبواب الفقه فيما يذكر في الحلافة التي يؤتى بها إذا لم يكن هناك بينة، يحلفون ويستحقون دم صاحبهم بتفاصيل معروفة جاءت بها النصوص الشرعية وصحت بها السنة النبوية. يحلف خمسون رجلا، فلا يشرع التغليض فيقال: نضعف لمعنى أو لآخر، فنطلب خمسمائة يمين وحلافة، فهذا لا يشرع على نفس القاعدة المكبر لا يكبر. والأصل أن الشرع حده بهذا العدد، فنبقى عليه. لكن بعض أهل العلم قال: يجوز التغليض باعتبار لا العدد، لا العدد، ولكن الزمان أو المكان، يعني مثلا لو خشي أن بعضهم قد يكذب، فأراد من باب تأكيد هذه اليمين يحلفون مثلا مع قرب شهر رمضان في رمضان وهم صيام، فهذا يجوز إذا رأى الحاكم في هذا مصلحة تأكيدا لثبوت الأيمان. لكن بما لا يشق ولا يضر بالناس. وهكذا كذلك مما ذكروا من هذه القاعدة أن دية العمد ومن باب أولى الشبه والخطأ، شبه العمد والخطأ لا تغلظ، يعني بزيادة العدد، فهي مئة من الإبل. مئة من الإبل، لكن صحت السنة في حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده في من قتل عمدا إذا اصطلحوا لهم أن يأخذوا ثلاثين جدع وثلاثين حق وأربعين خلفة، أي حامل ما كان من الإبل فيها حمل، فتكون مئة. لكن التغليض في كون بعضها فيها حمل، فهذا صحت به السنة، فما كان كذلك جائز. ولهذا قال العلماء: العدد لا يزاد، لكن يجوز أن يكون التغليض بمعنى آخر. ومثله كذلك إذا كان هناك معنى في الشرع جاء باعتباره، فإن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وخصوصا إذا أيد بفتاوى الصحابة. مثلا لو تتبعنا ما جعل في ديات الأعضاء، وجدنا أن الأعضاء تقسم على الدية. فما كان عضو واحد ففيه الدية كاملة. وما كان أكثر من عضو ففيه ماذا؟ بحسب تقسيمه في الدية. إن كان اثنان فنصف الدية لكل واحد، مثل العين لكل عين نصف الدية. لكن الأجفان أربعة أجفان، فلكل جفن كم؟ ربع الدية. والأذنان لكل أذن نصف الدية، لأن للإنسان أذنان اثنان. وهكذا كذلك الأنف كله إذا أوثب الدية، وإذا أخذ منه جزء فالأنف ثلاثة أجزاء، لكل جزء ثلث الدية. وهكذا قل في سائر الأعضاء. طيب إذا كان إنسان أعور ما عنده العين واحدة يبصر بها، اعتدى عليه إنسان ففقع عينه، صار أعمى، فماذا عليه؟ نصف الدية له أو الدية؟ إذا نظرنا إلى العدد فنصف الدية. لكن إذا نظرنا إلى الحقيقة وما دل عليه الشرع فيما سمعنا من تقسيم، فله ماذا؟ له الدية كاملة. وهذا الذي أفتى به الصحابة، ولا مخالف لهم. فقد روي ذلك عن عمر وعلي وعبد الله بن عمر، ونقل عن غيرهم، ولا يعلم لهم مخالف. فإذا هنا ضعفت أو لم تضعف، ضعفت، لكن ضعفت بالشرع لأن الشرع دل على معناه وأيده فتاوى الصحابة. فإذا يقال: المكبر لا يكبر إلا ما دل الشرع على تكبيره لفظا أو معنا. وهذا منه، وهذا منه. وإلا فالأصل المكبر لا يكبر. قال رحمه الله تعالى: القاعدة الثلاثون: من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه. قال: ومن يكن قبل الأوان استعجل عوقب بالحرمان حتما أصلا. لكنها خرج عنها صور من التي تدخل فيها أكثر. بل قال في التحقيق: ليس يدخل فيها سوى من للتراث يقتل. وكان بعضهم يزيد فيها عن خبرة لفظا بها. وقال: وقال لا يحتاج فيها استثناء. وهو من استعجل شيئا من قبل أوانه وليس المصلحة ثبوته عوقب. ففقه ملمحة. هذه قاعدة أخرى من القواعد الكلية الجزئية التي أشار إليها رحمه الله تعالى، وهي من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه. وربما يعبر عنه بقولهم: من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه. وربما عبروا عنه أيضا: من استعجل أمرا أخره الشرع عوقب بحرمان ذلكم الأمر. وربما عبروا عنه أيضا: من استعجل ما أخره الشرع يجاز برده. فهذه أربع عبارات كلها بمعنى هذه القاعدة. ومعنى القاعدة كما نرى أن الشيء الذي رتب الشرع له حكم متأخر، من حاول الوصول إليه بتقديمه فإنه يحرم من ذاك الحكم. ولكنه مقيد بما لا ينافي الشرع، لأنه هذا الحكم جاء سدا لذرائع الفساد. لأن الغالب أن من يستعجل الشيء قبل أوانه يقع في الإفساد. مثل القاتل ليس له من الميراث شيء، لماذا؟ لأنه قد يكون تعمد القتل، ولو أظهر القتل بصورة الخطأ، وهذا ممكن. ممكن أن الإنسان يحتال فيقتل ويظهر القتل بصورة الخطأ لأجل أن يستعجل الإرث. فسدا لذريعة القتل والفساد قضى الشرع بأن القاتل ليس له من الميراث شيء، كما صحت به الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مسألة معروفة مشورة في أبواب المواريث. فكذلك ما كان بمعنى. فمن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، حتى في الأمور المعنوية. أذكر مرة مشى أحد طلاب شيخنا الشيخ محمد من صالح تيمين رحمه الله خلفه، وكان يحب يلبس البشت. تعرفون البشت، البشت مشهور في تلك البلاد أنه يلبسه المشايخ، يلبسه الشيخ. فهذا الطالب يحب يلبس البشت، فقال الشيخ للطالب بعد أن قل الطلاب غالبا يمشون بعده إلى البيت يسألونه. قال له: يا ولدي، من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. يصح مثل هذا أو لا يصح؟ لأن الطالب العلم إذا صار يستعجل الثمرة يريد أن يكون شيخ قبل أن يكون شيخ حقيقة يخرب ويفسد. يخرب ويفسد، يحرمه الله عز وجل الانتفاع من العلم بفساد نيته، بفساد نيته، إذ يشغل بفساد نيته عما ينفعه. وأول ذلك أنه يحرم نفسه من التعلم. هذا صحيح أو ليس بصحيح؟ صحيح. لأنه يرى نفسه شيخ وهو ليس بشيخ، فإذن لا يرضى أن يتعلم ويحب أن يعلم فقط. ومن فعل مثل هذا حرم نفسه طريق العلم. لكن العكس، العلماء وهم قد بلغوا مرتبة عالية من العلم، مع ذلك يتواضعوا. العلم ما يزيد صاحبه إلا ماذا؟ إلا تواضعا. وكذلك وطاءة الإمام أحمد رحمه الله، لم يزل يطلب العلم وهو في آخر عمره. فقالوا: يا أبا عبد الله إلى الآن، يعني وأنت بهذا السن وأنت شيخ الدنيا في العلم. فقال: مع المحبرة إلى المقبرة. ومع المحبرة إلى المقبرة. وشيخنا الشيخ محمد صالح رحمه الله إلى سنوات يسيرة قبل وفاته، ويقول: حسب أن أكون طالب علم، وهو من هو في إمامته رحمه الله تعالى. ويحيل كثيرا على شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز، ويستفيد منه ويشيد بالإفادة منه. فالشاهد: طالب العلم إذا لم يستعجل الثمرة فإنه لا يحرمها. وإذا استعجلها حرمها. فإذا هذا في الأمور المعنوية، فكذلك في الأمور الحسية. فهذه قاعدة مضطردة، لكن إذا كان بوصفها الصحيح. وأما قوله: وهو قول كثير من العلماء أن ما خرج من هذه القاعدة أكثر مما دخل، هو صحيح. لكن متى؟ إذا لم يتحقق الوصف الصحيح. إذا لم يتحقق الوصف الصحيح. وهنا قال: لكنها خرج عنها صور من التي تدخل فيها أكثر، يعني أن العلماء قالوا: الذي خرج من القاعدة أكثر من الذي دخل فيها، وضربوا لذلك أمثلة. والصحيح أن هذه الأمثلة أصلا لا تنطبق انطباقا تاما على القاعدة، إذ القاعدة كما نرى فيما هو يختص باستعجال شيء يكون باستعجاله مفسدة. وأما ما ليس كذلك فلا يصح هذا المثال. قال رحمه الله: بل قال في التحقيق ليس يدخل فيها سوى من للتراث يقتل، يقول: قال في التحقيق، يعني بعض العلماء حقق المسألة، وقال: إنه لا يعرف مثال يصح إلا في قضية قتل المورث. الوارث لمورثه قتل الوارث لمورثه، فإنه يحرمه من الإرث. والصحيح أنها تدخل فيها صور كثيرة ليست هذه المسألة. فمن هذا كما سمعنا في الأمور المعنوية كثيرا. وهكذا كذلك في الأمور الحسية. في الأمور الحسية، وسيأتي إن شاء الله الإشارة إلى بعض ذلك. قال: وكان بعضهم يزيد فيها عن خبرة لفظا بها يوفيها، يعني بعض أهل العلم زاد فيها لفظة بخبرته وباطلاعه على مسائل القاعدة حتى تكون القاعدة وافية. وذلك ما أشار إليه: من استعجل شيئا قبل أوانه ولم يكن المصلحة في استعجاله عوقب بحرمانه. أو من استعجل الشيئا قبل أوانه ولم يكن في ثبوته مصلحة عوقب بحرمانه. أو بمعنى ذلك مما ذكره أهل العلم. فإذا كان كذلك فهي تكاد تنطبق وتصح. وأما إذا ليس كذلك فلا تنطبق. بل يجوز استعجال بعض الشيء بشرط ألا يكون فيه ضرر. فمثلا مثال الشيء الذي يستعمل بمقصد حسن فأجازه العلماء. وبشيء يستعمل بمقصد سيء فمنعه العلماء. لو أن المرأة الحائض استعملت دواء لأجل أن تحج ولا تحرم من الحج، خصوصا وهي تخاف أن يأتيها طواف الإفاضة فلا تستطيع الطواف بسبب حيضها، ويسافر رفقتها، فتقع في إشكال. هل يجوز استعمال هذا الدواء تستعجل الشيء قبل أوانه تدفع الحيض أو تقدم الحيض؟ دواء يأتي بالحيض مقدماً من أجل يأتي وقت الطواف وهي طاهر. قال العلماء: يجوز إذا لم يكن فيه ضرر يجوز إذا لم يكن فيه ضرر بهذا الشرط والقيد. مع أنها استعجلت الشيء قبل أوانه، لكن استعجلته لشيء لا ينافي الشرع، بل فيه إعانة على ما فيه إكمال الشرع. ولكن الشرع لا يأذن بما فيه الضرر. والله عز وجل رحيم بنا من أنفسنا. فلذلك كان إعمال القواعد بعضها مع بعض: لا ضرر ولا ضرار. ومنه هذا القيد يجوز بشرط أن لا تضر بنفسها. وإذا استعمل إنسان دواء ليمرض في رمضان فيفطر هو وزوجته فيفعل ما يجوز أن يفعله المفطر. هل حل له ذلك وصار فطره حلالا أم حراما؟ الجواب: فطره حرام. لماذا؟ لأنه فعله حيلة على المحرم، والحيل على الحرام لا تزيد الحرام إلا ماذا؟ إلا حرمة. وفي حديث جابر وغيره أن الله لما حرم على بني إسرائيل الدهون من الميت وغيرها، جملوها أي أذابوها فباعوها فأكلوا ثمنها. قال النبي عليه الصلاة والسلام: وإن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه. فالحيل لا تزيد الحرام إلا حرمة. وكذلك يقال في مثل هذا الإنسان. والعجيب أنك تجد أن المتأخرين من الشافعية يتوسعون في باب الحيل حتى ألفوا كتبا في الحيل على الشرع، يعلمون الناس الحيل. بينما كما ترون في هذه القاعدة يشددون العلماء ويضيقون. وقوله رحمه الله: وقال لا يحتاج فيها استثناء وهو من استعجل شيئا من قبل أواني وليس المصلحة ثبوته عوقبا، ففقه ملمحة. يعني أن القاعدة تقيد بهذا القيد: من استعجل شيئا لم يكن المصلحة في ثبوته أو تعجيله عوقب بحرمانه. واضح. والأمثلة وضحت هذه القاعدة. طيب نقف إلى هنا والله تعالى أعلم.