الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 38، ألقاها
يؤمن أهل السنة والحديث بالحوض والكوثر، وهو نهر في الجنة أعطاه الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. تواترت الأحاديث في إثبات وجود الحوض وثبت بالأدلة من الكتاب والسنة.
يتناول صفات حوض النبي صلى الله عليه وسلم كما وردت في الأحاديث، مثل كونه دائري الشكل وماؤه أصفى من اللبن. يجيب على تساؤل حول تعارض وجود الحوض مع أحواض الأنبياء الآخرين.
يؤمن أهل السنة بأن طائفة من المؤمنين تدخل الجنة بغير حساب، ومنهم الأنبياء والمرسلون. استدل بالأحاديث الصحيحة على دخول سبعين ألفًا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الجنة بغير حساب.
تم تأجيل بعض المواضيع إلى درس لاحق، واختتم الدرس بذكر أدعية التسبيح والاستغفار. جاء ذلك ختامًا للدرس بعد مناقشة عدة مواضيع إيمانية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابون رحمه الله: ويؤمنون بالحوض والكوثر، وإدخال فريق من الموحدين الجنة بغير حساب ومحاسبة فريق منهم حسابًا يسيرًا، وإدخالهم الجنة بغير سوء يمسهم وعذاب يلحقهم، وإدخال فريق من مذنبيهم النار، ثم إعتاقهم وإخراجهم منها وإلحاقهم بإخوانهم الذين سبقوهم إليها، ولا يخلَّدون في النار. فأما الكفار فإنهم يخلَّدون فيها ولا يخرجون منها أبدًا، ولا يترك الله فيها من عصاة أهل الإيمان أحدًا. قوله رحمه الله تعالى: ويؤمنون بالحوض والكوثر، أي: من معتقد أصحاب الحديث والسلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم الله أنهم يؤمنون بالحوض والكوثر. والحوض في اللغة هو مُجمَّع الماء، وشرعًا هو الحوض الذي جعله الله جل وعلا يوم القيامة، يُصبُّ فيه من ماء الكوثر، ويُسقى منه من شاء الله جل وعلا من أهل الإيمان، وهو مما أكرم الله جل وعلا به نبيه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وأدلت إثبات الحوض كثيرة من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فمن كتاب الله جل وعلا قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾. وقد جاء في صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إذ برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يتبسم، فقال: «أنزل علي فذكر هذه السورة: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّي لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ». قال: «أتدرون ما الكوثر؟» قال: «نهر أعطانيه الله جل وعلا في الجنة». وأدلت الحوض الذي آتاه الله جل وعلا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كثيرة، كما سمعتم، من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، بلغت مبلغ التواتر في كثرتها وتنوعها واختلاف رواتها ومخرجيها ومخارجها، فهي ثابتة بالأدلة القاطعة الدالة على ثبوت الحوض الذي جعله الله جل وعلا من خصائص محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أي حوض الكوثر. وجاءت الأدلة الكثيرة في بيان صفات الحوض والماء الذي في ذلك الحوض، في أدلة كثيرة متكافرة. منها ما جاء في صحيح مسلم وغيره من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء». ولأجل هذا المعنى ذهب بعض أهل العلم إلى أن حوض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم دائري، قال: لأنه لا يتأتى أن يكون سواء من جميع الجهات إلا إذا كان دائريًا. وبعضهم ذكر غير هذا، وذكر أيضًا في الحديث أن ماءه أصفى من اللبن وألذ من العسل، وكذلك ذكر في صفة أكواب ذلك الحوض، أي الذي يسقى منه من يسقى، قال: «وأكوابه كعدد نجوم السماء». وجاء كذلك في صفته أن من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا. فهذه بعض صفات الحوض الذي أوتيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقد جاء حديث من طريق الحسن عن سامرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن لكل نبي حوضًا»، ثم ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم حوضه وما جعله من صفات. فهذا الحديث الراجح في أنه حديث حسن ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله كما في «الصحيحة». وعلى ثبوت هذا الحديث، هل يكون فيه شيء من المعارضة بينهم وبين غيرهم من أدلة الدالة على أن الحوض من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: لا. فما الجمع؟ الجمع كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: على صحة هذا الخبر يكون لكل نبي حوض كما جاء في الحديث. لأن الحوض الذي أوتيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ليس كغيره من الأحواض من حيث الصفات ومن حيث الواردين إليه. فتكون الخاصية التي لحوض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ما في حوض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من الصفات التي اتصف بها واختص بها دون غيره من الأنبياء، وكذلك باعتبار الواردين الذين يردون إلى ذلك الحوض، هم أكثر واردًا من غيرهم. قال رحمه الله تعالى: ويؤمنون بالحوض والكوثر، وإدخال فريق من الموحدين الجنة بغير حساب. أي: مما يؤمن به أهل السنة والجماعة أن طائفة من الناس من أهل الإيمان من يدخلهم الله جل وعلا الجنة بغير حساب، منهم وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلون. هؤلاء على رأس هؤلاء الناس، على رأس أهل الإيمان، هم يدخلون من غير حساب ولا عقاب. قد يقول قائل: فما توجيه قول الله جل وعلا: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلُوا وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾، أي في الآية ما ظاهره أن المرسلين يسألون يوم القيامة، فكيف يقال بأنهم لا يحاسبون؟ واضح هذا الإشكال. الجواب كما قال العلماء رحمهم الله تعالى: هو سؤال الأنبياء عن تبليغ رسالات الله جل وعلا لأقوامهم، وعن اتباعهم لهم. فهو ليس سؤال حساب، بخلاف الحساب الذي نتكلم عليه. فالأنبياء يدخلون الجنة بغير حساب. إذا كان من المؤمنين ممن هم دون الأنبياء من يدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب، فمن باب أولى الأنبياء، لأنهم هم الذروة العليا في الإخلاص وفي الاستقامة وفي طاعة الله وفي عبادة الله إلى غير ذلك من معاني التعبد والتأله لله رب العالمين جل وعلا. وجاءت كذلك الأدلة الدالة على أن غير الأنبياء من المؤمنين من يدخل الجنة بغير حساب ولا عقاب. جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال -وهو يخبر عن أمته-: «سبعون ألفًا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب ولا عقاب ولا عذاب». وجاء في تفسيرهم في تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه: «الذين لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون». فالشاهد من هذا أن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم -وهذا من خصائص هذه الأمة ليس لغيرها من الأمم- لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها من خصائص هذه الأمة. قال بعد أن ذكر الأمة: «وفيهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب». هذا نص حديث أو معنى حديث الصحيحين. وجاء خارج الصحيحين أن مع كل ألف سبعون ألفًا، أي على الوصف المذكور يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. بل جاء في مسند أحمد وغيره بإسناد حسن أنه قال: «مع كل واحد سبعون ألفًا». فهذه الأدلة تدل على أن من هذه الأمة -إكرامًا من الله جل وعلا لهذه الأمة وعلى رأسها إكرامًا لنبيها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب. قال رحمه الله تعالى: ومحاسبة فريق منهم حسابًا يسيرًا... إلى آخر ما ذكر. هذا نؤجله إلى درس لاحق بإذن الله جل وعلا. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.