شرح مسائل الجاهلية  5

شرح مسائل الجاهلية 5

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرك أهل الجاهلية الأولى والشفاعة

يشرح هذا الفصل شرك أهل الجاهلية الأولى بإشراكهم الصالحين في عبادة الله، ويبين اعتقادهم في شفاعة الصالحين لهم عند الله. يستدل على ذلك بآيات قرآنية ويظهر كيف وقع بعض المسلمين في نفس الشرك.

الرد على شبهات الوساطة بين العبد وربه

يتناول هذا الفصل الرد على شبهة الجاهلية حول الوساطة بين العبد وربه، ويبين بطلان هذا القياس وعدم حاجة الله للوساطة. يشدد على أن الله غني عن الوساطة ويعلم بأحوال عباده.

انتقاد تشبيه الله بملوك الدنيا وعبادة الأولياء

ينتقد هذا الفصل تشبيه الله بملوك الدنيا وعبادة الأولياء كوسائط، ويعتبر هذا تشبيها فاسدًا. يشرح كيف يتنافس الناس في اختيار الأولياء ويعتقدون في تأثيرهم على الله.

مخالفة النبي لعقيدة الكفار وتوضيح الإخلاص

يذكر هذا الفصل مخالفة النبي لعقيدة الكفار وأهل الجاهلية في الإخلاص ودين الله، ويتطرق إلى كيفية مخالفة النبي لعقيدتهم ويبرز أهمية الإخلاص في دين الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، فنحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا إخواني في الله في المسألة الأولى من مسائل الجاهلية، والتي فيها أبان المؤلف رحمه الله تعالى عن حقيقة شرك الأولين من أهل الجاهلية، وأن شركهم كان بإشراك الصالحين مع الله سبحانه وتعالى، فقال: إنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله وعبادته، والدعاء جزء من العبادة، وهذا من باب عطف العام على الخاص. قال: إنهم يتعبدون بإشراك الصالحين في دعاء الله وعبادته، علمنا تحت هذه المسألة مباحث: أن الكفار كانت عندهم عبادات، وأنهم كذلك كان عندهم تعبد لله جل وعلا، لكن المشكلة أنهم كانوا يشركون مع الله سبحانه وتعالى. تأتي مسألة هنا، قد يقول قائل: لماذا الكفار بهذه العقلية لماذا اتخذوا ذواتًا من بشر، أو قل من أهل الصلاح من أنبياء جعلوهم شركاء مع الله؟ ما المرد من ذلك؟ وهم يعلمون ويعرفون مقدار البشر، أنه ليس لهم في الخلق، وليس لهم في الرزق. قال علماء: وهذا الذي ذكره ربنا جل وعلا في القرآن، وهذا الذي عرفه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: يريدون شفاعتهم عند الله، إذن يريدون شفاعتهم، هذا التعليل، إذن لماذا اتخذ هؤلاء هذه الذوات شركاء مع الله في العبادة؟ تقول: يريدون شفاعتهم. قال: يريدون شفاعتهم عند الله لظنهم أن الله يحب ذلك، وأن الصالحين يحبونه، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. في هذه الآيات البينات، إخواني في الله، بيان للذي جعل الكفار يهرعون ويلتجئون إلى أهل الصلاح من كان في أزمانهم، ومن كان قبل أزمانهم من أنبياء ورسل، أنهم أرادوا شفاعتهم، إذن نقف هنا مسألة: وكيف ذلك؟ وجه ذلك، إخواني في الله، كان الجاهلي وهو في زمن الجاهلية، وما عليه من قاذورات عقدية وأعمال مشينة إجرامية من سفك ومن بطش ومن ظلم، ناهيك عما يقترفه من زواجر وحرمات ومحرمات، ويأتي بالشهوات، يجد الجاهلي وهو الذي يعترف بأن له ربًا في الوجود، يرى أنه ليس من أمثاله، ليس من أمثاله، أنه يدخل على الرب مباشرة. يقول: أنا في هذه الصورة المزرية التي أنا عليها في هذه الدنيا، أنا مهما رفعت يدي، يقول: يا الله يا الله، ما أظن أن الرب سيسمع لي دعاء، أنا من أنا؟ أنا المتهالك بالذنوب والقاذورات، إذن لابد لي من وسيط، وسيط أتوسط إليه، لعل هذا الوسيط يوصلني إلى الله سبحانه وتعالى. ومن هنا ظهرت مسألة الوساطة عند أهل الجاهلية، إذن أهل الجاهلية كان من شأنهم في اتخاذ هؤلاء من الذوات من الأرواح الطيبة الطاهرة، ولهذا تلاحظون أنهم مختارون أي ذوات، وإنهم مختارون ذوات طاهرة، كما قلنا أهل الصلاح عندهم، إما من أنبياء ورسل، وإما من ملائكة، أو من صالح البشر، فهم اختاروا هذه الذوات. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وما معنى الشفاعة؟ الشفاعة هو التوسط للغير لجلب منفعة أو دفع مضرة، هذه معنى الشفاعة. فالكفار اتخذوا هذه الأرواح التي جسدوها على شكل أصنام أوثان، جعلوها شفعاء، ما معنى شفعاء؟ أي أنهم يتوسطون إلى الله جل وعلا لهم، لماذا؟ إما لجلب منفعة أو دفع مضرة عنهم. وبهذا نعلم، إخواني في الله، في هذه الآية نص صريح على أن أهل الكفر أنهم ما عبدوا ما جعلوا هذه الذوات آلهة مستقلة، ما جعلوها آلهة مستقلة، وإنما هم أرادوهم شفعاء يوصلونهم إلى الله سبحانه وتعالى. قال سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، معنى من دون الله أي غير الله سبحانه وتعالى، قالوا: يعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا، ما اعتقدوا فيهم أنهم آلهة. والآية الثانية كذلك فيها ذلكم الإيضاح، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، زلفى بمعنى قربة، وهم اعترفوا، وهذا بنص القرآن، أن عبادتهم وتوجههم لهذه الأولياء، إنما لكي توصلهم إلى الله سبحانه وتعالى. وليس المقام مقام ذكر تفنيد هذه الشبهة، ما يتعلق بموضوع الشفاعة، وقد مر ذلك معنا، لكن إخواني في الله، أن نجد للأسف أن نجد أناسًا من أمة محمد، وينتسبوا إلى أمة الإسلام، أنهم وقعوا في نفس ما وقع به أهل الجاهلية الأولى، فهم يستدلون بمثل استدلالهم. وهذا مسطر في كتب القوم من الباطنية، ومن عباد القبور، ومن أهل الجاهلية، ومن كان على فلكهم، أنهم تراهم يترنحون بين القبور، ذاك باعتكافه، وذاك بتهجده، وآخر بانطراحه، وذاك بدعائه واستغاثته للموتى. فإذا حاججت هؤلاء، وما هم عليه قابعون من أعمال الجاهلية، لسرعان ما يأتون بنفس الاستدلال الذي يستدل به أهل الجاهلية، يقول: لها عبد الله، هؤلاء هم بيننا وبين الله، أنا ما يمكن أن أدخل على الله، حتى قال بعضهم: أنا لو دعوت الله ألف سنة ما استجاب لي، أنا من؟ فيقول: نحن ضعفاء، نحن مساكين، نحن ما ندخل على الله، إذا ماذا تريدون؟ قال: حالنا، وقد صرحوا بهذا، قال: أن حالنا مع الله كحال الرعية مع الملك، الرعية وهم الشعب، إذا أراد أن يدخل على الأمير أو على الملك، كيف يفعل؟ يقول: لا يمكن لأحد أن يأتي من طرف الشارع ويدخل على هذا الملك في قصره، هذا ما يمكن، إلا إذا توسط من قبل الوزراء، الحجاب من قبل القواد، هؤلاء لذلك لهم وساطة عند هذا الملك، عن طريقهم سأدخل على هذا الملك. وقد تكلم العلماء على هذه الشبهة، وهي شبهة الجاهلية، حذو القذة بالقذة، ما كان في اعتقاد الكفار الأوائل هو الذي صرح به هؤلاء من كان في العصر الحالي، يقولون: نحن لا نستطيع أن ندخل على الله، الله لا يستجيب لنا، يعني طبعًا يخرجون هذا بمخرج الضعف والعاطفية. يقول: نحن مساكين، نحن مجاهيل، نحن ضعفاء، ما عندنا الأعمال ما ترفع من قدرنا، ومن دعائنا إلى الله جل وعلا، فنحتاج إلى من يرفعنا إلى الله، من أمثال هؤلاء، فذهبوا إلى ذاك الضريح، وإلى ذاك القبر، إلى ذاك الميت، وإلى ذاك الولي. قال: هؤلاء هم شفعاؤنا عند الله، ومن ذهب إلى قبورهم، وإلى زيارات القوم، يسمع مثل هذه الأدعية: يا فلان أجرني عند الله، يا فلان اغفر لي عند ربك، يا فلان ادع الله لي، يا فلان، فيظنون أن هؤلاء هم شفعاء عند الله جل وعلا، وهذه عقيدة الكفر، وعقيدة الجاهلية. وقد تكلم العلماء، كما قلنا، في رد على هذه المسألة، وهذا القياس، إخواني فينا قياس باطل، قياس فاسد، بل ليس كذلك، بل هو طعن في الله جل وعلا، هذا طعن في الله سبحانه وتعالى. هم أرادوا أن يمدحوا الرب من جهة، لكنهم أساؤوا ظنًا بالله، لأن الملك لو قلنا على قياسهم بأن حالكم مع الله كحال رعية مع الملك، ولابد من وجهاء وحجاب يدخلونكم على الله، معنى هذه يضطركم إلى أمور من أهم الأمور. أولًا: أن الله لا يعلم بأحوالكم، هذا نعم هذا حاصل في ملك الدنيا، ملك الدنيا، وزير الدنيا، أو السلطان، عنده رعية بالملايين، لا يدري من الفقير من المسكين، من الصادق في دعواه، من المدعي لدعواه، فهو لا يستقبل أي أحد، فيحتاج إلى الوزراء والقواد، إلى من يشعرونه ويعلمونه بأحوال الناس. يقول: فلان يا ملك، هذا محتاج، يقول: أدخلوه، فلان محتاج حقيقي، أدخلوه، هذا ملك الدنيا، محتاج لمن يعلمه، ولمن يرشده، لكن هذا يقال في حق الله جل وعلا، أن الله يحتاج لمن يعلمه ويشعره، أعوذ بالله، هذا نقص في حق الرب سبحانه وتعالى. كذلك أن الملك يحتاج إلى من يعينه في تسيير رعيته، الملك واحد، السلطان واحد، الأمير واحد، ولا يمكنه أنه خلال كرسيه وقصره، أنه يمسك المعمورة من طرف إلى طرف، فيحتاج إلى وزراء يعينونه، يرشدونه، يخبرونه، يقضون حوائجهم. فهذا حاجة ملك الدنيا إلى الحجاب، وإلى الوزراء، لأنه محتاج إليهم، والربنا جل في علاه، محتاج إلى أحد من البشر، وهو الغني جل في علاه. فذكر هؤلاء ثلاثة، وأربعة، وخمس من أدلة عقلية، تدل على نسف هذه القاعدة من أصلها، وأن ما ذكر هؤلاء التمثيل، وأن هذا التمثيل في أذهانهم، محمدة هو يا عبد الله منقصة، وما ذم في حق الرب جل وعلا. بأنك أولًا جعلت الرب كملك من ملوك الدنيا، وربنا ليس كمثله شيء جل في علاه، ثم أن هذا القياس باطل، لأنك لا تنفيه، تنقص في حق الله جل وعلا، بأن الله لا يعلم، وأن الله لا يستطيع أن يقوم بنفسه، يحتاج إلى غير، وكذلك ما هو أطم من ذلك. أطم من ذلك: أن ملك الدنيا، ملك الدنيا إذا احتاج أن يعطي يعطي أحدًا من رعيته، إما إعطاء منفعة أو يدفع عنه مضرة، أنه ملك الدنيا يحتاج إلى من يثيره، من يثيره إلى هذه المسألة، قد يكون ملك يقول: يا فلان يا فلان، هذا رجل دخل عليك، وله حاجة منك، يقول: إن شاء الله خير، يصرف أمره، يجعل هذه الدعوة ضمن ملف اجتمع على آلاف الطلبات من رعيته، اجعل هذا مع هذا. لكن يأتي القائد أو الوزير، يقول: لا، هذا انتبه يا ملك، لا تفرط فيه، هذا من أهلنا، ومن رعيتنا، الله الله فيه، فيستثيره حتى يثار هذا في ملك الدنيا، وهذا معمول به، ليس كل أحد دخل أعطاه منفعة أو دفع مضرة. لكن إذا كان هذا الذي دخل عليه، احتفى بشيء من الحجاب، والوزراء والقواد، فأثروا في الحاكم، فإنه يتأثر بهم، وأنتم أيها العباد، القبور، شبهتم الله بهذا الملك، الذي سبحانه وتعالى، الذي ما يعطي العطاء إلا بمن يثيرهم. ولهذا تجد عباد القبور يتنافسون، يتنافسون في اختيار من هو الولي الذي تكون بينه وبين الله، هذا يختار فلان، لماذا؟ يرى أن هذا تأثيره على الله أعظم من تأثيري هذا، وله يقول: لا، أنا أختار فلان، وهذا الولي هو المقدم، وهو ما يسمى بالكبريت الأحمر. وهذا الكبريت الأحمر كأمثال ابن عربي، هذا له وساطة عند الله، ليس بعد وساطة، وهكذا، لماذا هذا الاختيار، واختلاف المعبودات الذي عندهم؟ لأنهم يعتقدون هذه العقيدة، أن كل واحد من هؤلاء عندهم من التأثير على الله جل في علاه، على أنه يؤثر حتى يستخرج هذا الذي يريد من جلب منفعة أو دفع مضرة. هذا المثال، أخزاكم الله القوم، هذا يقال في ملك الدنيا، نعم، أنت تريد وسيطًا، تريد أمرًا من ملك الدنيا، تحتاج إلى من هو يقوي هذا، لا، هذا الوزير ما ينفع، هذا الوزير بينه وبين السلطان حساسية، تركه، وزير آخر، هذا من قرابة، فاذهبوا إليه، وهكذا الناس في ملك الدنيا. لكن الله، يقال هذا في حق الله، أنك تبحث عن وسيط يؤثر في الله، حتى يستعطف الرب جل وعلا، فيعطيك أو يمنحك، يا عبد الله، هذه عقيدة الجاهلية، وما نشأ من كفر، فهو كفر، وهذا من سوء تصرف الجاهلية في الله جل وعلا. فكيف بمسلم من الله عليه بهذه العقيدة الصافية الصحيحة، والذي فيه تعظيم لجناب الرب جل وعلا، ثم تنزل إلى هذا الدرك الأسفل، يا عبد الله، من الهبوط، فتشبه الرب جل وعلا بحال ملك من ملوك الدنيا، فهذا إخواني في الله قياس فاسد. ثم تأتي البلية بعد تلك البلية، أن من الذي يفوز بالعبادات؟ نأتي الآن إلى ملك الدنيا، وسبحان الله، أنظر القياس، هذا ملك تريد أن تدخل عليه، كما قلنا الرعية يحتاجون إلى وسيط، فأنت لما تأتي عند وسيط، تقول: يا وسيط، سواء كان وزيرًا، أو رجلًا من رجال أعمال مرموق في الدولة، له منصب رفيع في الدولة، فتحتاج إليه، حيث يدخلك ويؤثر على هذا السلطان. طيب أنت تقول: يا مساعدة الوزير، أو فلان، أحاول معي، هذه أوراقي، فماذا يقول لك الوزير؟ أقل شيء يقول: لأخي، كم تدفع؟ أيش تعطي؟ أيش المقابل؟ هذه مساومة، فيقوم هؤلاء الناس من أراد الدخول على ورد القضية، ترفع إلى السلطان، يعطي، يعطي لمن؟ يعطي للسلطان لا، يعطي للوسيط، يعطيه، يعطيه، يقول: أنا أشفع، أنا أدخل هذا الرئيس، أو المسؤول، ملفات كثيرة، وأنا سأتعب، وأنا أدخل على شانك أخي، أعطيه نص ربع، يعطيه مبالغ، يعطيه إغراءات، يعطيه وعودًا، هم يعطيه شيء حتى ينفذ الوساطة. وهذا الذي جرى للقوم، ها ربنا جل وعلا في علاه، وهؤلاء هم في الأرض، من الذي تعطى له العبادات؟ الله أم هؤلاء؟ هؤلاء المعبودات، الواحد فيها، القوم إذا أراد أن يصلي لله، كيف يصلي؟ صلاة مترهلة جوفاء، لا خشوع، لا خضوع فيها. لكن إذا وقف عند قبر القوم، عند الوسطاء، كيف يفعل؟ تجد الخشوع، الحضور، بل والله أعلم أن أقوامًا يبكون عند القبور، يبكون عند الأولياء، يخرج دموعًا، لربما ما أخرج دمعة أمام الله يجل في علاه. لأن هذا مقصود القياس، هذا القياس: السلطان يا عبد الله، السلطان يا عبد الله، السلطان الدنيا، هذا لا يستطيع دخول عليه، فيهمله، لماذا يهمله؟ يرى أنه بعيد عنه، لكن إذا جاء عند الوزير الذي هو الشفيع، يترحب، يتوسل، يترجاه: الله يخليك، الله يبارك فيك، حاول بالله عليك، خذ هذا، وشمه في الرأس، يترجاه حتى يستعطف، بالدخول، وهذا الذي يجري في حال الدنيا. تجد أن القوم إذا وقفوا أمام الله، وهو سلطان، وهو رب الأرباب جل في علاه، تجد أنه ماذا؟ على إيساس من عبادة الله، إذا تأخر الإمام، تظهر هذا، إذا تأخر الإمام في الصلاة، كم دقيقة؟ لربما سمعت الصيحات هنا وهنا، أتعبتمونا من القيام أمام الرب، أتعبتمونا من القيام. لكن إذا قام هذا في زيارة، ووقف صامدًا صامدًا أمامه، قبل مدة ساعة، لربما ما وجد أي تعب، ولربما مع هذا الوقوف، كأن على رؤوسهم الطير، ومن ذهب إخواننا في الله إلى تلكم الأماكن، يرى الغرابة كل الغرابة، كيف تعبد هؤلاء لهؤلاء، وكيف تعبدهم لله سبحانه وتعالى. وهذا يا عبد الله من هذا القياس الفاسد، الذي شبه رب الأرباب جل وعلا بملك الدنيا، فقال مؤلف رحمه الله تعالى: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله، فأتى بالإخلاص، وأخبر أنه دين الله، الذي أرسل به جميع الرسل إلى آخر الكلام، وهذا سيأتي إن شاء الله، مسألة متفرقة، وهي مسألة متعلقة: كيف خالف نبينا خالف نبينا عقيدة الكفار وأهل جاهلية الذين قالوا بالتشريك، وقالوا بالإشراك؟ كيف خالفهم نبينا؟ صلاة ربي والسلام عليه، وهذا يأتي إن شاء الله في تتمة هذه المسألة الأولى. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.