الدرس في شرح مسائل الجاهلية 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش أهمية السمع والطاعة لولاة الأمور والنصيحة لهم مستندًا إلى الأحاديث النبوية. يُبرز وجوب هذه الواجبات في العلاقة بين الراعي والرعية.
يشرح معنى النصيحة لولاة الأمر بأنها إرادة الخير لهم ومعاونتهم على الحق. يُوضح أن النصيحة تكون في رفق ولطف ومجانبة التشهير.
يؤكد على أهمية الصبر على جور الولاة وعدم الخروج عليهم مستندًا إلى أحاديث النبي. يُشدد على مخالفة أهل الجاهلية في هذا الشأن.
يختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم ويشير إلى الصلاة على النبي وآله وصحبه. يُظهر الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا نخوض في المسألة الثالثة من مسائل الجاهلية، وفيها مسألة ما كان عليه أهل الجاهلية من مخالفتهم لولاة أمورهم، وكيف كانوا يعتقدون أن السمع والطاعة لأمثال هؤلاء ذل ومهانة. وذكرنا كيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خالف هذا المسلك الذي هم عليه، وذلك بإثبات الولاية والإمارة والإمام العظمى، وأن تناط الأمور إلى شخص واحد يكون به انتظام سير حياتهم وفي معيشتهم. وذكرنا كل ما يتعلق بحكم المسألة وشيء من صورها. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأمر بالصبر على جور الولاة، وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة، وغلظ في ذلك وأبدى فيه وأعاد. بعدما تتفق الأمة على نصب رجل يكون عليهم إماما، يكون عليهم سلطانا، يكون عليهم خليفة، أميرا، أي لقب من الألقاب المهم يتولى زمام الأمور. ما الذي يكون بعد ذلك من تبعات؟ هل الأمر ينتهي إلى هذا الحد أنك تنصب شخصا ما وتحيط وتنيط له الأمور وتنتهي القضية؟ لا، لا ينتهي، وإنما يتبع ذلك التبعات. ومن ذلك ما ألمح إليه المؤلف رحمه الله تعالى، قال بقوله: وأمر بالسمع والطاعة. وهذه من أعظم المسائل التي ينبغي أن تؤديها الشعوب إلى أولياء أمورهم أو إلى أولاة أمورهم، السمع والطاعة. وقد مر معنا التعريف، ما معنى السمع؟ وما معنى الطاعة؟ وهذه تعتبر من أعظم الواجبات التي ينبغي أن تؤديها الرعية إلى الرعاة، يؤديها الرعية إلى الولاة. الدلائل على ذلك كثيرة جدا، منها ما جاء في حديث العرباض بن سارية قال عليه الصلاة والسلام: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة». فأمر نبينا عليه الصلاة والسلام بالسمع والطاعة، وجعلها بعد أمره بتقوى الله جل في علاه. وجاء كذلك من حديث الحارث الأشعري، وقد ذكره شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين، هو حديث طويل، وفي آخره يقول عليه الصلاة والسلام: «وأنا آمركم بخمس، وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: السمع والطاعة، والجهاد، والجماعة، والهجرة». الحاصل أن هذه المسائل الخمسة مما أمر بهن الله جل في علاه على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام، ومن أولاها السمع والطاعة. إذن علمنا أخواني في الله عظم هذه المسألة، وأنه من أعظم الواجبات التي ينبغي أن تناط لأهلها. وليس فحسب السمع والطاعة أن هذا فقط يبذل في وقت دون أوقات، بل أنت ملزم بهذه المسألة التي سيسلك مع الولاة أمرنا الشرع أن نؤديه في كل أحوالنا، في كل أحوالنا وعلى أي وصف كنا، وعلى أي حال كنا عليها. لهذا ثبت في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت، قال عليه الصلاة والسلام: «بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وفي عسرنا وفي يسرنا، وعلى أثرة منا، وأن لا ننازع الأمر أهله». هذا مما قد بويع عليه، بايع نبينا أصحابه على هذه البيعة العظيمة، ومنها السمع والطاعة. في ماذا؟ في أي وقت؟ في كل الأحوال، في منشطنا، وفي مكرهنا، في عسرنا، وفي يسرنا، وعلى أثرة منا، ولو كنا على مضض، ولو كنا على مضض. كذلك ينبغي أن يؤدى هذا الحق إلى أهله. قالوا: «أن لا ننازع الأمر أهله». فمسألة السمع والطاعة أخواني في الله من لهذا؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وأمر بالسمع والطاعة. قالوا: أمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة. كذلك مما ينبغي أن يكون حتى يكون بين الراعي والرعية، وهو مما أتى به نبينا عليه الصلاة والسلام، مضادة لما كان عليه أهل الجاهلية. النصيحة تكون النصيحة لهم، النصيحة من الرعية إلى الولاة، النصيحة منهم إلى من؟ والله وربنا الأمر إليهم. وأن تكون هذه النصيحة بشروطها المعروفة. لكن بقي ما معنى النصيحة؟ حتى نعرف كيف تبذل النصيحة، وما هي النصيحة التي تبذل؟ لأن بعض الناس ربما يسمع هذا فيأتي بأي تعبير ويجعل هذا التعبير الذي يعبر به بأي صورة كانت أنها صورة من صور النصيحة التي هو يرى أنها مناسبة أن يؤديها إلى ذاك الوالي أو إلى ذاك الحاكم. يقال: أولا النصيحة تبذل، بل هذا مما أرشد إليه شرع، قال عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة». قال ذلك ثلاث مرات عليه الصلاة والسلام. قال الصحابة: قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم». فذكر عليه الصلاة والسلام أن من الجهات التي ينبغي أن تعطى وتبذل لها النصيحة. لكن بقي كما قلنا ينبغي أن تعرف ما معنى النصيحة. النصيحة ذكر العلماء من أهل اللغة وهكذا أهل الشرع ذكروا أن النصيحة مستخرجة من لفظة الخلوص، من لفظة الخلوص. وما كان من معنى من التخلص. ولهذا يقولون: نصحت العسل، أي خلصته. نصحت العسل، أي خلصته من الشوائب. فالنصح هذا من معانيها. وله هناك معاني كثيرة لهذا. لسعة معنى النصيحة هذا الذي عدى ببعض العلماء رحمهم الله أن يأتوا بمفهوم عام لموضوع النصيحة. كما فعل ذلك الخطابي رحمه الله، وهكذا ابن الصلاح رحمهم الله تعالى. ذكروا أن معنى النصيحة بمعناها العام الإجمالي، قالوا: هي إرادة الخير للمنصوح له. هذه معنى النصيحة. وهذا الذي تدل عليه لغة الشرع، وقبل ذلك لغة العرب، على أن النصيحة في لسان الشرع واللغة هذا مؤداها هو إرادة الخير للمنصوح له. فأنت تنصح كما قلنا في أصل اللغة، نصحت العسل، ما معنى نصحت العسل؟ نصحت العسل، أي خلصته من الشوائب. لماذا تخلصه من الشوائب؟ أصلا أنت تخلصه من الشوائب لماذا؟ لكي يتهذب، لكي يكون نقي في شكله، في منظره، في ذوقه. فأنت تريد الخير لهذا العسل. فماذا؟ فنصحت له، وذلك خلصته من الشوائب. وهكذا تكون النصيحة للطرف الآخر، كائنا من كان، من راعي، من رعية. فيقول علماء، كما قال الخطابي وابن الصلاح، وجمع من أهل العلم: أن النصيحة يدور معناها على إرادة الخير للمنصوح له، بأي صورة من صور الخير، أي صورة، بالقول، بالفعل. لكن يكون هذا همك، أنك توصل له الخير، وتريد له الخير. ومن هذا فرق العلماء بين النصيحة وبين غيرها، كالتعيير، كالتشهير، هذا ليس من نصيحة. لأنه قد خرج عن قصد النصيحة، لأنك ما أردت من التشهير، ولا يعتبر التعيير نوع من أنواع ماذا؟ إرادة الخير، بل هو نوع من إرادة ماذا؟ إلقاء السوء، وضع السوء، والإساءة إلى غيره. ولهذا خرج التعيير، خرج التنفير، خرج ما كان في معناها، خرج من مجال النصيحة. قال مؤلف رحمه الله تعالى: قال والنصيحة. إذن كذلك أن من الأمور الذي ينبغي أن يفعلها الرعية بعد السمع والطاعة، أنهم يناصحوا. يناصحوا. ولا تأمرهم. قلنا: والنصيحة الآن بمعناها الشرعي هو إرادة الخير للمنصوح له. يكفينا أخواني في الله، ننظر إلى عبارات السلف رحمه الله تعالى في ضبط معنى النصيحة، كيف نوصل الخير لهؤلاء ممن نحن نرى أنه ينبغي شرعا أن ننصحهم. يقول ابن رجب رحمه الله تعالى، وهو يتحدث كما في كتابه جامع العلوم والحكم، ومن الكتب السلفية النقية الطيبة، الذي نقل فيها مؤلفها رحمه الله تعالى العبارات العظيمة عن سلفنا الصالح، فتكلم على حديث تميم الدين النصيحة، حتى وصل إلى هذه المسألة، وهي النصيحة لولاة الأمور. بيّن رحمه الله تعالى ما يتعلق بمعناها الشرعي، ثم بيّن كيفية النصيحة. كيفية النصيحة. فقال رحمه الله تعالى: والنصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك. انتهى. تتأمل في هذه المعطيات، وتأمل في تعريف النصيحة، تجد أن هذه ترجع لتلك. وهذا هو فهم السلف لموضوع النصيحة، هو إرادة الخير للمنصوح له. وكيف ذلك؟ قال رحمه الله تعالى: ولا بأس بإعادة العبارة، لأمس الحاجة، نحن في هذا الأزمان بأمس الحاجة إلى فهم السلف في شرح كلمات السنة، وكيف تفتح فهم السنة. قال رحمه الله تعالى: قال والنصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك. حث الأغيار على ذلك، لا العكس، لا الضد، وإنما تحث الناس، عبد الله، ومن كان معك، تحثهم على هذه المعطيات، وعلى هذه المضامين. إن أدينا ذلك، فقد أدينا النصيحة التي أرشد إليها نبينا عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وأمر بالسمع والطاعة لهم، قال والنصيحة. وطبعا النصيحة لولاة الأمور لها طبعها الخاص، لا تكون عن طريق التشهير، لا تكون عن طريق التعيير، لا تكون طريق في شد الوضع واشتداد الأزمات. السلف الصالح، أوائل السلف، الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا على هذا الحال. جاء من جاء إلى أنس رضي الله تعالى -على ما أذكر- جاء عن أنس، فأكلموه في عثمان، ألا ينصح له؟ ألا يكلمه؟ ألا ... لما جاءت من إشاعات حول عثمان، حتى صدقها من صدقها من الناس، فصلت كلامه في عثمان، ألا ينكر على عثمان؟ فكان من أمر هذا الإمام من أئمة السنة، صحابي جليل، ممن تربى في كنف نبينا عليه الصلاة والسلام. فرد عليهم: «ألا ترون أني لا أنصحه إلا أمامكم». يعني أنصحه إلا أمامكم، بيني وبينه نصيحة، لكنتم لا تدرون بهذا. وهذا هو فهم فقه السلف، وهو تطبيق صحيح لقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «من كانت له نصيحة لذي سلطان، فلا يبده علانية». من كانت له نصيحة لذي سلطان، فلا يبده علانية. فمجال النصيحة أخواني في الله مطلوب، لكن بأسس، لكن بأصول، لكن بضوابط. أما يكسر هذا الباب ويأتي من يأتي بعيد الطرق وأساليب عوجاء هوجاء، ثم يلبسها بلباس النصيحة، لا يا عبد الله، ليس دين بهذا التفلت. وإنما الدين عبارة عن التزامك يا عبد الله بالآداب الشرعية في كل شيء، ومنها في باب النصيحة. قال رحمه الله تعالى: وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة. إذن علمنا ما ينبغي من السمع والطاعة والنصيحة. وقال كذلك: وأمر بالصبر على جور الولاة. وأمر بالصبر على جور الولاة. وهذا من المؤلف رحمه الله تعالى لعله اعتراض لبعض أفكار الناس، الذي لو ربما وهذا كثير ما يقع، وخاصة في هذه الأزمان، أن من يسمع مثل هذا الباب، باب السمع والطاعة والولاة والبيعة وإلى آخره. يقول: يا أخوان، أنتم إلى متى تهدرون بمثل هذه المسائل؟ هذه أحاديث نحن نصدق بها ونؤمن بها، لكن هذا حقها في من؟ في حق أولئك الولاة في الصدر الأول، أهل العدل، أهل إنصاف. من الذي قاموا بكل خير؟ الذي انتشر على أيديهم الفتوحات. هؤلاء هم الذي لهم هذه التي تذكرون، تدعونه. أما هؤلاء لا، والله، ما لهم أي شيء. فالمؤلف رحمه الله تعالى أعطاك يا عبد الله هذه المسألة، قال: وأمر بالصبر على جورهم. ما معنى الجور؟ الجور بمعنى الظلم، بمعنى الظلم، بمعنى الغشم. ويدخل في ذلك كل صور الظلم. فإذا توليت وقد تبتلى الأمة زمن الأزمان ببعض الولاة من الجور، من أهل الظلم، من الظلمة، من أهل الجبروت، وسفك الدماء، والمتعطش لحقوق الناس. نبتلى بهذا بين فترة وأخرى، فما الأمر؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وأمر. من الذي أمر؟ هل مؤلف رحمه الله تعالى أنه أمر الناس في زمنه؟ أو هذا من فتاوى بعض المعاصرين من أهل الإرجاء كما يدعي البعض؟ لا، المؤلف قال: وأمر. إذن الضمير يعود لنبينا الذي خالف أهل الجاهلية، خالف في هذه المسألة، في كل صورها، في كل صور ما يتعلق بما كان عليه الجاهلية من اعتقادهم في ولاة الأمور، من عدم نصب الإمام، من عدم السمع والطاعة، من الانحراف ومقاتلته. أتي نبي بما يخالف هذه المعطيات جميعا، بوجوب نصب الإمام، بوجوب السمع والطاعة، بوجوب كذلك معاونة في الخير، وكذلك بالصبر عليه، بالصبر عليه، ولو كان من كان، ولو كان في الجور، قد بلغ مبلغا عظيما. لهذا قال المؤلف: قال وأمر. إذن نبينا أمر بالصبر على الجور. دل ذلك على هذا الحال يكون في حق من؟ هل في حق حاكم عادل؟ لا، إنما حاكم جائر، جائر، تبتل الأمة به. فقال نبينا: ويقول المؤلف: أن النبي أمر بالصبر. من ذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك، ومثل ما جاء من حديث ابن عباس، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا من ولي عليه وال، فليسمع له ويطع، ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيء من معصية الله، فليكره الذي يأتي من معصية الله، ولا ينزع يدا من طاعة». لا تربط هذا بذاك، بل قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «فليكره المعصية»، معصية الحرام، حرام إلى يوم القيامة. قال نبينا: «فليكره الذي يأتي، ولا ينزع عنا يدا من طاعة». لا تربط هذا بذاك. بل قال نبينا عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين: قال: «إنكم ستجدون بعدي أثرة». والأثرة يذكرها العلماء في تعريفها: هو أن يختص طائفة من الناس بالحق العام، يختص طائفة من الناس بالحق العام، مثل استغلال أنانية، يأخذ ما ليس بحقه، ثم يكون لنفسه، ولا يعطي لأحد غيره. قال عليه الصلاة والسلام: «إنها ستكون بعد أثرة». قال: «فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». فأمر نبينا بالصبر. وهذا يوافق ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: وأمر بالصبر على جور الولاة. ثم قال رحمه الله تعالى: وغلظ في ذلك، وأبدى فيه وأعاد. قوله: وغلظ في ذلك، أي أن نبينا غلظ في حكم هذه المسألة، حكم هذه المسألة: أنه لا ينبغي لأحد من أحد المسلمين أن يسوغ لنفسه أو أن يسوغ لغيره أن يتفلت من هذا الحكم الشرعي، وهو السمع والطاعة والنصيحة والصبر على جور الولاة. وأن من سوغ ذلك، فليعلم أن نبينا عليه الصلاة والسلام لحالهم أولئك بالمرصاد. حيث أنه عليه الصلاة والسلام غلظ الحكم فيهم. والأدلة كثيرة جدا تدل على شدة المعصية التي يفعلها من أمثال هؤلاء. ومن ذلك ما جاء في الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «من نزع يدا من طاعة، لم تكن له حجة يوم القيامة». «ومن مات مفارقا للجماعة، فميته جاهلية». من مات على هذا الحال، لا يرى أنه تبع لأحد، لا يرى أنه تبع لأحد. فإذا مات، مات ميتة جاهلية. قال العلماء: وهذا لا يخضي التكفير، ولكن يعلم أنه مات على وصف أو حال كما يموت عليه أهل الجاهلية. وهذه دلالة على سوء خاتمته، على سوء خاتمته. ما يموت كما يموت أهل الأبرار والأخيار والأتقياء الأصفياء، لا، إنما يموت كما يموت عليه أهل الجاهلية. فما ظنك يا عبد الله بما ستلاقيه عند ربك جل وعلا؟ ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وأبدى فيه وأعاد، أي كرر ذلك تكرارا ومرارا، ليس بحديث ولا باثنين ولا بثلاثة ولا بأربعة، بل قد صُنفت كتب كتب بأكملها تتعلق بسرد الأحاديث سردا التي جاءت من فم نبينا عليه الصلاة والسلام، تارة بالأمر بالسمع والطاعة، تارة بالتحذير من الخروج، تارة بذكر ما الذي ينبغي من الرعي للرعية. أحاديث جمة، كلها تتعلق بهذه المسألة التي أقولها للأسف، الكثير والكثير والكثير من أهل الإسلام في عماية عنها. منهم من لا يرفع بها رأسا، ومنهم من أعرض عنها، ومنهم من لا يريد أن يسمع بها. لا يا عبد الله، هو بين دين الله جل وعلا، ومن شريعة نبينا عليه الصلاة والسلام. السعيد كل السعادة، والفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة في حق من اعتصم بها. والخيبة والخسار والوبال والشنار والعار في حق من أعرض عنها. فهذه مسألة أخواني في الله من المسائل المهمة التي جاء نبينا وخالف أهل الجاهلية فيها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: أن مخالفة ما يتعلق بأهل الجاهلية، أن مخالفة ولي الأمر وعدم الإنقياد له فضيلة، والسمع والطاعة له ذل ومهانة. فخالفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بالصبر على جور الولاة، وأمر بالسمع والطاعة لهم والنصيحة، وغلظ في ذلك وأبدى فيه وأعاد. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.