الدرس في شرح المنظومة البيقونية 1، ألقاها
المقطع الأول يقدم مقدمة لدراسة المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث، ويتناول تاريخ تدوين الحديث النبوي. يشرح أقسام علم الحديث إلى رواية ودراية.
علم مصطلح الحديث تطور لضبط الأحاديث الصحيحة من الضعيفة. أول من ألف في هذا العلم الإمام الشافعي، ثم تبعه علماء آخرون مثل الرام هرمزي والحاكم أبو عبد الله.
المنظومة البيقونية هي منظومة صغيرة في علم مصطلح الحديث، نظمها البيقوني. اختلف العلماء في اسم ناظمها، وهي مفيدة للمبتدئين في هذا الفن.
يختتم المتحدث المقدمة بالحمد والاستغفار والتوبة. يُظهر تواضعه وخضوعه لله تعالى، ويستغفر الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فنحن بإذن الله عز وجل، كما ذكرنا لبعض إخواننا في سلسلة جديدة في علم من العلوم الشرعية، التي نسأل الله جل وعلا أن يعيننا على خدمة دينه وعلى أن يستعملنا في طاعته، وأن يرزقنا السداد والإخلاص والتوفيق ظاهرا وباطنا. فكما ذكر ومر معنا أننا بإذن الله عز وجل سنبدأ من هذا اليوم بإذن الله جل وعلا الدراسة في المنظومة البيقونية في مصطلح الحديث. وقبل الكلام عليها بإذن الله جل وعلا، نأخذ نبذة يسيرة وهي كالمقدمة والتهيئة والتوطئة لعلم الحديث من حيث هو، ومن حيث تدوين علم الحديث. علم الحديث من حيث هو، كما هو معلوم وظاهر، والحديث والمقصود به حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ويدخل في ذلك قوله وفعله وتقريره صلى الله عليه وسلم، كله من الحديث. كله حديث، سواء كان من قوله، فما وصل إلينا من قوله يقال فيه حديث، كما أن ما وصل إلينا من فعله يقال فيه حديث، وما وصل إلينا كذلك من إقراره يقال فيه كذلك حديث. وزاد بعضهم رابعا، فقال: كذلك يقال فيه بأنه حديث. والحديث، كما سمعت، من حيث هو، أول ما بدأ التدوين فيه في زمنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، حينما كان يكتب كل شيء يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكر عليه بعضهم ذلك، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر، فكيف تكتب عنه كل شيء؟ فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: اكتب. فوالله ما يخرج منه إلا حق. أي ما يخرج من فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حق، لأنه كما قال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾. وكان في بدء الأمر نهي عن كتابة الحديث، والسبب في ذلك كما قال من قال من أهل العلم: لأجل أن لا يختلط الحديث بالقرآن، لأجل أن لا يختلط الحديث بالقرآن. فلما ضبط الصحابة رضي الله عنهم القرآن، أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم في كتابة الحديث. فكان كما سمعتم أول ما كانت الكتابة في الحديث في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما جاء في حديث في قصة أبي شاه، حينما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه عن بعض الأحكام والأقضية، فأخبره بها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو شاه: يا رسول الله، أكتبها لي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لأبي شاه». كتبوا لهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كانت لبعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم صحف مأخوذة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالحاصل أن الحديث من حيث هو، أول ما دون في زمنه صلى الله عليه وسلم، وكان كالعادة كان في أول الأمر قليلا، أي التدوين، وذلك يعود لعدة أمور، منها أن الكاتبون كانوا قليلين، لأن الغالب فيهم الأمية. وثانيا لأن القوم كانوا يعتمدون على الحفظ، كانوا يعتمدون على الحفظ. وثالثا لقربهم منه صلى الله عليه وسلم، لم يكونوا بالحاجة إلى التدوين. ثم كان بعد ذلك، أي في زمن التابعين، سار من سار من التابعين على هذا النهج، أي منهم من كتب، ومنهم من اعتمد على حفظه. منهم من كتب، فكتبوا صحفا، كما في الصحيفة المشهورة همام بن منبه عن أبي هريرة، وصحيفة عامر بن شعيب عن أبيه عن جده، وصحف كثيرة. باز بن حكيم عن أبيه عن جده، والأعرج عن أبي هريرة، وجماعة عرفوا بأن لهم صحفا، بأن لهم صحفا عن الصحابة. ثم في عهد التابعين، بدأ التدوين، بدأ كما قال من قام العلماء، أول لبنة للتدوين، أي تدوين السنة. أما الأولى كانت لهم صحف، هذه صحيفة عن فلان من صحابة، هذه صحيفة في حديث ما، في حكم ما، وما شابه ذلك. لكن كتدوين للسنة، كتدوين للسنة، يعني أول ما كان ذلك في زمن تابعي التابعين. ويقال بأن أول من دون السنة كتدوين للسنة، يقال بأنه ابن جريج، عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الإمام المشهور رحمه الله. وبعضهم قال: بل مالك بن أنس، أي في كتاب الموطأ. ومنهم من قال: بل سعيد بن أبي عروبة. وبعضهم قال: لعل كل واحد منهم سابق باعتبار بلده، أي ذاك يعني ابن جريج في مكة، ومالك في المدينة، والآخر في العراق. فأولوية كل واحد منهم نسبية، والكل كانت تدوين في عهد ماذا؟ في عهد تابعي التابعين. وكما سمعتم، كانت تدوين في ذلك العهد، وفي ذلك العصر، تدوين للسنة، أي للأحاديث المرفوعة والموقوفة، بل وحيانا ينزلون إلى ماذا؟ إلى المقطوع عن التابعين. تدوين السنة، أما كمصطلح لعلم الحديث، وقبل أن ننتقل إلى المصطلح، علم الحديث، نعلم أن الحديث، أن علم الحديث، كما يذكر العلماء رحمه الله تعالى، ينقسم إلى قسمين: علم الرواية، وإلى علم دراية. فأما علم الرواية، فهو المتقدم، الصحابي يأخذه عن رسول الله، فيرويه لتابعي، والتابعي يرويه عن تابعي، وهكذا. تابع التابعي يرويه عن شيخه، وتابع التابعي أو التابعي يرويه عن من؟ عن شيخه. هذا يسمى ماذا؟ علم رواية. يسمى علم ماذا؟ رواية. كل تلميذ يأخذ الحديث عن شيخه، ويحدث به، يسمى علم رواية. وعلم الرواية في الزمن الأول كثير، في الزمن الأول كثير، وهو الأصل. والعلم الثاني انقسم إلى قسمين، علم الدراية، وعلم الدراية كذلك ينقسم إلى قسمين: علم دراية، ومعناه العلم بقواعد علم الحديث، صحة وضعفا. والقسم الثاني من علم الدراية هو علم فقه الأحاديث، ومعرفة معانيها ومدلولاتها، واستنباط الأحكام منها. هذا أيضا من الدراية. والمقصود من علم مصطلح الحديث هو القسم الثاني، أي أنه داخل في قسم ماذا؟ الدراية. في قسم الدراية. وكما سمعتم أن علم مصطلح الحديث، كعلم خاص، لم يكن موجودا أصلا في الزمن الأول، ولا في الزمن الثاني. لماذا؟ لأنهم كانوا مستغنين بماذا؟ بالرواية. يأتي الإنسان يسأل: حدثنا فلان عن رسول الله، صحابي أو تابعي، حدثنا أو أخبرنا عن فلان، حدثنا أبو هريرة عن فلان. ما يحتاجون إلى مصطلح، وقواعد، وضوابط. لماذا؟ لأنه مباشر، يروون الحديث مباشر، فلان عن فلان عن رسول الله، فلان عن فلان عن رسول الله، مباشرة. ولكن لما تأخر الزمن، وظهر في رجال الإسناد من ظهر ممن هو غير مرضي، ممن هو غير مرضي، وظهر ما ظهر من الأشياء التي احتاج العلماء لأجلها إلى ضبط ما يقبل وما لا يقبل من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من الأسانيد التي مرجعها إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. احتاج إلى وضع ضوابط وقواعد، بها يضبطون ما صح مما لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقال بأن أول من ألف في علم مصطلح الحديث، لا كفن مستقل، ننتبه، لا كفن مستقل، ولكن ضمن فن، هو الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. يقولون بأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى هو أول من ألف في علم مصطلح، باعتبار أنه ذكر بعض القواعد في علم مصطلح الحديث، فتكلم على الحديث الصحيح، وتكلم على الحديث المرسل، ومتى الحديث المرسل يقبل، ومتى لا يقبل، وتكلم على خبر الآحاد، وتكلم على الرواة، متى يكون راوي مقبولا، ومتى لا يكون مقبولا، في أبحاث ضمن كتابه الرسالة المشهورة بماذا؟ بالرسالة. فذكر فيه أبحاثا من أبحاث علم مصطلح الحديث، فهو بهذا الاعتبار يعد أول من ألف في علم مصطلح الحديث. وأما بالاعتبار الآخر، باعتبار أول من ألف في علم مصطلح حديث كجمع وتدوين لقواعد خاصة لهذا الفن، فيقولون بأنه الرام هرمزي رحمه الله. الرام هرمزي، يقولون بأنه أول من ألف في علم مصطلح الحديث، باعتبار ماذا؟ باعتبار تدوين كتاب خاص، ذكر فيه قواعد وأصول هذا الفن، في كتابه المشهور بالمحدث الفاصل. وهو كتاب، كعادة غيره من الكتب التي تكون في أول أمرها لم تستوعب، وكذلك لم ترتب الترتيب اللائق. كعادة الكتب التي مؤلفوها كأول كتاب في الفن. ثم تبعه بعد ذلك الحاكم أبو عبد الله في كتاب علوم الحديث، ثم تبعه أبو نعيم، وتبعه بعد ذلك الخطيب البغدادي. وهو كما يقول من يقول من أهل العلم: بأنه إمام هذا الفن، أي الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى. فهو الذي صنف وألف في كل فن من فنون علم مصطلح الحديث، أو يكاد أن يكون قد ألف في جميع مصطلح علوم الحديث. فهو كما يقول من يقول من العلماء: أن كل من جاء بعد الخطيب، فهو عالة عليه. كل من جاء بعد الخطيب، فهو عالة على كتبه في علم مصطلح الحديث. وهو كما ذكر رحمه الله تعالى، ومن أعظم كتبه الكفاية. من أعظم كتبه كتاب الكفاية. وله كتب في فنون كثيرة من فنون علم مصطلح الحديث. ثم تتابع الناس حتى وصل الأمر إلى ابن الصلاح رحمه الله تعالى، الذي كتب كتابه كذلك علوم الحديث، المشهورة بمقدمة ابن الصلاح. وهو كذلك يعد من أفضل الكتب المصنفة في هذا الباب. ثم سار الناس بسيره قرونا، حتى جاء الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، فألف في كتابه المشهور في النخبة، ثم شرح بكتابه النزهة، نزهة النظر، شرح نخبة الفكر. والناس كذلك من كتابه هذا وغيره ينهلون. فهذا ما يقال: نبذة يسيرة، ولفتة عابرة على مراحل علم الحديث والمصطلح، وكيف مرت هذه العلوم. وكذلك لفتة أخرى، ونظرة أخرى، قبل أن ندخل كذلك في الكلام على هذا الحديث. ولا بد أن تكون اليوم مقدمة. أن العلماء رحمهم الله تعالى، عادة العلماء رحمهم الله تعالى، جرت أنهم إذا بدأوا في كتاب ما، أو في فن ما، ذكروا مبادئ ذلك الفن العشرة، الذي جمعها القائل بقوله: «إن مبادئ كل علم عشرة: الحد، والموضوع، ثم الثمرة، ونسبة وفضله، والواضع، والاسم، والاستمداد، وحكم الشارع، مسائل أو مسائل، والبعض بالبعض اكتفى، ومن درى الجميع حاز الشرفاء». قوله رحمه الله تعالى: يعني قبل هذا، من باب الفائدة، يذكرون بأن الإمام بن حزم رحمه الله تعالى هو أول من ذكر هذه المبادئ، ثم سار الناس على سيره، أو سار الناس بعده بسيره. قوله: الحد، إن مبادئ كل علم عشرة: الحد. ومعنى الحد: التعريف. معنى الحد: حد الشيء، أي تعريفه، وضابطه. تعريفه، وضابطه. وحده سيأتي معنى بإذن الله جل وعلا، أي حد علم مصطلح الحديث. وحاصله أنه العلم الذي يبحث، أو العلم الذي يبحث، نعرف القواعد التي يتوصل بها إلى معرفة صحة الحديث من ضعفه، وعال الراوي والمروي. والموضوع: موضوع علم مصطلح الحديث، كذلك مأخوذ مما من تعريفه. موضوعه مأخوذ مما من تعريفه، أي معرفة القواعد التي بها يتوصل الإنسان إلى معرفة ما صح مما لم يصح من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا عن غيره، أي من الصحابة وغيرهم. ثم الثمرة: الثمرة، ثمرة هذا العلم له ثمار كثيرة، منها أنه قربة من القرب إلى الله تعالى، لأنه من العلم الشرعي. وثانيا من ثماره: معرفة صحة الحديث من ضعفه، وعال الرواة. ومن ثماره: ومن ثماره العمل به، أو العمل في العقائد والأحكام بالثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتناب ما لم يثبت. فهذا من ثماره. فهذا من ثماره. قوله: هو نسبة، أي نسبته، هو من العلوم الشرعية، نسبته هو من العلوم الشرعية، لأنه أحد فروع علم الحديث، كما تقدم معنا. لأن علم الحديث علم دراية، وعلم رواية، وهو داخل في علم الدراية. وخمسة الذي هو فضله: فضله أنه من العلوم الشرعية، وبه يعلم أو يتعبد العبد ربه جل وعلا على علم وبصيرة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نظر الله امرأ سمع مقالة، فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى له من سامع، أوعى من سامع». وقوله: وفضله، والواضع: الواضع، علم الحديث، علماء الحديث، هم الواضعون لهذا العلم. وكما تقدم: اختلف في أول من وضع أو صنف في علم الحديث من حيث هو، وكذلك في أول من صنف في علم مصطلح الحديث، كما تقدم. ونسبة وفضله، والواضع، والاسم: واسمه كما تقدم: علم مصطلح الحديث. والاسم: والاستمداد: واستمداده، أي استمداد هذا العلم من كلام أئمة هذا الفن، لأنه مصطلح أهل حديث، مصطلح أهل حديث. فاستمداده من كلام علماء وأئمة الفن رحمهم الله. قال: والاسم، والاستمداد، حكم الشارع، أي حكمه شرعا، هو كغيره من العلوم من فروض الكفايات، إذا قام به البعض ممن يقومون بهذا الواجب، سقط عن الباقين. وشرفهم أنهم كما سمعتم من علوم الشريعة. وكذلك مسائله: مسائله ما أخذ مما، كما سمعتم: مسائله معرفة القواعد، وما بها يعرف يعرف ما صح مما لم يصح من الأخبار. فهذه كما يقال: عجالة في معرفة مبادئ هذا الفن. فنأخذ ولو كما يقال: شيئا يسيرا عن كتاب البيقونية. طيب، هذه المنظومة، هذه المنظومة سميت بالمنظومة البيقونية، وبها اشتهرت، وبها اشتهرت بهذا الاسم. وسماها بذلك ناظمها، سماها بذلك ناظمها، إذ قال في آخرها: قال: «وقد أتت كالجوهر المكنوني، سميتها منظومة البيقوني». فسماها بهذا الاسم، وهي بيقونية، وهي منظومة على صغر حجمها، هي منظومة على صغر حجمها، إلا أن الله جل وعلا جعل فيها البركة، منظومة صغيرة، ولكنها مباركة. وما فيها من البركة تدل على أن كاتبها وناظمها رحمه الله تعالى لعله كان صادق النية فيها، فبارك الله جل وعلا في علمه. يعني لو ترون هذا الرجل لا يعرف له إلا هذا الكتاب، أو هذه المنظومة، وهي صغيرة جدا، صغيرة جدا، يعني في كم؟ في أربع وثلاثين بيتا. ومع هذا، هذه البيقونية، وهذا الكتاب الصغير الذي كما ترون بين أيدينا، كتاب صغير لا يرى، لكن الله جل وعلا خلد ذكره، ورفع ذكره بهذه الأبيات اليسيرة الصغيرة. وهذا يدلنا على ماذا؟ يدلنا على أمور، على شرف العلم، يدلنا على شرف العلم، وأن الإنسان لا يستهين بالعلم، لا يستهين بالعلم، ولا يقول: هذا تأليف صغير، أو هذا درس صغير، أو هذه مسألة صغيرة، لو كتبتها أو لو أعلمت بها الناس، أو لو نصحت بها، ما ستنفعني. بل الإنسان كما جاء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم، حديث أبي ذر، قال: «لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق». وكما يقال: الحديث شديد، والشيء بالشيء يذكر، مما أذكره من كلام شيخنا العلامة مقبل بن هادي رحمه الله تعالى، الوادعي، ذكر يوما كلاما مثل هذا الكلام، كلام خطر على بالي الآن. ذكر كلاما نحو هذا الكلام، قال: يا إخوان، من كان عنده بحث في مسألة، في ورقة، في ورقتين، في ثلاث، قال: يحتفظ بها. قال: إذا تعب، وحقق، ونقح، ورأى أنه قد أتم البحث فيها، قال: يحتفظ بها. قال: فإنه رب زمان يأتي، فينفع الله جل وعلا بهذا المكتوب أمة من الناس. قال: وانظروا إلى بعض مؤلفات الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى، بعضها، قال: لا تتجاوز صفحتين، أو الورقة، والثلاث. وقد جعل الله جل وعلا فيها البركة، يعني الناظر في مجموع فتاوى، مجموع الفتاوى التي جمعت، يعني كتب ورسائل الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى، بعضها مكونة من ثلاث ورقات، ورقة فتاوى، لكن فيها ماذا؟ فيها خير كثير. وهذا الكتاب، لو كتب بخط يد، كتب بخط يد معتدل، كم سيخرج؟ مع ورقات، ورقتين، أو أقل. صح أو لا؟ لو كتبنا بورقة واحدة، صفحة من الطويلة، ورقة واحدة من أمامي، الخلف، 34 بيتا، إذن لا يستهين الإنسان بالعلم، لا يستهين الإنسان بالعلم. إن وفقك الله جل وعلا، تستطيع أن تدرس إخوانك في درس صغير، درس، إن استطاع تبحث في مسألة، تنفع الله، يعني تنفع بها من تنفع، افعل. تستطيع أن تعظ الناس، افعل. تخطب الناس، افعل. افعل خير، ولا تحقرن من المعروف شيئا، عسى الله جل وعلا أن يبارك لك في ذلك، وأن ينفعك الله جل وعلا فيه، في يوم تكون أحوج ما تكون إلى أدنى، أدنى، أدنى خير، وبر، ومعروف. فالحاصل أن الكتاب، كتاب مبارك، جعل الله جل وعلا فيه البركة، ولعل هذا من حسن نية مؤلفه رحمه الله تعالى. هذا أمر، هذا من حيث الكتاب، والكتاب، المنظومة البيقونية، اجتمعت على جملة من علوم، أو من فنون علوم، من مصطلح علم الحديث. ولم يستوعب، ولم يستوعب، لماذا؟ لأنها منظومة صغيرة، منظومة صغيرة، وإنما أراد بها تهيئة المبتدئين، تهيئة المبتدئين في هذا الفن. وهناك بعض الملاحظات على البيقوني رحمه الله تعالى، في بعض الأبيات، سيأتي التنبيه عليها بإذن الله جل وعلا، في بابها. أي أنه بعض الأبيات، والتعاريف، ليست بالوجه، أو على الوجه المطلوب، وسيتنبه عليها بإذن الله جل وعلا. وبالجملة، هو كتاب مفيد، وهو يعد أول سلم لطالب العلم، يرتقي به في علم مصطلح الحديث، أول درجة في سلم علم مصطلح الحديث. نسأل الله جل وعلا أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه. أمر هذا، وأمر ثالث، أو رابع، وهو أن البيقوني رحمه الله تعالى، صاحب المنظومة البيقونية، اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في اسمه، اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في اسمه. فمنهم من سماه، من ذكر بأن اسمه عمر بن محمد بن فتوح البيقوني. ومنهم من قال: بأن اسمه طاها. منهم من جزم بأن اسمه عمر. ومنهم من جزم بأن اسمه طاها. ومنهم من تردد، فقال: هو عمر، أو طاها، ابن محمد بن فتوح البيقوني. وهذا كذلك يجرنا إلى ماذا؟ إلى أن رب كتاب، كما سمعتم، يكون أشهر من مؤلفه، رب كتاب يكون أشهر، وأعرف من ماذا؟ من مؤلفه. الرجل مختلف في اسمه، منهم من يقول: كذا، ولا يجزم. ومنهم من يقول: كذا، ولا يجزم. ومنهم من يقول: كذا، لعله كذا، أو كذا. أما الكتاب، فهو مشهور، إلى أنه لمن؟ للبيقوني، واضح يا أخوة؟ أم لا؟ فالحاصل أن منهم من يقول: بأن اسمه كذا، أو اسمه كذا. وهذا لا يضر، حسبنا أن نعلم أنها لرجل اسمه، أو مشهور بماذا؟ بأنه البيقوني. ودلالة الأبيات تدل على أن الرجل ممن له عناية بعلم الحديث، ممن له عناية بعلم الحديث. وله كذلك عناية بالنظم، بنظم الشعر، الشعر. فهو نظم هذه الأبيات السلسة، السهلة، التي ننصح إخواننا إن يستطيعوا أن يحفظوها، فليحفظوها. وإن شئتم أن نفعله إلزاما، فعناه. فمن رأي هذا، سيكون بعد الدرس، إن شاء الله. فنكتفي اليوم بهذا، بهذه المقدمة، إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.