شرح عقيدة السلف للصابوني 75

الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 75، ألقاها

تعريف البدعة وأهلها ومفهومها في الدين

يُعرَّف المقطع البدعة بأنها طريقة مخترعة في الدين تُضاهي الشريعة، ويوضح أن أهل البدع يُدخلون في دين الله ما ليس منه. يُقصد بالبدعة المبالغة في التعبُّد لله.

منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع أهل الأهواء والبدع

يشرح المقطع منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع أهل الأهواء والبدع، حيث يبتعدون عنهم ويعادونهم لاتباعهم طرقًا غير طريق النجاح. يقتدون بالسلف الصالحين في التمسك بالدين المتين والحق المبين.

أهمية اتباع السلف الصالح والتحذير من الابتداع

يؤكد النص على أهمية اتباع السلف الصالح وعدم ابتداع أمور جديدة في الدين، ويحذر من الابتداع مشيرًا إلى أن كل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فما زلنا كذلك في قوله رحمه الله تعالى، أي في قول الإمام أبي عثمان الصابوني، «ويتحابون في الدين، ويتباغضون فيه، ويتقون الجدال في الله والخصومات فيه، ويجانبون أهل البدع والضلالات». ويجانبون أهل البدع والضلالات؛ البدع جمع بدعة، والبدعة في اللغة الطريقة المخترعة التي لم تسبق بنظير، وفي الشرع عُرِّفت بتعاريف كثيرة، من أحسنها ما عرفه به الشاطبي رحمه الله تعالى بقوله: بأن البدعة عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تُضاهي الشريعة، يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبُّد لله تعالى. فهي، كما ذكر، طريقة في الدين، فدل ذلك على أن البدع إنما تكون في الدين، أي البدع المذمومة تكون في الدين، وأنها مُخترعة، أي لا أصل لها من الشرع، ولكن مُخترعة من آراء وأفكار ونظريات المخلوقين غير المعصومين، تُضاهي بها الشريعة، أي أن ذلك العمل يُعتقد أنه من الشريعة، أنه مثل الشريعة، ففيه معنى المُضاهاة للشريعة، وذلك العمل يُقصد به التعبُّد لله رب العالمين جل وعلا، والمبالغة في ذلك، فهي بدعة بهذا الاعتبار. وأهل البدع، وكذلك أهل الأهواء، وكذلك أهل الضلالات، هذه العبارة وهذه اللفظة تُطلق على المُؤسسين والمنظرين للبدع والمُستدلين لها والمُدخلين في دين الله جل وعلا ما ليس منه، هؤلاء يدخلون في هذا المعنى دخولاً أولياً، ويدخل فيهم كذلك كل من أحبهم وناصرهم على علم بحالهم، فكل من ناصر أهل البدع فهو منهم وإليهم، لأن المرء مع من أحب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب». فمن أحب أهل السنة فهو منهم، ومن ناصر أهل السنة فهو منهم، ومن آزر أهل السنة فهو منهم، والعكس بالعكس، من أحب وناصر وآزر وكافح ونافح عن أهل الأهواء فهو منهم. فأهل الأهواء هم المجانبون لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال، كما في حديث العرباض بن سارية: «عليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة ضلالة». فالحاصل أن الطريق طريقان: إما أن يكون طريقًا قد سلكه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأصحابه، فهو طريق النجاح، وإما أن يكون طريقًا ليس كذلك، فهو طريق الهلكة والعياذ بالله. فأهل الأهواء لهم طرق وطرائق يظنون أنها موصلة إلى الله جل وعلا، وفي الحقيقة هي من أعظم القواطع عن طريق الله جل وعلا؛ لأنها من سبل الشيطان، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود عند الإمام أحمد بإسناد حسن، قال: «خط رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم خطًا مستقيمًا، وخط على جنبتي ذلك الخط خطوطًا صغارًا، ثم قال: هذا صراط الله مستقيمًا، وعلى كل صراط من هذه السبل شيطان يدعو إليه». ثم قرأ نبينا صلى الله عليه وسلم قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فأهل الأهواء والبدع مجانبون لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ولما كان عليه أصحاب الكرام وأتباعهم بإحسان والأئمة الأعلام رضي الله عنهم ورحمهم الله في كل زمن ومكان. قال: «ويجانبون أهل البدع والضلالات»، هذا من منهج أهل السنة والجماعة، يجانبون، يبتعدون، يتجنبونهم، فلا يجالسونهم، ولا يستمعون إليهم، ولا يقرؤون كتبهم، بل ينفرون نفورًا عامًا حسيًا ومعنويًا عن أهل الأهواء والبدع؛ سلامة لقلوبهم؛ لأن القلوب ضعيفة وشبه خطافة. قال رحمه الله تعالى: «ويعادون أصحاب الأهواء والجهالات»، وهذا يدخل في الحب في الله والبغض في الله، فهم يبغضونهم ويعادونهم؛ لأنهم منابذون للسنن، مخالفون للسنن، فهم يبغضونهم لأجل هذه المعاني. الجهالات كذلك، أي الضلالات، المراد بالجهالات ها هنا الضلالات، والمقصود بأصحاب الأهواء أصحاب البدع والضلالات، والهواء إنما سمي هواء؛ لأنه يهوي بصاحبه إلى غير الحق وإلى غير الصراط المستقيم، هذا هو الأصل في الهواء. قال: «ويقتدون بالسلف الصالحين»، أي أن أهل السنة والجماعة، أهل الحديث والأثر، يقتدون بالسلف الصالحين من الصحابة والتابعين وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، من أئمة الدين وعلماء المسلمين، ويتمسكون بما كانوا به متمسكين من الدين المتين والحق المبين؛ لأن ما كان حقًا في عهد الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فهو الحق، وما كان باطلاً في عهد الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فهو الباطل. وما لم يكن دينًا عند الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فليس بدين، فكل من أتى بشيء من الأقوال أو الآراء أو النظريات أو الأفكار، فنسبها إلى دين الله جل وعلا، وأنها من دين الله جل وعلا، يقال له: هل علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل علمها الخلفاء الراشدون؟ هل حصل هذا منهم؟ إن قال: نعم، يقال له: أثبت هذا بالدليل، ولا يستطيع، فإن قال: ما أثبتوها، فيقال: ما ليس دينًا عندهم فهو ليس بدين عندنا، وما كان دينًا عندهم فهو دين عندنا؛ لأننا متبعون لما جاءنا من الله جل وعلا غير مبتدعين. قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فالحق كل الحق فيما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وفيما كان عليه الخلفاء الراشدون، وفيما كان عليه صحابة المرضيون وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين، هذا هو الدين. فدين أهل السنة والجماعة موروث، ورثوه من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ورثه الصحابة، وورثه الصحابة التابعون، وورثه التابعون لمن بعدهم، وهكذا، بخلاف دين أهل الأهواء والبدع، فإنه مستحدث، جديد، ليس له أصل، بدع، ضلالات. قال رحمه الله تعالى: «ويقتدون بالسلف الصالحين». وقوله: «يقتدون بالسلف»؛ السلف في اللغة بمعنى من سلف، أي سبق، فكل من سبقك فقد سلفك، هذا في اللغة. وفي الاصطلاح، يطلق لفظ السلف على معان، منها يطلق على الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم خاصة، ويطلق على الصحابة وأصحاب القرون الخيرة: الصحابة، والذين يلونهم، والذين يلونهم، يقال فيهم: هؤلاء سلف في الصلاح، طائفة من العلماء. ويطلق السلف على معنى ثالث، وهو على منهج كان يسير عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فهو كمنهج، يقال: هذا سلفي، ولو كان متأخرًا، هذا على مذهب السلف، على منهج السلف، فيطلق باعتبار منهج. لكن هنا في قوله: «ويقتدون بسلف الصالحين من أئمة الدين وعلماء المسلمين»، يريد بذلك -والله أعلى وأعلم- المعنى الثاني، أي: الصحابة والتابعون وتابعوهم من الأئمة الأعلام رضي الله عنهم وأرضاهم؛ لأنه قال: «ويقتدون» أي المتأخر يقتدي بماذا؟ بالمتقدم من الصحابة والتابعين وتابعيهم من أئمة الدين وعلماء المسلمين. ويتمسكون بما كانوا به متمسكين؛ لأنهم يعتقدون ويدينون الله تبارك وتعالى أن الدين الحق فيما كانوا عليه، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، فهم يسيرون بسيرهم، ويستضيئون بنورهم، ويعلمون أن كل خير في اتباع من سلف، وأن كل شر في ابتداع من خلف. كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف؛ صاحب هذا البيت خلف، ولكن قال كلمة حقيقية صواب، وهو خلف، هو صاحب «جوهر التوحيد» الأشعري، لكن نطق لسانه بالحق، فكان ذلك حجة عليه. فالخير كل الخير فيما كان عليه الصحابة الكرام وأتباعهم بإحسان والأئمة الأعلام رضي الله عنهم وأرضاهم، وغفر الله لنا ولهم. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على