الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 21، ألقاها
يتناول المقطع تحليل ظاهرة الشرك في الأمة الحديثة ومقارنتها بالشرك في الأمم السابقة، حيث يعتقد الناس في بعض الفسقة الأحياء ويعظمونهم. يُقارَن هذا الشرك بالشرك في الأمم السابقة حيث كان الأولون يشركون بالله في الرخاء ويخلصون له في الشدة.
يشرح المقطع تفاوت شرك المتقدمين والمتأخرين، حيث كان شرك الأولين في السراء فقط، بينما يُشرك المتأخرون في السراء والضراء. يعبد المتأخرون من دون الله من هو فاسق وفاجر ويعتقدون فيهم القدرة على النفع والضر.
من ادعى علم الغيب فهو كافر بالله تعالى لأنه مكذب لقول الله تعالى في القرآن الكريم. يحذر الشيخ من الشرك بالله ويشير إلى أن بعض الناس يجعلون آلهة أخرى ندًا لله تعالى، ويستدل بآيات قرآنية لتوضيح ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد": «قال وقد يعتقدون -والخطاب هاهنا مع القبورية- قال وقد يعتقدون في بعض فسقة الأحياء، وينادونهم في الشدة والرخاء، وهو عاكفٌ على الفضائح»، أي ذلك الفاسق لا يحضر حيث أمر الله عباده المؤمنين بالحضور، لا يحضر جمعةً ولا جماعةً، ولا يعود مريضًا، ولا يشيع جنازةً، ويضم إلى ذلك دعوى علم الغيب، ويجلب إليه إبليس جماعةً قد عشش إبليس في قلوبهم وبعض فيها وأفرخ، يُصدِّقون بُهتانه ويُعظِّمون شأنه، ويَجَعَلُونَ هَذَا نِدَّا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ومِثْلًا، فَيَا لَلْعُقُولِ أَيْنَ ذَهَبَتْ إِذْ جُهِلَتْ الشَّرَائِعْ. قوله رحمه الله تعالى: «وَيَعْتَقِدُونَ فِي بَعْضِ فَسَقَةِ الْأَحْيَاءِ» أن يعتقدون فيهم عقائد عقيدة لا تجوز إلا في حق الله رب العالمين جل وعلا، من أن لهم قدرة على النفع والضر المطلق استقلالًا، وأنهم يرزقون ويُغيثون ويُحيون ويميتون وينفعون ويضرون، إلى غير ذلك من عقائد أهل الجاهلية والعياذ بالله. وإن كان هؤلاء فسقة فجرة قد ظهر فجورهم وفسوقهم ورؤيا رأي عين، ومع هذا تجد بعض هؤلاء يُعظِّمونهم تعظيمًا لا يلق إلا بالله رب العالمين جل وعلا، ويرفعونهم منزلة لا تكون إلا لله رب العالمين جل وعلا. قال: «ويُنادونهم في الشدة والرخاء» يعتقدون فيهم ما يعتقدون ويدعونهم من دون الله جل وعلا، وهل في حال الرخاء فحسن؟ لا، بل في حال الشدة والرخاء. وهذه من الفوارق بين شرك الأولين وشرك الآخرين، فالأولون يُشرِكون بالله جل وعلا في الرخاء ويُخلِصون لله جل وعلا عند شدة البلاء. قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ هؤلاء المشركون الأول في حال الشدة والكرب والضراء لا يلتفتون إلا إلى الله جل وعلا، ويُخلِصون الدُّعاء لله جل وعلا لأنهم يعلمون أن النافع الضار المُطلق هو الله جل وعلا، فتنقطع عنهم رؤية وصائطهم التي يدعونها ويعبدونها من دون الله جل وعلا في حالة السراء. بخلاف المُشركين من المُتأخرين ممن جاءوا في آخر هذه الأمة، تجدهم يلجأون ويدعون غير الله جل وعلا ويستغيثون بهم ويطلبون منهم المدد، بل والرزق والولد في حالة السراء والضراء لا فرق. الأولون في حالة السراء يُشرِكون، وفي حالة الضراء يُخلِصون، أما المُشركون المُتأخرون فإنهم يُشركون بالله جل وعلا في حالة السراء والضراء. لذا قال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، الإمام المُجدد في كتابه "كشف الشبهات": «أن كفر المُتأخرين أو شرك المُتأخرين أشد من شرك المُتقدِّمين»، وذكر من ذلكم ما تقدَّم ذكره من أن المُشركين الأول يُشركون بالله جل وعلا في السراء دون الضراء، أما المُشركون المُتأخرون فإنهم يُشركون بالله جل وعلا في السراء والضراء. هذا أمر، وأمرٌ آخر أن المُشركين الأول إما أنهم يعبدون أناسًا صالحين، سواء كانوا ملائكة أنبياء صالحين من عباد الله جل وعلا، أو يعبدون من دون الله جل وعلا من ليس بفاسقٍ وفاجر، كعبادة الأحجار والأشجار والكواكب ونحو ذلك. هم مُشركون بالله جل وعلا، لكن شِرْكُهم بخلاف المُشركين المُتأخرين، فإنهم يعبدون من دون الله جل وعلا ما تقدَّم، ويشتركون مع الأول ويزيدون عليهم أنهم ربما عبدوا أفجر الناس وأفسق الناس وأكفر الناس، ويقولون بأن هؤلاء أولياء، وأن لهم قدرة على النفع أو الضر، وأن لهم جاهًا ومكانةً، بل وربما اعتقدوا فيهم أنهم ربما يقدرون على تغيير الكون وتحريكه وإحياء من أرادوا إحياءه وإماتة من أرادوا إماتته، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تكون إلا لله رب العالمين جل وعلا. لذا يقول الشيخ رحمه الله: «وقد يعتقدون في بعض فسقة الأحياء ممن هو قائمٌ على المعصية، على الفجور، بل على الكفر والعياذ بالله»، ومن قرأ في قصص وأخبار بعض من يسمونهم أولياء لوجد العجب العجاب مما يستحيى أن يذكر، ما وصل به حال أولئك من الفجور. والعجب العجاب أن يعتقد فيهم أتباعهم أن تلك على سبيل الكرامات وعلى سبيل الولايات، نعوذ بالله من انتكاس الفطر والعقول والقلوب، إن لله وإن إليه راجعون. قال رحمه الله تعالى: «وينادونهم في الشدة والرخاء، وهو عاكفٌ على الفضائح» والعياذ بالله، لا يحضر حيث أمر الله عباده المؤمنين بالحضور، لا يحضر جمعةً ولا جماعةً. وقد مر معنا أن ذُكر في دروس مضت في "قرة عيون الموحدين" وغيرها، ما ذكره الأئمة رحمهم الله تعالى عن البدوي الذي يعدونه أهل مصر أنه من كبار السادات الأولياء، ذكر السخاوي رحمه الله تعالى عن أبي حيان عن البدوي هذا أنه حضر يومًا الجمعة وهو على حالة مزرية وعلى حالة قبيحة، فكان يتمتم ويتكلم ويحصل منه ما يحصل من الأمور، والخطيب يخطب، وبعد ذلك بأي الناس يصلون وهو يبول في المسجد، ويعتقدون فيه أنه صاحب كرامة، أن الجمعة والجماعة قد سقطت عليه، بأنه عبد الله حتى أتاه اليقين، لا جمعة ولا جماعة، يبول على ثيابه في داخل المسجد، وعندهم هذا الولي هذا المقرب هذا الذي يستحق العبادة مع الله جل وعلا، نعوذ بالله من الخذلان. قال رحمه الله تعالى: «ولا يعود مريضًا، ولا يشيع جنازةً، ويضم إلى ذلك دعوى علم الغيب»، وهذا كفر مستقل بذاته، من ادعى علم الغيب من دون الله جل وعلا فهو كافر بالله جل وعلا، لأنه مكذب لله جل وعلا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنْ اصْطَفَى مِنْ رَسُولٍ﴾، وأدلة ذلك كثيرة. بل الله جل وعلا يقول عن خير الخلق والخليقة صلوات الله وسلامه عليه، خير خلق الله جل وعلا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. فالشاهد من هذا: إذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، فهل يستطيع أن يكون غيره أعلى منزلة منه فيعلم الغيب مع الله تعالى؟ الله عما يقولون. فمن زعم أنه يعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله جل وعلا كما يزعم أولئك أنهم يطلعون على ما في اللوح المحفوظ، بعض هؤلاء من الفجرة يقول: «أنتم تأخذون دينكم بوساطة جبريل عن محمد، أما أنا أخذ ديني مباشرة عن اللوح المحفوظ»، أن يطلع علم الغيب، يرى ويقرأ اللوح المحفوظ، أن يعلم علم الغيب هذا والعياذ بالله كفر بالله جل وعلا، وشرك بالله جل وعلا في صفة العلم، أنه أشرك مع الله جل وعلا في هذه الصفة، إذ زعم لنفسه ما هو من خصائص الله رب العالمين جل وعلا، أي علم الغيب. قال رحمه الله تعالى: «ويجلب إليه إبليس جماعةً قد عشش إبليس في قلوبهم وبعض فيها وأفرخ»، أي صارت قلوبهم مظلمة، صارت قلوبهم مظلمة موحشة بما حصى لهم من البعد عن الله رب العالمين جل وعلا. قال: «يُصدِّقون بُهتانه» يصدقون أنه يعلم الغيب، ويعظم شأنه، ومما ذكر من عجائب هؤلاء قيل: أن رجلًا فقد ولدًا له، فذهب إلى شيخه، فقالوا: «يا حبيب أين ولدي؟ هل هو من الأحياء أو من الأموات؟» فذلك الدجال ماذا قال؟ قال: «انتظر دقيقًا، انتظر قليلًا»، ثم تمتم وفعل حركات يظهر أنه يطلع على اللوح المحفوظ أو على علم الغيب، فقال: «نظرت في الجنة فلم أجد ولدك، ونظرت في النار فلم أجد ولدك، إذا ولدك في الدنيا حي»، كذب وافتراء. لكن انظر إلى هؤلاء كيف يصدقون هذا الكذب المفضوح ويقرونه ويعتقدونه. قال: «ويجعلون هذا ندًا لله رب العالمين ومثلًا»، إذ أنه يعلم ما يعلم الله، ويقدر على ما يقدر عليه الله سبحانه وتعالى، ويفعل ما يفعله الله جل وعلا، فهو ند لله جل وعلا في حقيقة الأمر، وإن أبوا ذلك في أقوالهم وألفاظهم، لكن حقيقة ذلك يدل على ما ذكر. لذا يقول الشيخ: «فيا لَلْعُقُولِ أَيْنَ ذَهَبَتْ إِذْ جُهِلَتْ الشَّرَائِعْ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ فكيف تدعونهم وكيف تلجأون إليهم؟!». ﴿إِنَّ اللَّهَ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحابته أجمعين.