وقفات مع آيات سورة القدر 3

الدرس في وقفات مع آيات سورة القدر 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

العلامات المقارنة لليلة القدر

يذكر المقطع أن الله قد يمنّ على بعض المؤمنين بمعرفة ليلة القدر بعلامات تقع في أثنائها، مثل رؤية صالحة في المنام تواطأت عليها رؤى الصحابة على أنها في السبع الأواخر. كما يشير إلى نزول المطر في تلك الليلة كما في حديث أبي سعيد الخدري حيث سجد النبي صلى الله عليه وسلم في صبيحتها في ماء وطين.

العلامات اللاحقة لليلة القدر

تتضمن العلامات اللاحقة لليلة القدر طلوع الشمس حمراء ضعيفة بلا شعاع تشبه الطست، مما يمكن الناظر من الاستمرار في النظر إليها دون ضرر. وتظهر هذه العلامة بعد انقضاء الليل لتدل على وقوع الليلة المباركة.

العلامات غير الثابتة ووجوب الاجتهاد في العشر الأواخر

يبيّن المقطع أن كثيراً مما يُنسب من علامات لليلة القدر كإضاءة الشوارع أو نباح الكلاب لا دليل عليه، وأن العلامات المعتمدة هي المقارنة واللاحقة فقط. لذا يجب على المؤمن الاجتهاد في العبادة طوال العشر الأواخر وعدم الاعتماد على علامات غير ثابتة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، كان الحديث على فضل ليلة القدر، وفضائل وخصائص تلك الليلة، وبعض الأحكام المتعلقة بها. ليلة القدر: هل يعلم بها المؤمن؟ وهل جُعلت لها علامات تعرف بها؟ نعم، قد يمنُّ الله عز وجل على بعض عباده بمعرفة تلك الليلة بعلامات: علامات في أثنائها، وعلامات بعد مضيّها. فأما العلامات المقارنة، والتي في أثناء هذه الليلة، فمنها أن الله عز وجل قد يمن على المؤمن برؤية صالحة، هذه الرؤية تُبَيِّنُ له هذه الليلة. ودليل هذا ما مرَّ معنا في حديث ابن عمر: أن رجالًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُرُوا - يعني في المنام - أُرُوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أُرَى رؤياكم قد تواطأت» - يعني اتفقت - «في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر»، والحديث متفق عليه. فقد يُرِي الله عز وجل عبده المؤمن ليلة القدر في المنام، يقع ذلك لبعض عباد الله عز وجل الصالحين. ومن العلامات كذلك التي تقع في أثناء هذه الليلة: تكون ليلتها مُمطرة. ودليل ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، فنزل المطر في تلك الليلة، فسجد في صلاة الصبح في ماء وطين. فاستدل أهل العلم بهذا الحديث على أن قد تكون من علامات هذه الليلة ما وقع في عهد النبي عليه الصلاة والسلام من أن في هذه الليلة يمن الله عز وجل على عباده بنزول القطر من السماء، مطر رحمة لا عذاب. ومن تلك العلامات أيضًا المقارنة، والتي تقع في أثناء هذه الليلة، وبها تعرف في أثنائها: أن ليلة القدر ليلة طلقة. ومعنى طلقة: يعني معتدلة، لا حار ولا باردة، لا حار ولا باردة. وقد جاء في هذا حديث أخرجه في صحيحه، وصححه العلامة الألباني. فمثلًا تجد الجو العام في جميع الليالي مثلًا حرًا، جوًا حارًا، ففي هذه الليلة يتغير الجو، فترى الجو معتدلًا، ليس بالحار ولا بالبارد. أو العكس: تجد مثلًا الليلة باردة شاتية، ولكن في ليلة القدر من علاماتها أنها تكون معتدلة. وهذا كذلك من العلامات المقارنة لليلة القدر، أي التي تكون في أثنائها. وهناك علامات لاحقة، يعني تظهر بعد مضي ليلة القدر وبعد انتهائها. فمن هذه العلامات: أن الشمس تطلع في صبيحتها، يعني في صبيحة ليلة القدر، حمراء ضعيفة لا شعاع لها. وهذا جاء فيه حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، أنه قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنها تطلع الشمس يومئذ لا شعاع لها كأنها طست حتى ترتفع»، والحديث في صحيح مسلم، رواه الإمام مسلم في صحيحه. فالأصل في الشمس إذا طلعت ونظرت إليها ما تستطيع أن تستمر في النظر إليها لقوة أشعتها، هذا الأصل. لكن في صبيحة ليلة القدر تنظر إليها كأنها قمر لا شعاع لها، يمكن تجلس نصف ساعة، ساعة، وأنت تنظر إليها ولا تشعر بضرر أشعتها، وإنما لا شعاع لها. وهذا والله قد رأيناه في بعض الأعوام. نعم، أنت انظر الآن مثلًا يوم غد صبيحة الليلة العشرية من رمضان، ليست من العشر، انظر إلى الشمس، ربما ما تستطيع تستمر دقيقة واحدة لقوة أشعتها. لكن في صبيحة ليلة القدر تنظر دقائق ودقائق ولا تشعر بضرر أشعتها، كالطست كما جاء في حديث مسلم، لا شعاع لها. وهذه العلامة لاحقة، يعني تظهر بعد ذهاب هذه الليلة وزوالها. نعم، فهذه علامة لاحقة. وهذه العلامات التي ثبت بها الدليل. وأما ما يذكره البعض من علامات، ففي الحقيقة أنه لا دليل عليها. فبعضهم يقول: إن الشوارع تكون مضيئة وفيها نور، دليل نزول الملائكة، وهذا لا دليل عليه. ومنهم من يقول: إن في هذه الليلة يزداد نباح الكلاب، وهذا لا دليل عليه. أو كذلك يزداد نهيق الحمير، وهذا أيضًا لا دليل عليه. فكل هذه لا دليل عليها. الذي ورد به الدليل ما تقدم من العلامات المقارنة، والعلامات اللاحقة. وقد يمن الله عز وجل على بعض عباده فيشعر في هذه الليلة بطمأنينة وسكينة وزيادة خشوع، ذكر هذا بعض أهل العلم، ولكن هذا ليس مضطردًا وليس لكل أحد، ولكن لبعض عباد الله المؤمنين، فيشعر بروحانية في هذه الليلة ويشعر بزيادة خشوع. فإذا أراد أن يتأكد فلينظر إلى العلامة اللاحقة من طلوع الشمس صفراء لا شعاع لها، فإن رأى ذلك تأكد له ما كان يشعر في تلك الليلة. فذكر هذا كذلك بعض أهل العلم. وإنما هذه العلامات ليست جزمًا، يعني ليس مجزوما بها. والإنسان ربما إذا رأى شيئًا من هذه العلامات يتكل عليها ويترك الجد والاجتهاد، ويترك كذلك الطاعة والاجتهاد في العبادة. لا، ليس الأمر كذلك. ولذلك ذكر أهل العلم أن من الحكم في إخفاء هذه الليلة حتى لا يجتهد العبد في هذه الليلة ثم يترك العبادة في غيرها من الليالي. فأخفاها الله عز وجل ليزداد العبد قربة إلى الله عز وجل، وأخفاها اختبارًا لهم أيضًا ليتبين بذلك من كان جادًا في طلبها حريصًا عليها ممن كان كسلان. فالخلاصة: أن المؤمن يجتهد في جميع العشر، ولا بأس أن يتتبع بعض هذه العلامات حتى يكثر، خصوصًا العلامات المقارنة، فيكثر في هذه الليلة من العبادة والدعاء والاستغفار وقراءة القرآن والاجتهاد في طاعة الله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر