شرح مسائل الجاهلية  126

شرح مسائل الجاهلية 126

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 126، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

دعوى اتباع السلف وبيان تناقض أهل الجاهلية وأهل الكتاب

يشرح المقطع الأول دعوى أهل الجاهلية وأهل الكتاب اتباع السلف الصالح وتناقضهم في ذلك. يبين المؤلف أمثلة على ذلك من اليهود والنصارى الذين يدعون اتباع موسى وعيسى عليهما السلام بينما خالفوا تعاليمهما.

أهمية البرهان في إثبات الانتساب الحقيقي للدين

يتناول المقطع الثاني تناقض اليهود والنصارى في ادعاءاتهم حول إبراهيم وعيسى عليهما السلام ويبين أهمية البرهان في إثبات الانتساب الحقيقي للدين. يشير إلى أن العبرة ليست بالدعوة أو الانتساب بل بالدليل والبرهان.

معنى السلفية الحقيقية واتباع السلف الصالح

يشرح المقطع الثالث معنى السلفية الحقيقية بأنها اتباع أثر السلف الصالح في الاعتقاد والأخلاق والمنهاج. يحذر من انتساب بعض الجماعات إلى السلفية مع مخالفتهم لمنهج السلف ويؤكد أن العبرة بالاتباع للكتاب والسنة.

الدعاء والصلاة على النبي ختاماً للدرس

يتضمن المقطع الأخير دعاءً بأن ينفع الله تعالى السامعين ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: العشرون بعد المئة، دعواهم اتباع السلف مع التصريح بمخالفتهم. قوله رحمه الله تعالى: دعواهم، والضمير هنا عائد إلى أهل الجاهلية، ويدخل في ذلك أهل الكتاب، فهم يدعون، وما هي الدعوة؟ قال: اتباع السلف. والسلف، كما قال أهل اللغة، مادة السين واللام والفاء تدل على من تقدم، تدل على كل متقدم، وفصلة السلف بمن تقدم من آبائك وأجدادك، من تقدم من آبائك وأجدادك. وهنا أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن أهل الجاهلية يدعون اتباع من سلف، ومن الذي يعنونه هنا بالسلف؟ أي أهل الصلاح ممن سبقهم، يدعون انتسابهم واتباعهم لمن تقدم من آبائهم وأجدادهم من صالح الأمة. وهذه المسألة، إخواني في الله، قد سطرها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه، إذ أن أهل الكتاب يصرحون بأنهم ماضون على ما كان عليه الأوائل من أهل الصلاح وعلى رأس هؤلاء الأنبياء. فمثلًا اليهود كانوا ولا زالوا يدعون أنهم ماضون على سبيل موسى عليه السلام وما أنزله ربنا عليه في التوراة، وهكذا قل في حق النصارى، هم كانوا ولا زالوا في هذه الأزمان يدعون أنهم من أتباع عيسى عليه السلام وأنهم على إثر ما أتى به ربنا سبحانه وتعالى في الإنجيل. وهكذا قس في سائر الفرق والملل، الكل يدعي صلة وانتسابًا ودعوة لمن تقدم من أهل الصلاح ممن مضى. فقال رحمه الله تعالى: دعواهم اتباع السلف مع التصريح بمخالفتهم، وهذا هو عين التناقض، إذ أن هؤلاء مع دعائهم لانتسابهم بصالح من سلف، ذاك الذي يصرح بأنه على خطى موسى أو ذاك الذي يظهر بأنه على سبيل عيسى عليه السلام هو في نفسه كذلك متناقض، إذ أنه يخالف ما جاء به الأوائل. فمثلًا اليهود هم يدعون أنهم على دين موسى عليه السلام، وموسى من أنبياء الله ورسله، مما جاءوا بتوحيد الله وإفراده بالعبودية والتعظيم لربه سبحانه وتعالى، لكن أين اليهود من اتباعهم لموسى؟ وهم على خلاف ذلك، وهم خالفوا موسى عليه السلام في عقائدهم، لا أقول فقط في سلوكهم، بل حتى في عقيدته. أليس اليهود هم الذين اتخذوا العجل من بعد موسى عليه السلام؟ أليس اليهود هم الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء؟ أليس اليهود هم القائلون: يد الله مغلولة؟ أليس ربنا حكى عز وجل عن اليهود بأنهم قد قتلوا الأنبياء وسفكوا الدم الحرام؟ كل هذا حاصل من بني إسرائيل من اليهود، فكيف بعد ذلك هم يدعون بأنهم على إثر موسى عليه السلام؟ وهكذا قس في حق النصارى الذين يدعون إلى الآن بأنهم على سبيل عيسى عليه السلام وأن لهم ذلك، وهم الذين قد وقعوا في الكفر الأحمر. ألم يحكي ربنا عنهم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ هذا قولهم، مع أن عيسى عليه السلام في مهده قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ آتاني الكتاب، فهو ليس هو الله تعالى الله عن ذلك، وهو ليس ابن الله، بل هو عبد لله عز وجل. قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ ومع ذلك النصارى الذين يدعون أنهم على خطى عيسى ما قالوا عن عيسى أنه عبد الله، وإنما قالوا عن عيسى أنه الله أو أنه ابن الله، فهل بعد ذلك مناقضة؟ أعظم من هذه المناقضة. إذن هذا الذي عناه المؤلف رحمه الله تعالى أن أهل الجاهلية مع دعواهم الانتساب ودعواهم لاتباع ما سلف، إلا أنهم أتوا بنقيض المخالفة لمن كان من مضى من سالف أصحابهم، بل هكذا كفار العرب. وهذا، إخواني في الله، يدلنا ويجرنا هذا إلى الآية التي قد مرت معنا في درس أمس، كيف كان اليهود والنصارى الكل يدعي وصلة بإبراهيم عليه السلام، وأن إبراهيم يهودي، وأن إبراهيم نصراني، لكن هذا التناقض بعينه، لأن كما قال ربنا جل وعلا: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كيف تقولون بأن إبراهيم على ملتكم وإبراهيم وحده؟ وكيف تقول يا يهودي بأن إبراهيم على ملتكم وإبراهيم عز وجل قد أفرد الله بالعبودية؟ هذا لا يمكن، هذا عين التناقض. وبه نعلم، إخواني في الله، ليس العبرة بالدعوة، ليس العبرة بالانتساب، لا، كان العبرة يا عبد الله بالبرهان، البرهان الذي فيه تصحح هذه النسبة وتصحح هذه الدعوة. ولهذا عندما ظهر من أهل الإسلام من يدعي الانتماء للإسلام، أمرهم ربنا جل وعلا بالبرهان. فليس من الإسلام يا عبد الله أنك تتشدق بهذه الكلمة وأنت عاري عن الأدلة عاري عن البراهين. قال ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فليس دعوة أنك معظم لله وأنك متبع لله تكون هذه الدعوة في اللسان فقط، بل لا بد يا عبد الله أن تقدم البراهين، ومن ذلك الاتباع، ومن ذلك الاقتفاء لاتباع نبيك عليه الصلاة والسلام. وهكذا مثل هذه الأزمان، ما نرى من كثير من الناس ممن يدعي أنه على نهج السنة أو أنه على طريقة أهل السنة والجماعة، هذه الدعوة يا عبد الله وهذه النسبة، وإن كانت نسبة حميدة وإن كانت نسبة محمودة، بل هي نسبة شرعية، لكن هذه النسبة تفتقر إلى دليل، تفتقر إلى دليل. فكم نسمع من كثير من من يحمل راية أهل السنة والجماعة وهو عاري عن هذه النسبة عاري عنها كل العري؟ يقول ربنا صلى الله عليه وسلم عندما ذكر افتراق هذه الأمة، بيّن أن الفرقة الناجية وهم الطائفة المنصورة وهم أهل السنة والجماعة، ما هو دليلهم على هذه النسبة؟ قال: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، وهذا الأثر صحيح، جماعة من العلماء: «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، من كان هذا حاله مستمسك بما كان عليه نبينا وما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هم الفرقة الناجية، هم الطائفة المنصورة. وهكذا قس كذلك الذي يتغزل، والذي كذلك يتشدق بكلمة السلفية، بالسلفية أصبحت هذه الكلمة على كل لسان، طيب ما معنى السلفية؟ هل السلفية ثوب يلبس؟ هل السلفية كلمات يتشدق بها باللسان؟ لا يا عبد الله، السلفية هي كما قال: اسم ومعنى، السلفية اسم وكذلك معنى، معنى أنك تقتفي أثر سلفك الصالح. كيف أنت مع سلفك الصالح؟ كيف أنت في هديهم؟ كيف أنت في سمتهم؟ كيف أنت في اعتقاداتهم؟ كيف أنت في أخلاقهم؟ كيف أنت في تربيتهم؟ تنظر في حالك، هذا المقياس، هذا المعيار. أم أنك تجد جماعة بعيدة كل البعد في اعتقادها في أخلاقها في منهاجها في سبيلها في صراطها في تمسكها بالتعبد الذي كان عليه السلف الصالح، هم بعداء كل البعد عن ذلك، ومع هذا لا زالوا يتشدقون باسم السلفية. فهذه، إخواني، دعاوى كما كان عليه أهل الجاهلية أنهم يدعون انتسابهم بالسلف، ومع ذلك يأتون بمخالفة ما عليه السلف الصالح، ليس في منهج سلفنا الصالح ما يتعلق بالفتن والزلازل والبدع والمحدثات. كم تجد من فرقة تنتمي إلى مذهب السلف وهم ماذا؟ يأتون بالطوام يأتون بالعظائم يأتون بالمحدثات، بدع في المنهاج، بدع في السلوك، بدع في الاعتقاد، هذا ما ليس عليه سلفنا الصالح. ما كان منهج السلف بلا منهج ابتداء، لا في طريقتهم وعبادتهم، ولا كذلك في اعتقاداتهم. فالعبرة يا عبد الله بالعمل، ليس العبرة بالدعوة. ورحمة الله على الشافعي رحمه الله تعالى حين قال: إذا رأيت الرجل يطير في الهواء ويسير في الماء فلا تصدقوه حتى تروا اتباعه للكتاب والسنة، هذا المقياس. فرب رجل يدعي الولاية وأنه ولي لله عز وجل، فيأتيك بخوارق العادات، يطير في الهواء ويسير فوق الماء، فهذا ليس له عبرة، قال: حتى تنظر اتباعه للكتاب والسنة. فالعبرة يا عبد الله بما جاء عن كتاب ربنا وبما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا قس عليه أصحاب المذاهب، ما عليه أصحاب المذاهب، ذلك يقول: أنا شافعي، وأنا حنبلي، وأنا مالكي، مع أن هذه النسبة فيها الذي فيها، لكن مع ذلك تجد أن من يدعي الانتساب لهؤلاء المذاهب المتبوعة تجد أنه من أبعد الناس عن أئمتهم، من أبعد الناس عن أئمتهم. تجد رجل القائل على المذهب الشافعي ونحن شافعية، وتجده أشعري عجيب، وهل الشافعي كان أشعري؟ شافعي عبد الله من حامي لواء السنة، حامي حمى السنة، رحمة الله تعالى عليه، هذا الشافعي سطر ونافح ودافع، بل كذلك قام بالمناظرات مع أهل البدع وقمعهم رحمه الله رحمة واسعة، فكان على الجادة، كان سلفيًا في المعتقد، كان سنيا في الاتباع. ثم يأتي من يأتي من الخلف ويقول: نحن شافعية، ثم تأتون بعظم المخالفة للمذهب في اعتقاده وما كان عليه. وهكذا بعض الحنابلة من المتأخرين ممن أتوا كذلك فيهم لوثة في باب الأسماء والصفات، ويدعون أنهم على المذهب الحنبلي، كذلك هذه دعوة كلها دعوة كاذبة ودعوة باطلة. فإن كان حبك صادقًا لأطعته، إن المحب لمن يحب مطيع. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.