الدرس في شرح الشمائل المحمدية 61، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستعرض المقطع أحاديث الشمائل المحمدية في باب شعر النبي صلى الله عليه وسلم، مبينًا أنه كان يتمثل ببعض أشعار الصحابة كابن رواحة ولَبيد دون أن يكون شاعرًا، ويوضح أقوال العلماء في أن خروجه موزونًا لا يُعد شعرًا لقصد غير مقصود. كما يورد قصة إنشاد ابن رواحة في عمرة القضاء وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له، وحديث جابر بن سمرة عن سكوت النبي وتبسمه عند تناشد الصحابة الشعر، دالًا على جواز الشعر الحسن المدافع عن الحق.
يتناول المقطع جواز إنشاد الشعر بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره لذلك بتبسمه، ويسرد قصة الشريد بن سويد وهو يردف النبي وينشده مئة بيت من شعر أمية بن أبي الصلت فقال النبي: «كاد ليسلم». ويذكر أيضاً قصة حسان بن ثابت ينافح عن النبي من على المنبر في المسجد بتأييد من روح القدس جبريل عليه السلام.
يتناول المقطع بابين من الشمائل: أولهما جواز الشعر وحسنه عند النبي ﷺ بشرط الدفاع عن الدين والسنة، مستشهداً بحسان بن ثابت. ثانيهما حكم السمر (السهر بعد العشاء) حيث نهى عنه ﷺ مخافة فوات الفجر، إلا لحاجة كإكرام الضيف أو مؤانسة الأهل، مع تخريج أحاديث الباب وبيان ضعف حديث خرافة وصحة حديث أم زرع.
يتحدث المقطع عن عادة السمر التي كانت تمارسها النساء في الجاهلية، حيث اجتمعت إحدى عشرة امرأة وتبادلن أخبار أزواجهن، ويشير إلى أن نشر أسرار البيت غير جائز في الإسلام. مع ذكر أن الحافظ استخرج نحو عشرين فائدة من حديث أبي زرع مع أم زرع، وسيتم تفصيل الحديث في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فقد أخذنا في كتاب الشمائل المحمدية للإمام الترمذي رحمه الله باب ما جاء في صفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعر، وأخذنا في الباب مجموعة من الأحاديث، منها حديث عائشة أنها قيل لها: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان يتمثل بشعر ابن رواحة، ويتمثل ويقول: «ويأتيك بالأخبار من لم تزودي». وهكذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل». وأيضًا حديث جندب بن سفيان البجلي قال: أصاب حجر إصبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدميت، فقال: «هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت». وحديث البراء بن عازب أنه قال له رجل: هل فررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا والله، ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ولى سرعان الناس فتلقتهم هوازن بالنبل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته، وأبو سفيان بن عبد المطلب، أهو أبو سفيان بن الحارث، آخذ بلجام البغلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». وأخذنا أقوال أهل العلم في هذا الباب: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتمثل ببعض الأشعار من أشعار الصحابة رضي الله تعالى عنهم أو من أشعار غيرهم، وأن ما قيل منه عليه الصلاة والسلام لا يقال له شعر ولا شاعر؛ لأنه إذا خرج البيت موزونًا مثلاً وجرى على وزن الشعر، فإنه لم يكن منه عليه الصلاة والسلام قصدًا، وهذا لا يسمى شعرًا كما قال العلماء، وذكر ذلك عنهم ابن العربي رحمه الله تعالى في أحكام القرآن. على أن بعض الروايات التي ذكرت في بعض الأحاديث أنها بعضها ما يخالف وزن الشعر. قال الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا إسحاق بن منصور، وهو ثقة ثبت، قال: حدثنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني، قال: أنبأنا جعفر بن سليمان، وهو صدوق زاهد، وكان يتشيع، وقد لازمه عبد الرزاق، فلازم جعفر حتى دخل عليه شيء من التشيع بسبب شيخه. لهذا يحذر المرء من المصاحبة التي يكون معها أخذ شيء من الباطل والعياذ بالله، ينبغي أن تكون الصحبة والملازمة للطيبين، أو كذلك لأهل العلم الذين هم خيار على ملازمة التقوى في ذلك. فإذا أخذ الباطل أو شيء مما يخالف الحق، ينبغي التنبه لهذا. ولما سئل عبد الرزاق رحم الله: من أين دخل عليك التشيع؟ قال: من شيخي جعفر بن سليمان، غرني زهده، كان ذا سمت وذا زهد، فربما يتأثر الإنسان بذلك. وعبد الرزاق إمام لا يقدح ذلك فيه، فهو إمام أيضًا من أئمة أهل السنة، له ذلك المصنف الشهير: مصنف عبد الرزاق، قد رحل إليه الإمام أحمد رحم الله وجماعة من أهل الحديث وأخذوا عنه، وحديثه حافل، وهكذا أيضًا تجده في صحيح مسلم بكثرة. قال: حدثنا ثابت، وهو البناني، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء، وابن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول: «خلوا بني الكفار عن سبيله، اليوم نضربكم على تنزيله، ضربًا يزيل الهام عن مقيله، ويذهل الخليل عن خليله». فقال له عمر: يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله تقول شعر؟ يعني عمر أنكر على عبد الله بن رواحة أن يقول الشعر في الحرم وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل». أسرع فيهم من نضح النبل، يعني هذا الشعر الذي يقوله ابن رواحة هو أشد عليهم من رمي السهام فيهم. «خلوا بني الكفار عن سبيله»، خلوا أي دعوا، يا بني الكفار، بني الكفار يعني نداء: يا بني الكفار، اتركوا سبيله، أي سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوا ذلك. «اليوم نضربكم على تنزيله»، بعد أن صدوهم عن المسجد الحرام، وصالح معهم النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، وأن يرجعوا هذا العام، ثم بعد ذلك يرجوا للقضاء لأداء العمرة، لكن هذا العام لا يعتمروا فيه، أو في السنة السادسة، ثم رجع النبي عليه الصلاة والسلام في عمرة سميت عمرة القضاء، فقال ابن رواحة رضي الله تعالى عنه: «خلوا بني الكفار عن سبيله، اليوم نضربكم على تنزيله، ضربًا يزيل الهام عن مقيله، ويذهل الخليل عن خليله». فالنبي عليه الصلاة والسلام استحسن هذا من عبد الله بن رواحة، ورأى أن ذلك أشد على الكفار من رمي السهام. فهذا فيه جواز الإنشاد، إنشاد الشعر الحسن والجميل، والذي فيه دفاع عن الحق وأهله، ولو كان بين الأفاضل. فقد قيل هذا الشعر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قيل بحضرة العلماء وهم ورثة الأنبياء، فإن ذلك جائز إذا كان ذلك الشعر فيه دفاع عن السنة والدين. وهكذا أيضًا فيه رد على المبطلين، فيه رد على أهل الباطل. قال الترمذي رحمه الله: وحدثنا علي بن حجر، وهو السعدي، قال: حدثنا شريك. وتقدم شريك القاضي، والحديث المتقدم قد صححه الألباني رحمه الله في الشمائل برقم مئتين وعشرة. قال: حدثنا علي بن حجر، قال: حدثنا شريك عن سماك بن حرب، واسماك صدوق، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: جالست النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكثر من مئة مرة، وكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية، وهو ساكت، وربما تبسم معهم. والحديث صححه الألباني رحمه الله تعالى في الشمائل برقم مئتين وإحدى عشر. وسكوت النبي صلى الله عليه وسلم يفيد الإقرار منه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يسكت على باطل. فهنا الصحابة يجلسون مع رسول الله عليه الصلاة والسلام ويتناشدون الشعر، هذا يأتي ببيت أو بيتين أو عشرة، والآخر كذلك، كل يأتي بما عنده من الأبيات، وهم بحضرته عليه الصلاة والسلام، وهو ساكت، وربما تبسم عليه الصلاة والسلام لبعض الأشعار التي تقال عنده، فربما تبسم، وهذا إقرار منه عليه الصلاة والسلام على جواز إنشاد الشعر بحضرته عليه الصلاة والسلام. وإن كان الإسناد الذي تقدم لأن فيه شريك إسناد ضعيف، لكن الحديث له شواهد، قد صححه العلامة الألباني رحمه الله. وقال: حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا شريك عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل». وقد تقدم تأويل هذا الحديث عن العلماء كما ذكرنا عن الإمام النووي رحمه الله تعالى وعن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بما يغني عن إعادته. وقال: وحدثنا أحمد بن منيع، قال: حدثنا مروان بن معاوية، وهو الفزاري، وهو ثقة حافظ، قال: عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، وهو صدوق يخطئ ويهم، عن عمر بن الشريد عن أبيه، وهو الشريد بن سويد، أثق فيه رضي الله عنه، قال: كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنشته مئة قافية من قول أمية بن أبي الصلت، كلما أنشته بيتًا قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «هيه»، يعني: زد، حتى أنشته مئة بيت، أو قال: حتى أنشته مئة يعني بيتًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كاد ليسلم». وهذا الحديث صحيح، صححه الألباني رحمه الله برقم مئتين واثني عشر. حديث الشريد بن سويد الثقفي رضي الله تعالى عنه أنه كان ردف رسول الله عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يردف الصحابة خلفه على الدابة إذا كانت الدابة تطيق ذلك، إذا كانت الدابة تطيق ذلك، لأن تكون دابة هزيلة تعبانة، وإنما كانت تكون صحيحة سليمة شديدة قوية، فيردف خلفه. أردف ابن عباس، وأردف كذلك معاذ، وأردف الشريد بن سويد، وجماعة من الصحابة، الفضل بن عباس، جماعة من الصحابة أردفهم، سواء كان في حجه عليه الصلاة والسلام أو في المدينة. فجواز الإرداف على الدابة وأنه لا حرج في ذلك، فهذا رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم يركب خلفه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، سواء كانوا صغارًا أو شبابًا، أو كذلك كانوا شبابًا. والشريد بن سويد الذي يظهر أنه كان شابًا من هذا؛ لأنه كان يحفظ هذه الأقوال أو هذه الأبيات. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ فقال الشريد رضي الله تعالى عنه: نعم، عندي. قال: هاته. فأنشده بيتًا، قال: هيه. فأنشدته الثاني، قال: هيه. قال: فما زال يقول: هيه، يعني: زدني، حتى أنشده مئة بيت من أبيات أمية. فلما انتهى قال: «كاد ليسلم». يعني هذا الرجل كاد أن يسلم؛ لأن شعره مليء بالتوحيد، ولكن الهداية بيد الله عز وجل: «إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء». فلو كان الرجل ما كان شريفًا ذا حسب وذا نسب عظيمًا في قومه، لا يملك قلبه، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. فهذا الرجل مع أن أبياته كلها في التوحيد، إلا أنه لم يسلم. وظهر النبي عليه الصلاة والسلام في زمنه، في وقته، وهو من القائلين كما ذكر بعض التفسير: «لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم»، وهو كان من ثقيف، عظيمًا وشريفًا في قومه، فلعله أراد أن يكون هو النبي، وأن ينزل القرآن عليه، لكن النبوة والرسالة اصطفاء واختيار من الله سبحانه وتعالى، وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة. من شعر أمية بن أبي الصلت الذي ذكره أهل العلم قوله: «مجد الله فهو للمجد أهل، ربنا في السماء أمسى كبيرًا، انظر هذه الأبيات، أبيات توحيد فيها إثبات العلو لله سبحانه وتعالى: مجد الله فهو للمجد أهل، ربنا في السماء أمسى كبيرًا، ذلك المنشئ الحجارة والموتى وأحياهم، وكان جديرًا بالبنى العالي، الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريرًا». يعني العرش، سوى فوق السماء سريرًا، السرير هو العرش بلغة العرب، «شرجعا»، والشرجع هو العالي الذي لا ينال، «شرجعا لا يناله بصر العين، ترى دونه الملائك صورا». هذا من شعر أمية: «ترى دونه الملائك صورا، يرفعن أعناقهم»، هكذا ينظرون إلى ذلك البناء العالي. الصور هو هذا الذي يذكر في الآيات، وأن إسرافيل عليه السلام هو الذي ينفخ في الصور، وقد رفع عنقه ينتظر متى النفخ في الصور. فهذه الأبيات التي ذكرها العلم من شعر أمية بن أبي الصلت، ولكنه ما أسلم، مع أن فيها من التوحيد ما قد سمعتم. قال الترمذي رحمه الله تعالى: وحدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري، أو الفزاري، وهو صدوق يخطئ، صدوق يخطئ، ورمي بالرفض، وعلي بن حجر، والمعنى واحد. قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، وصدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، هكذا ذكر الحافظ رحمه الله. قال: عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير، ويلقب بالصابر المحتسب، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان بن ثابت منبرًا في المسجد، يقوم عليه قائمًا، يأتي بالمنبر ويقول لحسان: اصعد على المنبر، قال: يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يؤيد حسان بروح القدس»، وهو جبريل عليه السلام، «إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما ينافح أو يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم». حديث حسن بهذا الإسناد، حسن، والألباني رحمه الله تعالى في الشمائل في هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أحيانًا يأتي بالمنبر ويجعل حسان بن ثابت يصعد عليه وينافح عن النبي عليه الصلاة والسلام، حتى قال: «مر والله يا رسول الله، لا أسلنك من بينهم»، أي: من بين أنساب العرب، «كما تسل الشعر من العجين». فأتى بذلك تلك الأبيات العظيمة التي ذكرت في البخاري وغيره، وهو ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم: «هجوت محمدًا فأجبت عنه، وعند الله في ذاك الجزاء». هذه مطلع أبيات حسان يرد فيها على أولئك الذين هجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «هجوت محمدًا فأجبت عنه، وعند الله في ذاك الجزاء»، وهي أبيات طيبة، حبذا لو تقرأ فيها دفاع عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا ينبغي على من آتاه الله شعرًا، عنده ملكة في أي شيء من جوانب العقيدة والتوحيد والدين، عليه أن يكتب، عليه أن يتكلم، عليه أن ينصح، عليه أن يدافع ما استطاع عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن دين الله عز وجل، وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. بهذا نكون انتهينا من هذا الباب، وهو ما جاء في صفة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعر، وجواز ذلك، قيل بحضرته عليه الصلاة والسلام شعرًا، وهو أنشد أبياتًا لغيره متمثلًا بها، فالشعر فيه حكمة كما قال عليه الصلاة والسلام، فينبغي للشاعر أن يتقي الله عز وجل في شعره، وأن يكون شعره فيه دفاع عن السنة وعن الدين. ثم قال رحمه الله: باب ما جاء في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السمر، والسمر هو السهر، يعني يسمر الإنسان أو يسهر بعد العشاء إلى هدأة من الليل. والنبي عليه الصلاة والسلام الأصل أنه جاء النهي عن السمر عنه عليه الصلاة والسلام، نهى عن السمر بعد العشاء؛ لأنه قد يضيع الإنسان فيه الواجب والفريضة، وهي صلاة الفجر. لكن إن كان السمر لحاجة فلا بأس، كالسمر مع الضيف، والسمر مع الأهل، يعني في حاجياتهم، أو في مداعبتهم وملاطفتهم، وهكذا هذا جائز إذا كان مع الأهل ومع الضيف. وقد بوب البخاري رحمه الله تعالى بابًا: باب السمر مع الضيف، وأن النبي عليه الصلاة والسلام ربما سمر مع بعض أضيافه، لكن الغالب من فعله عليه الصلاة والسلام أنه بعد العشاء يذهب إلى بيته، ما يذهب عند أحد، وإنما يذهب إلى بيته، إلا إذا كانت هناك حاجة لأحد فيقضيها عليه الصلاة والسلام له، وأنه ربما سمر مع أهله، وغالب أوقاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا أنه يذهب إلى بيته ويكون مع أهله، ولا يجلس في الخارج. فترى بعض الناس ما يؤانسون أهاليهم ويجلسون معهم، وهذا خطأ، ربما جلس مع الآخرين، مع أصدقائه، مع أصحابه في الخارج أكثر مما يجلس مع أهله، والأهل أحق، الأهل أحق بالمؤانسة وبالملاطفة. فإن كان ولا بد سمر، فسمر مباح، سمر جائز، ليس فيه شيء من الحرج ولا شيء من الإثم. فسمر الرجل مع أهله هذا مندوب، وهكذا سمر الرجل مع أضيافه كما فعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه حينما أتاه أضياف فسمر معهم، فيجوز للشخص أن يسمر سمرًا مباحًا ولو إلى منتصف الليل، لكان ذلك فيه قضاء حوائج، أو كان فيه مؤانسة وملاطفة للضيف. قال: حدثنا الحسن بن صباح البزار، وهو صدوق يهم، وكان عابدًا فاضلًا، قال: حدثنا أبو النظر، وهو الملقب بقيصر، اسمه هاشم بن القاسم، وهو ثقة ثبت، قال: حدثنا أبو عقيل الثقفي، عبد الله بن عقيل، وهو صدوق، عن مجالد، وهو ليس بالقوي، مجالد ضعيف، عن الشعبي، عامر بن شراحيل، وهو آية في الحفظ، قال: عن مسروق بن الأجدع اليماني، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة نساءه حديثًا، فقالت امرأة منهن: كان الحديث حديث خرافة. فقال: «تدرون ما خرافة؟ إن خرافة كان رجلًا من عذرة، أسرته الجن، فمكث فيهم دهرًا، ثم ردوه إلى الإنس، وكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة». الحديث بهذا الإسناد ضعيف، ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في الشمائل برقم ٢١٤. وفي هذا الحديث يعني يقول: إن رجلًا أسرته الجن، خرج في ليلة من الليالي، وهو من عذرة، قبيل اسمها عذرة من قبائل العرب، فأسرته وأخذته الجن إلى مكانها، وهذا قد يحصل كما سمعنا من بعض الأخبار، إن بعضهم ربما يختطف من قبل الجن، فربما وأكثرهم لا يعود، لا يعود إلى أهله، لكن هذا مكث فيهم سنين وعاش عندهم، ثم رجع بعد ذلك، وكان يحدث بالأعاجيب، يعني بأشياء ما هي عند الناس معروفة، فسمي بذلك خرافة، يعني حديثه كحديث الخرافة، يأتي بأشياء غريبة وعجيبة، والناس يستغربون منها، فإذا جلس إليهم قالوا: حديث خرافة. فكل حديث فيه شيء من الأعاجيب، أو فيه شيء كذلك مما ليس بصدق وحق، قد يقال: هذا حديث خرافة. فصار هذا مثلًا بين الناس، مع أن هذا الحديث كما سمعتم أنه حديث ضعيف. ثم قال رحمه الله: وحدثنا علي بن حجر، وهو السعدي، ثقة حافظ، قال: أخبرتنا عيسى بن يونس، ثقة مأمون، عن هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله بن عروة، وهو ثقة ثبت فاضل، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: جلست إحدى عشرة امرأة فتعاهدنا وتعاقدنا أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا. وهذا الحديث حديث طويل، وفيه أيضًا ألفاظ غريبة تحتاج إلى إيضاح، وهو حديث أبي زرع، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لعائشة في آخره: «فكنت لك كأبي زرع لأم زرع»، وهو حديث جميل. وأيضًا هذا من باب السمر، والنبي عليه الصلاة والسلام قد سمر مع عائشة، فقالت له عائشة تذكر له قصة، تقول له: وإن إحدى عشر امرأة اجتمعنا في الجاهلية، إحدى عشر امرأة، فكانت كل امرأة تقص على صاحباتها خبر زوجها، هذا في الجاهلية، لكن ما يجوز الآن أن امرأة تنشر أسرار البيت وأسرار الزوج، هذا ما يجوز، لكن هذا في الجاهلية اجتمعن، فكانت كل واحدة تقول: زوجي كذا، وزوجي كذا، وزوجك... تبث من خبر زوجها. فل هذا الحديث ألفاظ، وكل واحدة تذكر للأخرى ما حصل من زوجها معها، وهذا أيضًا فيه فوائد كثيرة، قد ذكر الحافظ رحمه الله تعالى ما يقارب على عشرين فائدة في حديث أبي زرع مع أم زرع. فنترك الحديث إن شاء الله تعالى للدرس القادم. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.