الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 2، ألقاها
يبدأ الشارح بتوضيح أهمية خطبة الحاجة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمها لأصحابه، مشيراً إلى أهمية البسملة والاستعانة بالله. يفسر معاني الحمد والاستعانة والاستغفار.
يشرح أهمية علم أصول الدين لارتباطه بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، مبينا أن شرف العلم يأتي من شرف المعلوم وأن معرفة الله ودينه هي أعلى العلوم.
يناقش تعريف علم أصول الدين وتقسيم الدين إلى أصول وفروع، ويبين آراء العلماء حول هذا التقسيم، بما في ذلك آراء شيخ الإسلام ابن تيمية.
يناقش صحة انتساب كتاب الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة، ويخلص إلى عدم ثبوت ذلك سندا ومتناً لاحتوائه على مسائل متأخرة وأفكار منحرفة.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. بسم الله، والحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، ابتدأ الشارح رحمه الله تعالى هذا الشرح المبارك بالبسملة، وهذه عادة العلماء رحمهم الله تعالى، يبتدئون كتب العلم بالبسملة؛ لما في البسملة من المعاني الجليلة. وأيضا قبل ذلك أن هذه الطريقة هي طريقة الكتاب العظيم، وكذلك طريقة وهدي سيد الأولين والآخرين، صلوات الله وسلامه عليه. فالله جل وعلا افتتح جميع سور القرآن بالبسملة، إلا سورة براءة؛ فلم يفتتحها بالبسملة، وعلل العلماء رحمهم الله تعالى ذلك بتعاليل؛ منها أن براءة ابتدأها الله جل وعلا بالبراءة من المشركين، فناسب أن لا يسبقها شيء. ومنهم من قال: بأنها تابعة لسورة الأنفال. وذكر غير ذلك. فالشاهد والحاصل من هذا: أن سور القرآن افتتحها الله جل وعلا بالبسملة. وأيضا النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان يفتتح الرسائل والكتب التي كان يبعثها ويراسل بها من يراسل من كبراء الأمم، يفتتح الرسائل بالبسملة؛ كما في رسالته إلى هرقل العظيم الروم، وإلى غيره. وكذلك - كما يذكر العلماء رحمهم الله تعالى - أن العلماء رحمهم الله تعالى يفتتحون بالبسملة؛ لأن العمل استقر على افتتاح كتب العلم بالبسملة، وصار إجماعا بين العلماء: بأنهم يفتتحون كتب العلم بالبسملة. وأيضا قالوا: من المعاني التي لأجلها افتتحت الكتب بالبسملة: التبرك بسم الله جل وعلا؛ ففيه إشعار بأن الله جل وعلا هو الأول الذي ليس قبله شيء. فافتتحت بالبسملة تبركا وابتداء بسم الله جل وعلا. وأيضا من المعاني التي فيها: أن الباء في بسم الله الرحمن الرحيم، الباء للإستعانة؛ فمعناها: أستعين بالله فيما أقدم عليه من عمل؛ سواء كان تأليفا، أو كان شرحا، أو كان جهادا في سبيل الله، أو كان دخولا في عمل؛ إلى غير ذلك من المعاني. ففي معنى الاستعانة التي تشعر بأن الإنسان ضعيف، محتاج حاجة ذاتية إلى ربه جل وعال؛ وأنه لا حول له ولا قوة إلا بالله رب العالمين. وأنه لا يستطيع أن يقدم على أي عمل، ولا أن يشرع في أي عمل، ولا أن يتم أي عمل؛ إلا بعون الله جل وعلا وتوفيقه وتسديده سبحانه وتعالى. قوله: وبه نستعين، أيضا إشارة إلى ما تقدم؛ بأن العبد محتاج إلى الله رب العالمين. وقوله رحمه الله تعالى: وبه نستعين، فيه إشارة إلى أمرين: الأمر الأول: أن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر هذا الأمر - أي: به نستعين - إشارة إلى أنه مفتقر إلى الله جل وعلا، محتاج إليه في طلب العون؛ لأجل السداد والرشاد فيما يقدم عليه. وبدأ بهذا الأسلوب، ولم يقل: نستعين به؛ اقتداء بكتاب الله جل وعلا؛ فالله جل وعلا ذكر في كتابه الكريم في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. وها هنا كذلك؛ فتقديم المعمول على عامله يفيد الحصر. وها هنا كذلك؛ فقول: به نستعين، يدل على هذا المعنى؛ أي: لا نستعين إلا بالله، لا نستعين إلا بالله رب العالمين. قوله رحمه الله تعالى: الحمد لله، الحمد - كما تقدم معنا مرارا - معناه: على أصح الأقوال عند العلماء: ذكر محاسن محمود مع محبة وإجلال وتعظيم له. والثناء إذا كان مجردا عن المحبة والتعظيم؛ لم يكن حمدا، وإنما يكون مدحا. وإذا كان عن محبة وتعظيم، ولكن لم يكن بثناء؛ لا يكون حمدا. فإذا لا بد في الحمد من المحبة والتعظيم، ولا بد فيه من ذكر محاسن المحمود. والشيخ رحمه الله تعالى ابتدأ الكتاب هاهنا بقوله: الحمد لله. وهذه الجملة يسميها علماء المعاني، وكذلك علماء اللغة: جملة اسمية. والجملة الاسمية - عند علماء المعاني - تدل على الديمومة؛ بمعنى أنه يطلب من الله جل وعلا، أو أنه يحمد الله جل وعلا حمدا دائما. ثم قال: نحمده، نحمده؛ الحمد لله نحمده. ونحمده هاهنا الجملة جملة فعلية. والجملة الفعلية - عند علماء المعاني - كذلك تدل على الاستمرار؛ فإذا جمع المؤلف رحمه الله تعالى بهذا الأسلوب بين الجملة الاسمية الدالة على الديمومة - أي: على دوام الحمد - والجملة الفعلية الدالة على الاستمرار - أي: على استمرار الحمد - فكأنه يقول: أحمد الله حمدا دائما مستمرا. إذن كأنه يقول - كما سمعتم -: أحمد الله حمدا دائما مستمرا متجددا؛ لأن الجملة الفعلية تفيد الاستمرار والتجدد. فقوله: نحمده، يدل على هذا. وهذا الأسلوب الذي استخدمه الشيخ: هو أسلوب نبوي؛ لأن هذه الخطبة التي افتتح بها الشيخ رحمه الله تعالى هذا الشرح المبارك، حقيقة هي خطبة من خطب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وكانت هذه الخطبة تسمى بخطبة الحاجة؛ علمها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: أن يفتتح بها أمورهم وكلامهم وخطبهم. وجاءت بألفاظ كثيرة؛ جاءت في حديث جابر، وحديث ابن مسعود، وحديث غيرهم. والعلامة الألباني رحمه الله تعالى رسالة لطيفة جمع فيها أحاديث هذا الباب، بعنوان: خطبة الحاجة. فالحاصل: أن نستفيد من هذا ما سمعناه قبله. قوله رحمه الله: ونستعينه، بعد أن قال: الحمد لله نحمده، قال: ونستعينه؛ أي: نطلب من الله جل وعلا العون. وكما سمعتم من جملة ها هنا: إيش فعلية؟ والفعلية تشفيد الاستمرار والتجدد؛ نحتاج من الله - أي: نطلب من الله جل وعلا - تجدد العون واستمرار العون كذلك. ونستغفره: نطلب من الله جل وعلا استمرار المغفرة وتجدد المغفرة؛ لما يحصل للإنسان من الزلات والعثرات في أثناء سلوكه إلى الله جل وعلا. وقوله رحمه الله تعالى: ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ونعوذ بالله؛ أي: نطلب، نستعيذ بالله جل وعلا. ومعنى العوذ: هو اللجوء إلى الله جل وعلا والاعتصام به؛ اللجوء هو بمعنى اللجوء إلى الله والاعتصام به. قال: من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، قد يقول قائل: ما الفرق بين شرور النفس وسيئات العمل؟ والجواب: أن شرور النفس هي السيئات، وسيئات الأعمال هي عقوبات تلك السيئات؛ كما نبّه على ذلك وبيّن ذلك ووضحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فالإنسان محتاج إلى أن يستعيذ بالله جل وعلا من عقوبة أولا، ومن السيئات ثانيا؛ ومن عقوبة تلك السيئات. ولهذا جمع في خطبة الحاجة بين هذا وذاك. قوله رحمه الله تعالى: من يهده الله فلا مضل له، هذا فيه دليل على أن الهداية لله وحده لا شريك له. وأن الهداية التي هي بمعنى هداية التوفيق والإلهام؛ إنما هي بيد الله جل وعلى وحده لا شريك له. لذا قال: ومن يضلل فلا هادي له؛ أي: ومن يمسك عنه ربنا جل وعلا الهداية؛ فإنه لا يوفقه إليها؛ فإنه لا هادي له. ولو اجتمع الإنس والجن على هدايتي؛ ما استطاعوا إلى هدايته سبيلا. وقد مر معنا في دروس مضت: أن الهداية - عند العلماء - منهم من يذكر من أقسام هداية: قسمين؛ هداية الإرشاد والبيان، وهداية التوفيق والإلهام. والإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أضاف إلى هذين أمرين - إلى هاتين هدايتين هدايتين - فذكر أن الهدايات، وأن أنواع الهداية أربع هدايات. الهداية الأولى: هداية عامة لجميع الخلق؛ الذي ذكرت في قول الله جل وعلا: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. هذه هداية عامة لجميع الخلق. الهداية الثانية: هداية الإرشاد والبيان. وهذه الهداية هي من مهمة هي هداية التي تكون في القرآن، وتكون كذلك في السنة، والتي يقوم بها الأنبياء والرسل وأتباعهم في كل زمان ومكان. قال الله جل وعلا في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: تدل وترشد إلى صراط مستقيم. الهداية الثالثة: النوع الثالث من هداية: هداية التوفيق والإلهام. وهذه خاصة بالله جل وعلا وحده لا شريك له؛ لا أشرك فيها لا نبيا، ولا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا؛ بل هي خاصة به وحده لا شريك له. وهذه الهداية - كما في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. والهداية الرابعة: هداية إما إلى الجنة، وإما إلى النار. قال الله جل وعلا في هداية أهل الجنة إلى الجنة - بعد أن دخلوا الجنة -: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. وقال في أصحاب النار وأصحاب الجحيم: ﴿وَهَدَوْهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾. فهذه أربع هدايات. قوله رحمه الله تعالى: وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة حق، موقن فيها، موقن بها كل مؤمن. وقول: أشهد؛ أي: أعلن، ناطقا بها، معتقدا بها، معتقدا بما دلت عليه، وجازما بها، وبمقتضاها: أن لا إله إلا الله؛ أي: أن لا معبود حق إلا الله وحده لا شريك له. وقوله: وحده؛ توكيد للإثبات؛ أي: توكيد لقوله: إلا الله. وقوله: لا شريك له؛ توكيد للنفي في قوله: لا إله. وذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن هذا المقام جاء فيه توكيد بعد توكيد؛ قالوا: لمكانة، ولعظيم هذا المقام؛ لعظيم هذا المقام جاء بتوكيد بعد توكيد. قوله: أشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، قوله: أشهد؛ كذلك القول فيها كالقول فيما سبق. وقوله: سيدنا؛ من المعلوم أن التشهد ليس فيها هذه اللفظة؛ أي: لفظ أن يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقال: سيدنا؛ مع أنه صلى الله عليه وسلم لا شك ولا ريب أنه سيد ولد آدم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم عن نفسه: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر». فهو سيد ولد آدم، سيدنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أخبر بأنه هو سيدنا؛ لم يعلم الأمة قط بأن يقول في تشهدهم: وأشهد أن محمدا ... وأشهد أن سيدنا محمدا. قد يقول: قال: فلماذا ذكر المؤلف هذا؟ فالجواب: أنه كان مرة معنى في المقدمة: أن العصر الذي كان فيه الإمام ابن أبي العز؛ كان مليئا بالمتصوفة والغلاة. ولو لم يذكر مثل هذا اللفظ؛ ربما نصب إلى أنه يتنقص الرسول؛ أنه يتنقص الرسول إذا لم يقل: سيدنا. قالوا: تنقص الرسول، ولا يحب الرسول، ولا يعظم الرسول؛ فلعله رحمه الله تعالى ذكر هذا من هذا الباب. قال: عبده ورسوله؛ فهو عبد؛ فلا يعبد، ورسول؛ فلا يعصى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. قوله رحمه الله: أما بعد، فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم؛ إذ شرف العلم بشرف المعلوم. وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع. ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة رحمه الله عليه ما قاله وجمعه في أوراق من الأصول الدين: الفقه الأكبر. وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب، ولا نعيم، ولا اطمئنان؛ إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله. ويكون مع ذلك كله أحب إليه مما سواه. ويكون سعيه فيما يقربها إليه؛ دون غيره من سائر خلقه. قوله رحمه الله تعالى: أما بعد، هذه الجملة أو العبارة يؤتى بها للفصل بين موضوعين. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أو ذكر بعض أهل العلم: أن أول من استخدم هذا الأسلوب: داود عليه السلام. قال: وهذا هو تفسير قول الله جل وعلا: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْفُرْقَانَ﴾؛ أي: أنه فصل الخطاب بعضه عن بعض. وبعض أهل العلم لم يلتفت إلى هذا. فالحاصل من هذا: أن هذه العبارة تستخدم للفصل بين موضوعين، أو للشروع، أو للانتقال من موضوع إلى آخر. فبعد أن ذكر المقدم رحمه الله؛ انتقل إلى الشروع في الموضوع؛ فقال: أما بعد. ومعناها - عند النحاة -: مهما يكون من شيء بعد. فلذا احتيج أن يؤتى بخبرها، أو في جوابها: بالفاء الرابطة. قال: فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم. ومعنى أصول الدين - عند الشيء رحمه الله تعالى - ومن تكلم بكلام - أي: علم العقائد. قال: إذ شرف العلم بشرف المعلوم. وهذا معلوم مقرر: أن شرف العلم بشرف المعلوم؛ بمعنى: المعلوم الذي أنت تريد أن تعلمه؛ إذا كان شريفا؛ كان العلم شريفا. وإذا كان دنيئا؛ كان العلم كذلك: الذي تتعلمه دنيئا. مثال ذلك: رجل - على سبيل المثال - في العلوم الدنيوية؛ يتعلم علما من العلوم التي ينفع الله جل وعلا بها الإسلام والمسلمين؛ على سبيل المثال: الطب؛ يتعلم الطب؛ لأجل أن ينفع الإسلام والمسلمين؛ هذا العلم - بهذا الاعتبار - يكون شريفا. ورجل آخر يتعلم علما من أجل الإفساد، أو الإضرار بالإسلام والمسلمين؛ واضح. هذا العلم كيف يكون؟ علم يكون دنيئا. فعلى قدر المعلوم يكون العلم. فإذا كان المعلوم هو رب العالمين؛ إذا كان البحث أو العلم يوصلك إلى معرفة ربك جل وعلا بأسمائه الحسن، وصفاته العليا، ومعرفة شرعه ودينه؛ هذا العلم يكون من أشرف العلوم، وأعظمها، وأجلها؛ بل هو أجلها، ورأسها، وأصلها؛ فكل العلوم بعده تابع. فهو أعلى العلوم، وخير العلوم، وأفضل العلوم؛ لأنها العلم بالله جل وعلا. قوله رحمه الله تعالى: وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، قوله: وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع؛ إشارة إلى أن الفقه - عند العلماء - على قسمين؛ أو عند بعض العلماء على قسمين: فقه أكبر. وهو معرفة العلم الذي يسمى بعلم العقائد. والفقه الآخر: فقه الفروع. والمراد بالفروع: أي الأحكام؛ المراد به الأحكام من الحلال والحرام. قال: ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين: الفقه الأكبر؛ أي: جمعه على كلام الشارح ابن أبي العز، مع بعض الأوراق؛ فسمى تلك الأوراق وتلك البحوث: بالفقه الأكبر. قال: وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة؛ أي: حاجة العباد إلى علم العقيدة فوق كل حاجة. وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب، ولا نعيم، ولا اطمئنان؛ إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله؛ كما تقدم معنا: لا بد من الإنسان الذي يعبد ربه جل وعلا أن يعرف ربه، أن يعرف ربه ومعبوده؛ من يعبد. وهذا رب المعبود الذي استحق العبادة؛ بماذا استحق العبادة؟ فإذا لا بد له أن يتعرف على ربه جل وعلا وخالقه. قوله: ويكون مع ذلك كله أحب إليه مما سواه؛ كما جاءت في ذلك الأدلة الكثيرة؛ منها قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله ربا». وجاء في الحديث الآخر: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». قوله: ويكون سعيه فيما يقربها إليه؛ دون غيره من سائر خلقه؛ أي: سعي إلى تحصيل مرضات الله جل وعلا، ومحبته ورضوانه؛ أحب إليه، وأعظم أجل من كل ما سواه. قوله رحمه الله تعالى: أما بعد، فإنه لما كان علم أصول الدين؛ علم أصول الدين؛ عرفه بعضهم. ذكر العلامة صديق حسن خان في أبجد العلوم: قال: علم أصول الدين المسمى بالكلام - المسمى بعلم الكلام عند أهل الكلام - قال: «هو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج عليها، ودفع الشبه عنها. وموضوعه - عند الأقدمين - ذات الله تعالى وصفاته؛ لأن المقصود الأصل من علم الكلام: معرفته تعالى وصفاته». قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: قال: «ومرادهم بأهل الكلام: من تكلم في الله بما يخالف الكتاب والسنة». وقال: «وسمي علم الكلام بهذا الاسم؛ لكثرة ما فيه من الكلام الذي لا يفيد الإنسان علما؛ لم يكن عنده؛ بل ليس فيه إلا تضييع الزمان، وإتعاب الأذهان، وكثرة الهراء، ودعوى التحقيق بالكذب والبهتان، وشغل النفوس بما لا ينفعها؛ بل قد يضلها عما لا بد لها منه». قال: «وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى نبّه في مواطن من كتبه: أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع؛ أن هذا تقسيم من تقسيمات أهل الكلام». قال رحمه الله: «تقسيم الدين إلى أصول وفروع: من أقوال أهل الكلام؛ من المعتزلة والجهمية، ومن سلك سبيلهم». قال: «ولم يعرفوا حقيقة هذا القول، ولا غوره، ولا أبعاده». قال: «قالوا: والفرق في ذلك بين مسائل الأصول والفروع؛ يعني هؤلاء يقولون: الفرق بين الأصول والفروع». قال شيخ الإسلام: كما أنه بدعة محدثة؛ قالوا: في الإسلام لم يدل عليها كتاب، ولا سنة، ولا إجماع؛ بل ولا قاله أحد من السلف والآئمة. فهي باطلة عقلا؛ فإن المفرقين بين ما جعلوه مسائل أصول، ومسائل فروع؛ لم يفرقوا بينهما بفرق صحيح يميز بين النوعين؛ بل ذكروا ثلاثة فروق، أو أربعة؛ كلها باطلة. قد يقول قائل: يعني إذا كان هذا التقسيم ليس بصحيح، وقد ورد في كلام بعض أهل العلم - كوجوده عندنا هنا في شرح الطحاوية - فعلى ماذا يحمل؟ الجواب: أنه يجاب عن هذا بأجوبة؛ منها ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: في أن من جاء بعدهم قلدهم، ولم يعرف حقيقة قولهم، وبعده. الثاني: أنهم ذكروا على سبيل بيان باطل المتكلمين؛ أنهم تخاطبوا بهذا الخطاب؛ على سبيل بيان باطل المتكلمين؛ فتخاطبوا معهم بما يفهمونه؛ تخاطبوا معهم بما يفهمونه؛ لأنه لو خاطبوا بغير هذا الخطاب: أصول وفروع، أصول الدين وفروع الدين؛ لو ربما ما اهتموا، وما فهموا؛ لأنهم قد تربوا من نعومة أظافرهم على هذا التعبير، وعلى تقسيم الدين إلى أصول وفروع؛ فاحتاج بعض أهل العلم إلى التكلم بهذا الكلام؛ من باب: خطاب القوم بما يفقهون، حدثوا الناس بما يعلمون. الثالث: أن هذا صار في بعض الأعصار الإصطلاح المعروف في التفريق بين مسائل العقائد والأحكام؛ صار السائد في أهل العلم في بعض الأعصار: أن هذا هو الفرق؛ يعني كما الآن نحن إذا قلنا مثلا: علم العقائد؛ قلنا: سنفتحه درسا في العقيدة؛ إلى ماذا يتبادر الآن؟ هاجم على أسمائه والصفات، وما يترتب عليها، ومسائل الإيمان، والقضاء والقدر؛ إلى غير ذلك. إذا قلنا: سنفتح درسا في التوحيد؛ إلى ماذا يتبادر؟ توحيد الألوهية. إصطلاح صار؛ يعني قد يكون في عصر من الأعصار؛ إذا قلنا: أصول الدين؛ يتبادر إلى ماذا؟ إلى علوم العقائد. وإذا قالوا: الفروع، فروع الدين؛ المراد به ماذا؟ الأحكام من الحلال والحرام. فتخاطب الناس بما كانوا عليه في عصرهم. الرابع: أن بعض أهل العلم استخدموا هذا الإصطلاح؛ أي: تقسيم الدين إلى أصول وفروع؛ أن بعض أهل العلم استخدموا هذا الإصطلاح في أمور أخرى غير ما اصطلح عليه المتكلمون. واضح. إن كان اللفظ هو اللفظ؛ لكن إلى تقسيم آخر؛ فكأن يقسم الدين إلى أصول؛ والمراد به أصول المسائل العلمية والعملية. واضح. يقول: أصول الدين؛ ما هو أصول الدين؟ يقال: أصول الدين؛ مراد به أصول المسائل العلمية والعملية؛ يعني مثلا نقول: في مسائل العقيدة؛ نقول: هذه المسألة من مسائل الأصول؛ هي مسائل الأصول؛ ما معنى مسائل الأصول؟ أصل ليس مفروع. المسائل يعني مثلا مسائل أصول: الإيمان بالقضاء والقدر، الإيمان بأسماء الله جل وعلا والصفات، الإيمان بأن المؤمن رسولنا؛ إلى آخر ذلك. هذه أصول تحتها ماذا؟ تحتها مسائل. واضح. هذه مسائل تسمى - بالنسبة لهذه الأصول - فروع. واضح. فبعض أهل العلم ربما استخدم مثل هذا الأسلوب في المسائل العلمية، وفي المسائل العملية. واضح. مسائل علمية - كما مثلنا -: مسائل العملية مثلا: مثال ذلك: مثل وقوب الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج؛ إلى غير ذلك. هذه المسائل مسائل أصول؛ تدخل تحتها ماذا؟ مسائل. تحتها ماذا؟ مثلا: حكم التنفل في الضحى؛ ما حكم التنفل في ساعات ماذا؟ النهي. ما حكم كذا؟ هذه تعد تسمى مسائل فرعية؛ بالنسبة لغيرها الأولى مسائل أصلية. أيضا في باب المحرمات: تحريم الربا، تحريم الخمر، الزنا؛ يعني وما شابه ذلك من المنهيات المعلومة بالدين بالضرورة؛ أو التي هي معلومة؛ تسمى ماذا؟ تسمى أصولا؛ تحتها مسائل فروع. هذه المسائل تسمى ماذا؟ فروع. فالشاهد من هذا: أن بعض أهل العلم ربما استخدم هذا الأسلوب؛ لهذا الإصطلاح؛ أي: ليس الإصطلاح المذكور أولا عند المتكلمين؛ ولكن ذكروا أصولا؛ بالنسبة لمسائل أخرى ماذا هي؟ فروع. فيقولون: الأصول؛ والمراد به أصول المسائل العلمية والعملية؛ أي: سواء كانت عقدية أو في الأحكام. وفروع؛ والمراد بها فروع المسائل العلمية والعملية. وهذا التعبير - بهذا المعنى - سائغ؛ إلا إن خشية أن يلتبس بغيره؛ فيترك. قوله رحمه الله تعالى: ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة رحمه الله ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين: فقه الأكبر. هذا الكتاب - يعني - لم يصح سندا ولا متنا إلى أبي حنيفة. هذا الكتاب لم يصح لا سندا ولا متنا إلى أبي حنيفة. أما من حيث السند: فإنه من طريقين؛ الأولى فيها أبو مطيع البلخي؛ واسمه: الحكم بن عبد الله. وهو متروك الحديث. وله طريق أخرى من طريق حماد بن أبي حنيفة. وحماد بن أبي حنيفة؛ أحسن أحواله: أنه ضعيف؛ كما في ترجمته من ميزان الاعتدال. فالحاصل: أن هذا الكتاب الذي هو الفقه الأكبر؛ من حيث السند لا يثبت. وأيضا من حيث المتن كذلك لا يثبت؛ من حيث المتن فيه بعض الأشياء التي هي من دسائس الجهمية المعطلة. وكذلك من أقوال الماتريدية؛ كمسائل الغلو في الإرجاء. أبو حنيفة - كما هو معلوم - من مرجئة الفقهاء؛ هو من مرجئة الفقهاء. لكن في ذلك الكتاب دسائس تدل على أنه قرر مباحث ومسائل من مسائل التي هي فيها غلو في الإرجاء. وأيضا تكلم في مسائل: لفظي بالقرآن. ومعلوم أن هذه المسألة ما ظهرت إلا متى؟ بعد محنة الإمام أحمد. هذه المسألة: مسألة اللفظ بالقرآن؛ ما ظهرت إلا متى؟ بعد محنة الإمام أحمد. بحمد الله جل وعلا؛ كبت الله جل وعلا جهمية القائلين بأن القرآن مخلوق؛ ابتكروا وابتدعوا أمرا آخر: هو القول بــ: لفظي بالقرآن مخلوق. إذن ما ظهرت هذه الفكرة، وهذه البدعة إلا متى؟ بعد زمن الإمام أحمد. وبين الإمام أحمد وأبي حنيفة زمن طويل. واضح. وأيضا مما ذكر أيضا في الكتاب كذلك من الأشياء التي تنكر: أنه قسم الصفات إلى صفات ذاتية وفعلية. واضح. وهذا التقسيم لا يكاد إلا موجود في كتب المتأخرين؛ موجود في ثنايا بعض العلماء؛ في كلام بعض العلماء؛ منثورا. يعني تجد في كلام أحمد منثورا؛ عندما يتكلمون عن مسألة الكلام، أو بعض الصفات التي فيها صفات الأفعال؛ يتكلمون عن صفات الفعل. أما تقسيم الصفة إلى ذاتية وفعلية؛ معلوم أن التقسيمات ماذا؟ المتأخرة من التقسيمات المتأخرة. فالحاصل: أن هذا كذلك من الأشياء التي وجدت في ذلك الكتاب؛ مما يدل على أن الكتاب ليس من كلام أبي حنيفة، ولا من تأليفه، ولا من كتابته؛ ولكن من كتب من كتبه. والله تعالى أعلى وأعلم.