التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 81

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 81، ألقاها

مفهوم العدل في الحكم على الأفراد

العدل في الحكم على المعين يتطلب الوسطية ومراعاة الشروط وانتفاء الموانع، وأهل السنة يفرقون بين الحكم العام وتكفير المعين.

ضوابط وتفاصيل حول الاجتهاد في الحكم على الأشخاص

الحكم على الأشخاص يتطلب اجتهادًا ومراعاة لشروط ومانعات، وليس متاحًا للجميع، ويستند إلى أدلة شرعية مثل حديث أبي هريرة.

الفرق بين كفر الذنوب وكفر الملة في العقيدة

أهل السنة يفرقون بين كفر الذنوب وكفر الملة، فمرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا مخرجًا من الملة، بينما تختلف فرق أخرى في تسميته.

اتفاق أهل السنة على الوعيد المترتب على الذنوب

أهل السنة متفقون على أن مرتكب الذنب يستحق الوعيد المترتب عليه كما جاء في النصوص الشرعية، مما يعكس إجماعهم على تفسير الأحكام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: بل العدل هو الوسط، وهو أن الأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفيًا ما أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إثبات ما نفاه، أو الأمر بما نهى عنه، أو النهي عما أمر به، يقال فيها: الحق، ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص، ويبين أنها كفر، ويقال: من قالها فهو كافر، ونحو ذلك، كما يذكر من الوعيد في الظلم في النفس والأموال. وكما قد قال كثير من أهل السنة المشاهير بتكفير من قال بخلق القرآن، وأن الله لا يرى، وأن الله لا يرى في الآخرة، ولا يعلم الأشياء قبل وقوعها. عن أبي يوسف رحمه الله أنه قال: ناظرت أبا حنيفة رحمه الله مدة حتى اتفق رأيه ورأيه أن من قال بخلق القرآن فهو كافر. وأما الشخص المعين، إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه، بل يخلده في النار. فإن هذا حكم الكافر بعد الموت. ولهذا ذكر أبو داود في سننه: «الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا». ثم أما بعد، قوله رحمه الله تعالى: «بل العدل هو الوسط»؛ أي: العدل هو الوسط بين أقوال الجفاة والغلوة، بين أقوال المرجئة الذين لا يكفرون بالذنب، وبين الخوارج والمعتزلة الوعيدية الذين يخلدون في النار بكل ذنب، ويسلبون الإيمان بكل ذنب. وهذا كما سمعتم قول أهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء، فأهل السنة والجماعة يقولون: بأن من الذنوب ما هي كفر، ومنها ما هي فسق، ومنها ما يكون صاحبها عاصيًا، ومنها ما يكون مبتدعًا. وأهل السنة والجماعة يفرقون بين الحكم العام وبين الحكم على المعين، فيطلقون الحكم العام كما أطلقه الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: من فعل كذا فهو كافر، ومن قال كذا فهو كافر، ومن ترك كذا فهو كافر، كما جاءت النصوص من الكتاب والسنة بذلك. أما باعتبار الحكم على الشخص المعين، فإن أهل السنة والجماعة قبل تكفير المعين يراعون أمرين: الأمر الأول أن يصدق أن ذلك القول أو الفعل أو الاعتقاد قد ثبت بالدليل الشرعي من الكتاب والسنة بأنه كفر أو فسق أو بدعة. والأمر الثاني أن تتوفر الشروط وتنتفي الموانع. إذا توفر هذان الأمران، يكون للمجتهد أن يحكم على المعين بما يستحقه من الحكم الذي هو موافق للحكم الشرعي من كفر أو فسق أو بدعة. ولاحظ أننا نقول: للمجتهد، أي أن هذه الأحكام يصدرها المجتهد، فليست لكل أحد أن يتكلم في هذه المسائل؛ لأن هذه المسائل أحكام شرعية اجتهادية، وما كان بابها كذلك فهو يرد إلى أهل الشريعة والاجتهاد. قال رحمه الله: ولهذا ذكر أبو داود في سننه، في كتاب الأدب، باب «أنه عن البغي»، وذكر فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يومًا على ذنب فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بعالم أو كنت على ما في يدي قادرًا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار». قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده، لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. وهذا حديث حسن. قال رحمه الله: ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهدًا مخطئًا مغفورًا له، ويمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله. كما غفر للذي قال: «إذا مت فاسحقوني، ثم أذروني، ثم غفر الله له لخشيته». كان يظن أن الله لا يقدر على جمعه وإعادته، أو شك في ذلك، ولكن هذا التوقف طيب؛ يعني أولًا الحديث المذكور حديث أبي هريرة رضي الله عنه، فيه وعيد لمن تعجل في هذا الحكم، وأن هذا الحكم خطير. قال رحمه الله: لكن هذا التوقف في أمر الآخرة لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا لمنع بدعته، وأن نستتيبه، فإن تاب وإلا قتلناه. وهذا كذلك من العدل، أهل السنة والجماعة لا يتكلمون إلا بميزان الشرع، في الوقت نفسه الذي لا يتعدون فيه أحكام الشرع في الحكم عليه بأنه كافر مخلد في نار جهنم. في الوقت نفسه يقولون: إذا رأيناه أظهر بدعة، زجرناه ومنعناه، وحذرنا من تلك البدعة. قال رحمه الله: ثم إذا كان القول في نفسه كفرًا، قيل: إنه كفر، والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع، ولا يكون ذلك إلا إذا صار منافقًا زنديقًا. فلا يتصور أن يكفر أحد من أهل القبلة المظهرين الإسلام إلا من يكون منافقًا زنديقًا. قال رحمه الله: وكتاب الله يبين ذلك، فإن الله صنف الخلق فيه ثلاثة أصناف: صنف كفار من المشركين ومن أهل الكتاب، هم الذين لا يقرون بالشهادتين، وصنف المؤمنون باطنًا وظاهرًا، وصنف أقر به ظاهرًا لا باطنًا. وهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة. قال رحمه الله: وهنا يظهر غلط الطرفين، إنه من كفر كل من قال القول المبتدع في الباطن، يلزمه أن يكفر أقوامًا ليسوا في الباطن منافقين، بل هم في الباطن يحبون الله ورسوله ويؤمنون بالله ورسوله وإن كانوا مذنبين. كما ثبت في صحيح البخاري عن أسلم مولى عمر رضي الله عنه عن عمر أن رجلًا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارًا، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب، فأتي به يومًا فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنه، فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله». وهذا أمر متيقن. قال رحمه الله: وهذا أمر متيقن به في طوائف كثيرة، أئمة في العلم والدين، وفيهم بعض المقالات الجهمية أو المرجئة أو القدرية أو الشيعة أو الخوارج. قال رحمه الله: ولكن الأئمة في العلم والدين لا يكونون قائمين بجملة تلك البدع، بل بفرع منها. قال رحمه الله: فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضًا، ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون. قال رحمه الله: ولكن بقي هنا إشكال يرد على كلام الشيخ رحمه الله، وهو أن الشارع قد سمى بعض الذنوب كفرًا. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. والجواب أن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية. قال رحمه الله: وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كانت عنده لأخيه مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون درهم ولا دينار، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه، ثم ألقي في النار». أخرجه في الصحيحين. قال رحمه الله: والمعتزلة موافقون للخوارج هنا في حكم الآخرة، فإنهم وافقوهم على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، لكن قالت الخوارج: نسميه كافرًا، وقالت المعتزلة: نسميه فاسقًا. فالخلاف بينهم لفظي فقط. وأهل السنة أيضًا متفقون على أنه يستحق الوعيد المترتب على ذلك الذنب كما وردت به النصوص. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على