التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 20

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 20، ألقاها

مقدمة في شرح صفات الله تعالى

يبدأ الشارح بتوضيح معنى عدم عجز الله عن شيء، مبينا أن الله لا يعجزه شيء لكمال قدرته. يستدل بآيات من القرآن الكريم على ذلك.

منهج أهل السنة والجماعة في التعامل مع صفات الله

يعتمد أهل السنة والجماعة على إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ما نفاه عن نفسه، ويتوقفون في الأمور التي لم يرد فيها نص، ويختلفون بذلك عن المتكلمين.

تفصيل الإثبات والنفي في الصفات الإلهية وتطبيقاتها

يشرح تفصيل الإثبات والنفي في الصفات الإلهية، ويبين أن الإثبات المفصل أكمل من الإجمال، مع تقديم أمثلة من القرآن الكريم على النفي المجمل.

أمثلة وتطبيقات عملية على الإثبات والنفي في النصوص

يشير إلى ورود الإثبات مفصلا والنفي مجملا في بعض النصوص، ويختم بالدعاء والاستغفار، مما يدل على التضرع والتوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «ولا شيء يعجزه» قال: لكمال قدرته. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾. لا يؤده أي: لا يكرثه ولا يثقله، لا يكرثه، «لا يؤده» أي: لا يكرثه، لا يكرثه ولا يثقله ولا يعجزه. فهذا النفي لثبوت كمال ضده، وكذلك كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ لكمال عدله، ﴿لَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ لكمال علمه، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ لكمال قدرته، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ لكمال حياته وقيوميته، ﴿لَا تَدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ لكمال جلاله وعظمته وكبريائه. وإلا فالنفي الصرف لا مدح فيه، ألا ترى أن قول الشاعر: «قَبِيلَةٌ قَبِيلَةٌ لَا يَقْدِرُونَ بِدَمٍ بِذِمَّةٍ قَبِيلَةٍ لَا يَقْدِرُونَ بِذِمَّةٍ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلٍ» لما اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده، وتصغيرهم بقوله «قَبِيلَةٌ» علم أن المراد عجزهم وضعفهم، لا كمال قدرتهم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قول إمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «ولا شيء يعجزهم» أي: ولا شيء يعجز الله جل وعلا، بين الشارح رحمه الله تعالى هذا المعنى بقوله: «لكمال قدرته»، فلا شيء يعجز الله جل وعلا لماذا؟ لكمال قدرته. فالنفي يؤتى به لأمور كما سيأتي بإذن الله جل وعلا ذكرها وبيانها، منها أنه يؤتى به لبيان كمال الإثبات، وبيان كمال الضد، فالله جل وعلا لا يعجزه شيء لماذا؟ لكمال قدرته. قال: «إن الله على كل شيء قدير» فهذا فيه دلالة واضحة على أن الله لا يعجزه شيء لماذا؟ لأنه على كل شيء قدير، وكذلك ما ذكر من أدلة، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. من تأمل في هذه الآية، تأمل في أولها وفي آخرها ظهر له هذا المعنى، فالله جل وعلا قال في هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ لماذا؟ قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. الحاصل والخلاصة من هذا كما ذكر الشارح رحمه الله تعالى، قال في آخر ما ذكر: «لا تدركه الأبصار كما لجلاله وعظمته وكبريائه»، قال: «وإلا فالنفي الصرف لا مدح فيه» أي: وإلا فالنفي المحض الصرف بمعنى: المحض الخالص لا مدح فيه. قد يقول قائل: لا مدح فيه لماذا؟ ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى لذلك أمرين، كما في «التدمرية»: السبب الأول أن النفي المحض عدم، وأن النفي المحض عدم والعدم ليس بشيء، وما كان ليس بشيء فهو ليس بشيء. الثاني: لأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال. وزاد العلامة العثيمين رحمه الله تعالى كذلك أمرين آخرين، كما في «القواعد المثلى»، فقال رحمه الله تعالى: إن النفي قد يكون لعدم قابلية المحل له، فلا يكون كمالا، كما لو قلت: «الجدار لا يظلم» هل هذا فيه مدح للجدار؟ ليس فيه مدح لماذا؟ لعدم قابلية الجدار لهذا الوصف. الثاني: أنه قد يكون للعجز عن القيام به، قد يكون يعني سبب ذلك السلب وسبب ذلك النفي العجز عن القيام به، فيكون نقصا، كما في قول الشاعر في هذا البيت الذي ذكره الشارح رحمه الله في قوله: «قَبِيلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ قَبِيلَةٍ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلٍ». لماذا؟ يقول الشيخ: لما اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده، وتصغيرهم بقوله «قَبِيلَةٌ» علم أن المراد عجزهم وضعفهم، لا كمال قدرتهم. وعلى هذا يتبين لنا أن النفي المحض ليس بكمال، لأمور، ومنها ما سمعتموه من الأمور: أربعة مذكورة، ومنها: أنه يتصف به العاجز عن فعل الشيء، فيقال: «فلان لا يظلم» لا لكمال عدله، ولكن لعجزه. فإذا قيل في حق الله جل وعلا: «لا يظلم» وكان هذا النفي نفيا محضا، فيكون معناه: إما للعجز، أو لعدم قابلية المحل، أو لأنه عدم أو ممتنع، أو كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: يعني يكون غير قابل. الحاصل أن جميع هذه الأشياء غير صحيحة وممتنعة في حق الله جل وعلا، فضلا عن ذلك. ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلا، والنفي مجملا، عكس طريقة أهل الكلام المذمومة، فإنهم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل. قوله رحمه الله تعالى: «ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلا والنفي مجملا» هذه الفقرة نتركها إلى آخر الدرس. حاصل ما ذكره الشارح رحمه الله تعالى ها هنا: أن طريقة المعتزلة وطريقة المتكلمين في صفات الله جل وعلا: أنهم ينفون عن الله جل وعلا الصفات السلبية، وهذا النفي عندهم نفي محض لا يتضمن إثباتا، فيكونون بذلك مخالفين للحق. وأهل الحق من طريقين: الطريقة الأولى: أنهم اعتمدوا في باب الصفات على السلوب والتفصيل في تلك السلوب، الثاني: أنهم جعلوا تلك السلوب ليس لها أو تلك السلوب محضة، جعلوا تلك السلوب سلوبا محضة لا تتضمن إثبات كمال الضد. علق على بعض الألفاظ التي قد تكون غير معروفة، قوله: «ليس بجسم ولا شبح» الشبح بمعنى: الشخص، وقوله رحمه الله تعالى: «ولا مجسة» المجسة: يقال «فلان جسه بيده» أي: مسه. قوله: «ولا يجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول إلى آخره» المماسة: إن كانت إن كان المراد المماسة بالمخلوقات: أن يكون الله جل وعلا حالا بين المخلوقات مماثلة للمخلوقات، فهذا لا يجوز في حق الله جل وعلا. أن يقال في حقه ذلك، بين الله جل وعلا بائن من خلقه، فوق عرشه سبحانه وتعالى، بائن من خلقه كما نطق بذلك الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة، ودل عليه العقل الصحيح، وكذلك الفطرة السليمة. هذا أمر، وإن أريد بالمماسة: المماسة بالعرش، فمثل هذا لا نثبته ولا ننفيه لماذا؟ لعدم ثبوت الدليل سلبا أو إيجابا، فنتوقف في إطلاق هذا أو ذاك. طريقة رسلنا في هذا الباب: إثبات ما أثبته الله جل وعلا لنفسه، ونفي ما نفاه الله جل وعلا عن نفسه، وما لم يثبته الله لنفسه وما لم ينفيه عن نفسه، فإننا نتوقف فيه. قوله رحمه الله تعالى: «وفي هذه الجملة حق وباطل» بمعنى: أن الألفاظ المذكورة فيها حق وباطل، فيها حق وباطل لماذا؟ لأن حق هذه الألفاظ أو جملة من هذه الألفاظ هي من الألفاظ المجملة، المحتملة للحق والباطل. قوله رحمه الله: «وأما أهل الحق والسنة والإيمان فيجعلون ما قاله الله ورسوله هو الحق الذي يجب اعتقاده واعتماده» والذي قاله هؤلاء: إما أن يعرضوا عنه إعراضا جليا، أو يبينوا حاله تفصيلا، ويحكم عليه بالكتاب والسنة، لا يحكم به على الكتاب والسنة. وهذا تنبيه جيد من الشيخ رحمه الله تعالى، ما تقدم في أن طريقة أهل السنة والجماعة: اتباع ما كان في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على ما كان عليه سلف الأمة، بخلاف طريقة المتكلمين. فإنها مخالفة مناقضة لهم تماما، أهل السنة والجماعة: يقول الأصل الإجمال في الإثبات، الأصل التفصيل في الإثبات، والإجمال في النفي، طريقة المتكلمين: عندهم الأصل الإجمال في الإثبات، والتفصيل في النفي. قال رحمه الله: «والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية هو سبيل أهل السنة والجماعة» والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات، ولا يتدبرون معانيها، ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده. وأما أهل الحق والسنة والإيمان: فيجعلون ما قاله الله ورسوله هو الحق الذي يجب اعتقاده واعتماده، والذي قاله هؤلاء: إما أن يعرضوا عنه إعراضا جليا، أو يبينوا حاله تفصيلا، ويحكم عليه بالكتاب والسنة، لا يحكم به على الكتاب والسنة. قال رحمه الله: «والمقصود أن غالب عقائدهم السلوح» أي: النفي، «ليس بكذا» وأما الإثبات فهو قليل، «ليس بكذا» مرتين. قال: «وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب والسنة ولا عن الطرق العقلية التي سلكها غيرهم من مثبتة الصفات» يعني: كالأشاعر والكلابية ومن كان على شاكلتهم. قال: «فإن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ففي هذا الإثبات ما يقرر معنى النفي». فهم أن المراد انفراده سبحانه بصفات الكمال، فهو سبحانه وتعالى موصوف بما وصف به نفسه، وصف به رسله، ليس كمثله شيء في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله، مما أخبرنا به من صفاته. وله صفات لم يطلع عليها أحد من خلقه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء الكرب: «اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك». فيه دليل على إثبات أسماء الله جل وعلا، وإثبات ما أثبته الله جل وعلا لنفسه من الأسماء، وأن من أسماء الله جل وعلا ما هي معلومة لنا، ومنها ما هي ليست بمعلومة لنا، يعلمها الله ولا نعلمها نحن، لا نعلم إلا ما علمنا الله جل وعلا. قال رحمه الله: «وليس قول الشيخ رحمه الله «ولا شيء يعجزه» من النفي المذموم» فإن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. فنبه سبحانه وتعالى في آخر الآية على دليل انتفاء العجز، وهو كمال العلم والقدرة، فإن العجز إنما ينشأ إما من الضعف عن القيام بما يريده الفاعل، وإما من عدم علمه به. وهذا في حق الله جل وعلا منتفي، هذا وذاك، الله جل وعلا على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، لذا ختم الآية بقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. وهذا من الاستدلال بأسماء الله جل وعلا على ما أراد الله جل وعلا أن يستدل به، فالله جل وعلا استدل على عدم عجزه بأنه كامل العلم، وأنه كامل القدرة. قال رحمه الله: «والله تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة وهو على كل شيء قدير» وقد علم ببدائه العقول، والفطر كما لقدرته وعلمه، فانتفى العجز. قوله: «وقد علم ببدائه العقول» تقدم معنا مرة في «العقيدة التدمرية»: أن المراد ببدائه العقول: هو بداهة أي: الأشياء البديهية التي لا تحتاج إلى نظر ولا إلى استدلال ولا إلى برهان. قال رحمه الله تعالى: «وقد علم ببدائه العقول والفطر كما لقدرته وعلمه فانتفى العجز» أي: كل إنسان يعلم هذا، يعلم هذا ولا يحتاج إلى دليل ولا يحتاج إلى نظر ولا يحتاج إلى استدلال، بل هو أمر واضح بيّن مستقر بالفطر السليمة والعقول المستنيرة. قلنا: فالإثبات المفصل يقابله الإثبات المجمل، وكانت طريقة الكتاب والسنة: الإثبات المفصل لأمور جليلة. فمنها: ما ذكره المؤلف يعني: الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى في هذه القاعدة، قال رحمه الله: «القاعدة الرابعة: الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالتها أو دلالاتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر». فهذا معنى: الثاني: أنه أكمل من الإجمال في هذا المقام، إثبات المفصل أكمل من الإجمال في هذا المقام لماذا؟ كما تقدم: كلما كثر التفصيل في ذكر ما تميز به المحمود، كلما كثر الحمد. مثلا: نقول: «فلان» يعني: على سبيل المثال في المخلوق لله المثل الأعلى، قلنا: «فلان» يعني: «زيد الرجل» إيش رأيكم بهذا الكلام؟ مدح أو ليس بمدح؟ مدح، لكن إذا قلنا: «زيد» يا جماعة: «عالم وتقي وزاهد وعابد وشجاع وكريم وجواد» إلى غير ذلك، أيهما كان أمدح له؟ كلما فصلنا في المدح كان أمدح. الثالث: أنه فيه قطع السبيل أمام أهل التحريف والتعطيل والتمثيل، إذ ورود الصفات مفصلة مع تنوع مواردها: دليل على ثبوت تلك الصفات على ظاهرها، وأن حقيقتها مرادة لله على الوجه اللائق به سبحانه، وأنه لا يماثله فيها أحد. قد يقول لنا قائل: قد جاء الإثبات مجملا في كتاب الله جل وعلا، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾. فهو مخرج على وجوه كثيرة، ومنها ما يلي: الأول: أن الإثبات المفصل جار على الغالب، الإثبات المفصل جار على ماذا؟ على الغالب، أي: هو الغالب في كتاب الله وفي سنة رسوله، والإثبات المجمل من غير الغالب. الثاني: أن الإثبات المفصل هو الأصل، والمجمل أتى به على سبيل تنويع طرق الاستدلال، على سبيل تنويع طرق الاستدلال: تارة التفصيل وهو الأصل، وتارة الإجمال كذلك من طرق الاستدلال، فيثبت الكمال بطريقين: تفصيلي وهو المعول عليه، وإجماله يراد به التنويع. الثالث: أن طريقة القرآن: الاتيان بالإثبات مجملا ومفصلا، على قول يعني: بعض أهل العلم، قالوا: أن الطريقة القرآن: تأتي في الإثبات في باب الإثبات: تارة وتارة. الرابع: أن الإثبات المفصل هو الأصل، والإثبات المجمل يؤتى به لسبب من الأسباب، ومقام من المقامات العظيمة، ومنها: ألف في مقام ثناء الله سبحانه على نفسه المقدسة، ويتضمن إرشاد العباد إلى الثناء عليه جل شأنه. مثل قول الله جل وعلا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يثني على نفسه، وفيه إرشاد العباد إلى ثنائه عليه، وهكذا. وفي مقام تنزيه نفسه المقدسة عما تصور أو قد يتصور من النقائص والعيوب التي يتعالى الله عنها ويتقدس، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم في آخر آية صفة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. لماذا أتى بها؟ قال: أتى في مقام تنزيه نفسه المقدسة عما تصور أو قد يتصور من النقائص والعيوب التي يتعالى الله عنها ويتقدس. والنفي المجمل يقابله النفي المفصل، وكانت طريقة الكتاب والسنة: النفي المجمل لأمور جليلة، منها: واحد: أن يكون به سلوك الأدب مع الأكابر، فكيف مع الله رب العالمين؟ الثاني: أنه الأكمل في هذا المقام، وما ورد في القرآن من النفي مفصلا، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾، وقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾، وقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. فهو مخرج على وجوه: منها: أنه أريد به توسيع دائرة الإثبات، أنه أتي بها لأجل توسيع دائرة الإثبات، بإثبات أضدادها من صفات الكمال، أي: بنفي الصفة تثبت كمال الضد. الثاني: أنها كالحامية لباب الإثبات من النقائص والمقررة له، وبضدها تتبين الأشياء، فالله جل وعلا نفي عن نفسه العجز لكمال قدرته وعلمه. الثالث: أن في مقابل حوادث خاصة وأمور كبرى قوبلت بالإنكار أو الإثبات من بعض الطوائف، إما بالإنكار وإما بالإثبات، فيأتي نفيها مفصلا لتقرير الرد عليهم ولتأخذ الحجة مأخذها. الرابع: أنه جاء على غير الغالب، التفصيل جاء على غير الغالب، فالمجمل هو الأصل، وهذا خارج على الأصل ورد لسبب. الخامس: أنه نفي مفصل ولكنه في حكم المجمل، لماذا؟ قال: لما يتضمنه النفي الواحد من نفي نقائص كثيرة مترتبة عليه لمن تأمله. فهذه بعض الأمور التي تذكر في هذا الباب، في ورود الإثبات مفصلا وورود النفي مجملا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على