التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 36

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 36، ألقاها

الرد على من ينكر حوادث لا أول لها

يتناول الرد على من يرى امتناع وجود حوادث لا أول لها، مستدلين بأن الفعل الإلهي متعلق بكماله وصفاته. كما يبين أن دوام الفعل يدل على دوام الكمال، ويرد على قولهم بأن الفعل كان ممتنعا في الأزل ثم أصبح ممكنا فيما بعد.

تأخر الفعل الإلهي وتوضيح موجباته

يناقش الرد على شبهة تأخر الفعل الإلهي عن وجود الموجب التام، ويبين أن الله لم يزل قادرا مريدا عالما حيا، وهذه الصفات الذاتية تكفي لتمام الفعل. كما يستدل على إمكان حوادث لا أول لها بوجود أركان الفعل كاملة تامة.

أدلة القول بمخلوقات أزلية

يناقش الأدلة النقلية والعقلية حول مسألة قدم المخلوقات أو حدوثها، ويستدل بشيخ الإسلام ابن تيمية على أن الأدلة النقلية تدل على القول بمخلوقات لا أول لها باعتبار نوعها. كما يشرح حديث عمران بن حسين في البخاري حول أول هذا الأمر.

تحليل حديث "كان الله ولا شيء قبله"

يناقش صحة حديث "كان الله ولا شيء قبله" ويبين أن لفظ "قبله" هو اللفظ المحفوظ، ويشرح معنى الحديث ودلالته على عدم وجود مخلوقات قبل خلق العالم. كما يرد على من يفسر الحديث بغير هذا المعنى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي في الجواب على الشبهة الأولى عند القائلين بامتناع حوادث لا أول لها باعتبار النوع. توقفنا عند قوله: «وأما النوع الذي هو من لوازم الكمال لأنه وصفه... وأما النوع الذي هو من لوازم الكمال لأنه وصفه تعالى، فلا مبتدأ له ولا منتهى، بل لم يزل الله فاعلا، بل لم يزل الله فعالا لما يريد؛ لأنه لا يمكن أن يكون في وقت من الأوقات فاقدا لشيء من الكمال». توقفناها هنا. قال: وكذلك من ناحية العقل يقال: أن فعل الرب سبحانه تابع لوصفه وكماله، فإذا كان لم يزل موصوفا بصفات الكمال ونعوت الجلال، بحيث لا يتصور خلوه عنها لحظة من اللحظات في جانب الأزل والأبد، فهو إذن لم يزل فعالا؛ لأن الفعل من جملة الصفات التي لم يزل بها موصوفا، والفعل من لوازم كماله سبحانه. فكماله في ذاته وصفاته هو سبب كونه فاعلا، فهو سبحانه كمل ففعل. وأما الكمال في المخلوقات والمكونات في أعيانها وأوصافها، فهو تابع لكمال المكون. فإن أثر الكامل لا يكون إلا كاملا. وإذا كان الفعل عين كماله سبحانه؛ لأن الكمال مستتبع له ولا تحصل إلا به، قال: «فكيف إذن يجوز القول بامتناع الفعل منه في الأزل، ثم يصير هذا الفعل ممكنا فيما لا يزال، من غير تجدد سبب أوجب ذلك الإنقلاب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، لا تجدد قدرة ولا إرادة ولا غيرهما». قال: وكذلك يقال لهؤلاء: إن دوام الفعل يدل على الكمال، وإذا كان يدل على الكمال، فلا يتصور خلوه سبحانه وتعالى عن الكمال فترة من الزمن؛ لأنه فعال لما يريد. إذا قال: «لم يزل فعالا»؛ لأن الفعل من جملة الصفات التي لم يزل بها موصوفا، والفعل من لوازم كماله. الفعل من لوازم كماله سبحانه؛ لأن الحي فعال، والفعال يدل على الكمال. فكلما استمر الفعل ودام، دل على الكمال ودل على دوام الكمال. قال: «فكماله في ذاته وصفاته، وسبحانه كونه فاعلا، فسبحانه كمل ففعل». وأما الكمال في المخلوقات والمكونات في أعيانها وأوصافها، فهو التابع لكمال المكون. أي: نرى في الوجود أن هذه المخلوقات خلقها الله جل وعلا، فأحسن صورها وتم خلقها، وهذا يدل على كمال الخالق جل وعلا الموجد لها على هذا الكمال. وكمالها يدل على حسن كمال الموجد لها الخالق لها سبحانه وتعالى. قال: «فإن أثر الكامل لا يكون إلا كاملا». وإذا كان الفعل عين كماله سبحانه؛ لأن الكمال مستتبع له ولا تحصل إلا به، قال: «فكيف إذن يجوز القول بامتناع الفعل منه في الأزل؟» إذا كان دوام الفعل من كماله، من كمال الرب جل وعلا، ووجود الأثر يدل على ذلك الكمال، فكيف يمتنع في حق رب جل وعلا أن يقال في حقه: أن الفعل في حقه كان ممتنعا؟ ومعنى كونه كان ممتنعا: أي أن الله جل وعلا كان معطلا عن الفعل زمنا، ثم صار فاعلا لغير ما أمر حدث له أو طرأ عليه، وإنما حصل له انقلاب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي. لذا قال: «ثم يصير هذا الفعل ممكنا فيما لا يزال، من غير تجدد سبب أوجب ذلك الإنقلاب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، لا تجدد قدرة ولا إرادة ولا غيرهما»؛ لأنه كما سمعتم: أن هؤلاء المخالفين لأهل السنة والجماعة من المتكلمين لا يثبتون لله جل وعلا إرادة متعلقة بالرب جل وعلا يفعلها الله جل وعلا ما تشاء. إرادة تتجدد يفعل الله جل وعلا ما يريد، لا يقولون بهذا. فالجهمية والمعتزلة ينفون الصفات أصلا ورأسا. والأشاعرة والكلابية والماتريدية ممن يثبت هذه الصفة، يقولون بأنها إرادة أزلية أزلية قامت بالرب جل وعلا، لا تتجدد ولا تتعدد. فمعنى هذا على قول الجميع: على قول جهمية والمعتزلة، وعلى قول الأشاعرة: أن الله جل وعلا أوجد هذه المخلوقات بغير ما إرادة. أوجد هذه المخلوقات بغير إرادة، ولا فعل من عنده. أما الجهمية والمعتزلة؛ لأنهم يقولون بأن الإرادة ليست من فعل الله. فعلى قولهم: أن المخلوقات وجدت من غير فعل الله. وبالنسبة للأشاعرة والكلابية، يقولون بأن الإرادة صفة ذاتية أزلية قديمة، والحوادث وجدت بعد زمن. ومعنى هذا كذلك، ولازم هذا: أن تكون المحدثات أحدثت ووجدت من غير إرادة؛ إذ أن الإرادة عندهم أزلية لا تتجدد ولا تتعدد. فيقال لهم: وكذلك يقال لهؤلاء الذين قالوا: بأن الله كان معطلا عن الفعل في الأزل، وإن الفعل كان ممتنعا منه فيما لم يزل، ثم صار ممكنا فيما لا يزال. قد قالوا بما يعلم كل عاقل بطلانه، وبرهنوا على سخافة عقولهم. إذ لو كان الفعل ممتنعا عنه في الأزل، فما الذي صيره ممكنا؟ مع أنه لم يتجدد في ذاته شيء يقتضي هذا الإنقلاب من الامتناع إلى الإمكان. وهذا الإلزام لا مخلص لهم منه، وهذا واضح. وهذا يدل على سخافة عقولهم. وهكذا كل من بعد عن الكتاب والسنة، والأخذ بالكتاب والسنة وحكم العقل على النقل، وصل حاله إلى هذا الأمر. هذا يدل على خذلان الله جل وعلا لهم، واتكالهم على أنفسهم وعلى عقولهم. قال: فإن أجابوا عن هذا بأن نفس الأزل هو المانع من التأثير في الممكن؛ يعني يقول: فإن قيل: نحن قلنا بالامتناع الذاتي، ثم قلنا بالإمكان الذاتي؛ لأن الأزل مانع. الأزل دليلنا على امتناع حوادث لا أول لها. كيف هذا؟ يقول: لو قلنا بأنها أزلية، للزم أن نقول بأن الحوادث واجبة وليست بممكنة. إذ من كان أو ما كان أزليا، هل يكون حادثا؟ يقول: ما كان أزليا يلزم أن يكون ليس بمسبوق بعدم. وما لم يكن مسبوقا بعدم، فهو واجب. قال: هذا كلام فيما يتعلق بالممكن. إذن ما دامت أنها ممكنة، فلها مبدأ. فقولنا لها مبدأ يدل على أن قبل هذا المبدأ كانت ممتنعة. أم لا؟ قبل هذا المبدأ كانت ممتنعة؛ لأن لو لم نقل هذا، لنلزم القول بأن هذه الممكنات كانت واجبة. قال: لأن من شرائط التأثير فيه: أن يكون مسبوقا بالعدم. فإن أجابوا عن هذا بأن نفس الأزل هو المانع من التأثير في الممكن؛ لأن من شرائط التأثير فيه: أن يكون مسبوقا بالعدم. قلنا: سبق العدم أمر عدمي، لا يصلح أن يكون شرطا للتأثير. ولكن الذي يصلح شرطا هو الإمكان، والإمكان ثابت في الأزل. فثبت أن الرب سبحانه لم يكن معطلا عن فعله في وقت من الأوقات، بل «كل يوم هو في شأن، يدبر ما يشاء ويحدث من الأمور ما تقتضيه حكمته». قال: مسألة: أو قولكم بأن العدم هو السبب في قولنا بالامتناع. سبق العدم هو قولنا باشتراط الإمتناع قبل الإمكان. قلنا: سبق العدم أمر عدمي. العدم هل له وجود؟ ليس له وجود. طيب سبق العدم أمر عدمي. فكل وقت يحتمل أن يكون فيه ذلك الحدوث. كل زمن بين حدوث الممكنات وقبل حدوث الممكنات هو عدم. والعدم يحصل فيه الممكن أو يحصل فيه الممتنع؟ الممكن؛ لأن ما يحصل بعد أن كان عدما الممكن أو الممتنع؟ الممكن؛ لأن الممكن هو ما يمكن وجوده وعدمه. فقبل وجوده هو عدم. وهل العدم فترة معينة أو زمن محدود؟ الجواب: ليس له زمن محدود؛ إذ ما من زمن يفترضه العقل أنه المبدأ، إلا وينقضه العقل بزمن آخر يحتمل أن يكون قبله. وهكذا إلى ما لا نهاية. قال: قلنا: سبق العدم أمر عدم لا يصلح أن يكون شرطا للتأثير؛ لأن الشرط لا بد أن يكون وجوديا. بخلاف المانع، المانع يكون عدميا. وهم اشترطوا في الممكنات أن تسبق بالعدم. والعدم أمر عدمي أو وجودي؟ عدمي. إذن هذا حقيقة أن يقال بأنهم جعلوا المانع وليس بشرط. مانع وليس بشرط. قال: ولكن الذي يصلح شرطا هو الإمكان. الإمكان الذي يصلح شرطا، الإمكان لا العدم. معهم قالوا: لأنه مسبوقا بعدم، لا بد أن يكون مسبوقا بعدم. فأهل السنة والجماعة يقولون: ما كان مسبوقا بعدم، فهو عدم. والعدم ليس له تأثير في الوجود؛ لأنه عدم. لكن نقول: المؤثر فيه هو الإمكان. المؤثر فيه أنه ممكن. أن هذه الحوادث ممكنة. وما دامت ممكنة، لابد أن تسبق بالعدم. بخلاف ما نقول: أنها ممكنة. فإذا كانت ممكنة، أنها ممكنة؛ لأنها لابد أن تسبق بعدم. يعني القول بأنها المانع من حوادث لا أول لها: أنها ممكنة. ولو قلنا بأنها ممكنة، فمعنى هذا: أنها لابد أن تكون مسبوقة بالعدم. فشرطها أن تكون مسبوقة بالعدم. قال: فما هو الشرط؟ نقول: بأن الممكنات لابد أن تسبق بالإمكان. أي بإمكان وجودها. بإمكان وجودها يمنع وجوبها. إمكان وجودها يمنع وجوبها؛ كما أنه يمنع امتناعها. يمنع وجوبها؛ كما أنه يمنع امتناعها. قال: لم يكن. قال: ولكن الذي يصلح شرطا الإمكان. قال: الإمكان ثابت في الأزل؛ لأنه ما من زمن إلا والإمكان فيه محتمل. ما من زمن إلا والإمكان فيه محتمل. لا إلى أول. ليس له أول. نقول: بأنه أول باعتبار العد والحساب. بل ما من وقت يفرضه العقل إلا وهو يحتمل أن يكون قبل ذلك الوقت. حتى تنتهي كما سمعتم الأوائل إلى الأول الذي ليس قبله شيء. ويقال لهؤلاء أيضا: أليس الأمر والتكوين من صفات الكمال؟ بدليل أن المتصف بهما أكمل من الفاقد لهما. حينئذ فالله لم يزل آمرا مكونا. والأمر والتكوين هما الموجب التام للتأثير. وهو مستلزم لوجود الأثر؛ لأن تخلف التأثير بعد تمام الموجب له محال، غير ممكن. يعني يقول: ويقال لهؤلاء أيضا: أليس الأمر والتكوين من صفات الكمال؟ الأمر: أي كون الرب جل وعلا آمرا أزلا وأبدا. وكون الرب جل وعلا مكونا أزلا وأبدا. هل هذا من صفات الكمال أم لا؟ يقول: هو من صفات الكمال. يقول: هو من صفات الكمال؛ بدليل أن المتصف بهما أكمل من الفاقد لهما. أن من كان متصفا بهذه الصفات أكمل من من كان ليس متصفا بهذه الصفات. وما كان أكمل، فهو في حق رب ماذا؟ أو لا؟ واضح. قال: وحينئذ فالله لم يزل آمرا مكونا. والأمر والتكوين هما الموجب التام للتأثير. وقد تقدم معنا: الموجب التام للتأثير: العلة التامة المؤثرة الموجبة للأثر. واضح. قال: وهو مستلزم لوجود الأثر؛ بمعنى أن الله جل وعلا إذا كان مريدا فعالا، وكذلك هذا كما سمعتم قبل ذلك: أنه حي. ومن لوازم الحياة الإرادة. من لوازم الحياة الفعل. من لوازم الحياة الكلام. فالله جل وعلا متصف بهذه الأفعال أزلا. متصف بهذه الأفعال أزلا. وهذه الأفعال كما ذكر رحمه الله تعالى: هم الموجب التام للتأثير. الموجب التام للتأثير: أي لوجود الأثر الذي هو المخلوق الذي يوجد بذلك التأثير. أي الفعل. قال: هم مستلزم لوجود الأثر؛ لأن تخلف التأثير. تخلف التأثير بعد تمام علته الموجبة له محال، غير ممكن. ما دام أن العلة تامة، لا بد أن يوجد الأثر عقب تلك العلة التامة. كما قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. تكوين «كن»، أمر «كن»، وفيه تكوين «فيكون». «فيكون» عقب ذلك الأمر، وعقب ذلك التكوين. قال: ويقال لهم أيضا: إن الله لم يزل قادرا مريدا عالما حيا. وهذه الأربع صفات ذاتية له. وليس يحتاج الفاعل في كونه فاعلا إلى غير هذه الأربع؛ فهي التي بها تمام الفعل؛ لأنها أركانه التي لا يتحقق بدونها. وإذا كان ذلك، فلماذا نؤخر فعله سبحانه عن وجود الموجب التام لجميع أركانه؟ فإن قلتم: تأخر الفعل؛ لأنه كان ممتنعا في الأزل. وإن كذبتم: بل لم يزل الفعل ممكنا؛ إذ لو كان ممتنعا في الأزل، لم يقبل الوجود فيما لا يزال؛ لأن الممتنع لا ينقلب ممكنا. قال: وهذا من كلام الهراس رحمه الله تعالى في شرح النونية. يقول رحمه الله: ويقال لهم كذلك: أن الله لم يزل قادرا مريدا عالما حيا. لم يزل: أي أزلا. قال: وهذه الأربع صفات ذاتية له. ما معنى صفات ذاتية؟ أي صفات أزلية. صفات أزلية أزلية. وليس المراد بأنها يعني صفات ذاتية وليس بفعلية. ولكن المراد بها صفات ذاتية باعتبار نوعها. صفات ذاتية باعتبار نوعها. قال رحمه الله تعالى: ذاتية له. وليس يحتاج الفاعل. الفاعل في كونه فاعلا إلى غير هذه الأربع. أي كونه قادرا مريدا عالما حيا. قال رحمه الله تعالى: فهي التي بها تمام الفعل. تمام الفعل. فهي دلت على أنها من صفات الفعل؛ لأنها أركانه التي لا يتحقق بدونها. أي لا يتحقق الفعل بدونها. فالفاعل إنما يتحقق ممن كان حيا، ممن كان عالما بما يفعل، ممن كان قادرا، ممن كان مريدا. قال رحمه الله: قال: لأنها أركان. لأنها أركان التي لا يتحقق بدونها. أي الفعل. قال: وإذا كان ذلك، فلماذا تأخر فعله سبحانه عن وجود الموجب التام لجميع أركانه؟ أي: أن الأركان أركان الفعل موجودة بكاملها وتامة. وهي الأربع المذكورة. فإذا كان كذلك، فلماذا قلتم بتأخير الأثر عن الفعل؟ قال رحمه الله تعالى: فإن قلتم: تأخر الفعل؛ لأنه كان ممتنعا في الأزل. واضح. إن قالوا: أنه كان ممتنعا في الأزل، رجع إلى الكلام الأول. قال رحمه الله: قلنا: كذبتم. كذبتم. لم يكن ممتنعا في الأزل. قال: بل لم يزل. بل لم يزل الفعل ممكنا. لم يزل الفعل ممكنا أزلا. كما أنه ممكن أبدا. قال: إذ لو كان ممتنعا في الأزل، لم يقبل الوجود فيما لا يزال؛ لأن الممتنع لا ينقلب ممكنا. ففيه تقرير لإمكان حوادث لا أول لها. بل وبوقوع حوادث لا أول لها. من أين؟ من وجود أركان الفعل الذي بها إذا وجدت هذه الأركان كاملة تامة، حصل الأثر عقبها. إذ ما من زمن يفرضه العقل إلا والفعل في حقه سبحانه وتعالى ممكنا. ووجود ذلك الفعل ووقوع ذلك الفعل يدل على أن الله جل وعلا فعال لما يريد أزلا؛ كما أنه فعال لما يريد أبدا. قالوا: ما يستدل به من الأدلة النقلية. يقول شيخ الإسلام في درء التعارض: «وهؤلاء أبعدوا... وكان صوابها... وكأن صوابها أبعد من أبعد من أن يمكنهم من إقامة الدليل على قدم شيء من العالم». فإن الذي يفعل بإرادات قائمة به بذاته شيئا بعد شيء، لا يقوم لهم دليل على أن شيئا من مفعولاته لن يزل مقارنا له. إذ يمكن أنه مفعولا بعد مفعول. وأن هذا العالم خلقه من مادة كانت قبله؛ كما أخبرت بذلك الرسل. فأخبر الله تعالى في القرآن: أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في الستة أيام، ثم استوى على العرش. وأخبر: أنه سبحانه استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها وللأرض: «ائتيا طوعا أو كرها»، قالتا: «أتيتا طائعين». فقضاهن سبع سماوات في يومين. وأوحى في كل سماء أمرها. وزيّن السماء الدنيا بمصابيح وحفظة. ذلك تقدير العزيز العليم. وقال في الآية الأخرى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. فأخبر: أنه سواهن سبع سماوات في يومين. وأن السماء كانت دخانا. هو بخار الماء كما جاء تفسيره في عدة آثار: أنه خلق السماوات من بخار الماء. والبخار دخان الماء؛ كما أن دخان الأرض دخان. وإن أريد بالدخان التراب فقط، أو دخان التراب والماء. وكل ذلك في إخبار الله: أنه خلق السماوات السبع من مادة أخرى. كما أخبر: أنه خلق الإنسان من مادة. وأنه خلق الجان من مادة. قال: ففي هذه الآثار المنقولة عن الأنبياء: أنه كان موجودا قبل خلق هذا العالم: أرض وماء وهواء. وتلك الأجسام خلقها الله من أجسام أخرى. فإن العرش أيضا مخلوق؛ كما أخبرت في ذلك النصوص. واتفقت على ذلك المسلمون. قال: وهذا يبين: أن هؤلاء ليس لهم شيء من الأدلة النقلية في القول بمخلوقات لها أول. بل الأدلة النقلية تدل على ما ذهب إليه سلف الأمة من القول بمخلوقات لا أول لها؛ باعتبار نوعها. وأن هؤلاء الذين يشنعون على أهل السنة والجماعة: من أن القول بمخلوقات لا أول لها باعتبار النوع، يلزم منه قدم العالم. يقال: هذا قول باطل. لأن أهل السنة والجماعة يقولون: بأنها محدثة. أن هذه المخلوقات ممكنة. وأن كل ما سوى الله جل وعلا، فإنه مخلوق وجد بعد أن لم يكن؛ باعتبار أفراد هذه المخلوقات. ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بعدم. لكن هل نستطيع أن نقول: أن ثم مدة أو زمن أو بداية لهذه المخلوقات هي أول؟ الجواب: أنه ما من زمن يفرض عقلا إلا ويفرض العقل أن يكون في زمان قبله. حتى ينتهي إلى الأول الذي ليس قبله شيء. إذا قال لنا إنسان في حق مخلوق: متى بدأ فعله؟ فعله هذا المخلوق مثلا زيد من الناس. نقول: من يوم أن ذب فيه الحياة. ولد خرج إلى الأرض مخلوقا حيا. لابد أن تحصل منه الأفعال: الحركة، البكاء، وما شابه ذلك. نقول: ابتداء حركته من اليوم الفلاني. من يوم ولادته. بل قد تكون من قبل ذلك: من يوم أن يتحرك في بطن أمه. إذن المخلوق؛ لأنه له أول، فأفعاله لها أول. لماذا؟ لأنه له أول. الرب جل وعلا سبحانه وتعالى: هل له مبدأ نستطيع أن يقول إنسانا وتصور متصورا ويقول هذا القول؟ أن له مبدأ. حتى نقول: أن مبدأ أفعاله سبحانه وتعالى من يوم كذا، من زمن كذا؟ الجواب: لا. لأنه هو الأول الذي ليس قبله شيء. وأفعاله أزلية بأزليته. أفعاله أزلية بأزليته لا أول لها. كذلك ما وجد من آثار من تلك الأفعال كذلك؛ باعتبار نوعها لا أول لها؛ لأنه تابع لمن؟ تابع لأفعال الأول الذي ليس قبله شيء. مع أننا نعتقد جزما، وهو اعتقاد أهل الإسلام قاطبة: أن كل ما سوى الله محدث مخلوق وجد بعد أن لم يكن. واضح. لكن هل نستطيع أن نقول: بأنه ثم مدة قبل هذه المدة لم يكن، ثم فعل في حق الله لم يكن فاعلا؟ الرب جل وعلا لم يكن فاعلا، ثم صار فاعلا؟ الجواب: لا نستطيع أن نقول هذا. بل ولا يجوز أن يقول إنسان هذا؛ لما يترتب على هذا القول من لوازم باطلة. قال: قالوا من الأدلة السمعية التي استدل بها على أن للمخلوقات بداية: هو حديث عمران بن حسين رضي الله عنه في البخاري. يعني هذه من الأدلة السمعية التي استدل بها من قال: بأن المخلوقات لها أول وبداية. حديث عمران بن حسين في البخاري: أنه قال: «إني عند النبي صلى الله عليه وسلم، أقبل قوم من بني تميم، فقال: أقبل البشرى يا بني تميم. قالوا: بشرتنا فأعطنا. فدخل ناس من أهل اليمن، فقال: أقبل البشرى يا أهل اليمن؛ إذ لم يقبلها بني تميم. قالوا: قبلنا. جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: كان الله، ولم يكن شيء قبله. وكان عرشه على الماء. ثم خلق السماوات والأرض. وكتب في الذكر كل شيء». قال: ثم أتاني رجل فقال: يا عمران. إلى آخر الحديث. قال: وفي الرواية الأخرى: «ولم يكن شيء غيره». طبقا أقرأ. رواه البخاري. المهم أن الحديث جاء بروايات. البخاري رواه كما مر معنا في شرح الطحاوية بلفظين. قال: الشاهد أنه كما ذكرنا أخيرا: قلنا أنظر الرسالة بعنوان شرح الصدور في السؤال عن أول هذا الأمر، لمنصور السماري. فقد جمع طرق هذا الحديث وتكلم على طرقه بما توصل إليه من العلم. قال: قبل الكلام على وجه الشاهد من الحديث، فضلا ولو قبل الكلام على وجه الشاهد من الحديث: نبين إشكالا وقع في الألفاظ في هذا الحديث. وهو قوله في لفظ: «ولم يكن شيء قبله». وفي رواية أخرى: «ومعه». أجاب عليه شيخ الإسلام في الفتاوى: أنه قال: «كان الله لم يكن شيء قبله». وقد روي «معه». وروي «غيره». والألفاظ الثلاثة في مجلس واحد. فسؤالهم وجوابه كان في ذلك المجلس. وعمران الذي روى الحديث لم يقم منه حين انقضى المجلس. بل قام لما أخبر بذهاب راحلته قبل فراغ المجلس. وهو المخبر بلفظ الرسول. فدل على أنه إنما قال أحد الألفاظ. فدل على أنه إنما قال أحد الألفاظ. والآخران رويا بالمعنى. قال: وحينئذ فالذي ثبت عنه لفظ «القبل». فإنه قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقول في دعائه: «أنت الأول فليس قبلك شيء. وأنت الآخر فليس بعدك شيء». الحديث. وهذا موافق. وهذا موافق ومفسر لقوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾. قال: الحاصل أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى رجح لفظ «القبل» على غيره. وذلك لأن الحديث كما ذكر: حيث عمران بن حسين. وحديث عمران بن حسين الراوي لهذا الحديث لم يكمل المجلس. كان حاضرا ثم انطلق حينما أخبر أن راحلته انفلتت. وهذا يدل على أنه ما سمع إلا لفظا واحدا. قال: إذا ما عدا هذا اللفظ الواحد، ليس من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما هو من تصرف بعض الرواة. فما هو اللفظ المحفوظ؟ ذكر أن اللفظ المحفوظ: «ولم يكن شيء قبله». واستشهد له بما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة في دعائه: «أنت الأول فليس قبلك شيء». قالوا: إذا ثبت في هذا الحديث لفظ «القبل». فقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله. واللفظان الآخران لم يثبت واحد منهما أبدا. وكان أكثر هذا الحديث إنما يرونه بلفظ «القبل». «كان الله ولا شيء قبله». مثل الحميدي والبغوي وابن الأثير وغيرهم. قال: وإذا كان إنما قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله». لم يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث. ولا لأول مخلوق. واضح. يعني إذا كان بلفظ «لم يكن شيء قبله». ولم يكن شيء قبله. لم يكن فيه تعرض لأول مخلوق. إذ لو قال مثلا: «ولم يكن شيء معه». يدل على أول مخلوق. أي لم يكن شيئا معه. وإذا قال: «ولم يكن شيء غيره». يدل كذلك على معنى «معه». بخلاف «قبله». لا يدل على أن ثم أول مخلوق. على أنه كما تقدم: معنى أن لفظ «مع» ولفظ «غير» لا يتأتى مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وكان عرشه على الماء». «كان الله ولم يكن شيء على اللفظ غير». أو على لفظ «مع». «ولم» يعني «كان الله ولم يكن شيء غيره». «وكان عرشه على الماء». لأن قوله: «وكان عرشه على الماء». الواو إما أن تكون حالية. وإما أن تكون عاطفة. وعلى كلا الأمرين: يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أخبرهم بما أخبرهم من بدء خلق هذا العالم. أي السماوات والأرض. وأمر القلم بالكتابة. أخبرهم أنهم في هذه الحالة: ثم مخلوق. أو ثم مخلوقات. ما هي هذه المخلوقات؟ العرش والماء. فقول: «وكان عرشه على الماء». يدل على أن حين إخباره بهذه الإخبارات: كان عرشه على الماء. ففي إثبات مخلوقات قبل خلق هذا العالم. واضح. ما هي هذه المخلوقات؟ العرش والماء. بنص هذا الحديث. واضح. ومن غير هذا الحديث أيضا: فيه دلالة على مخلوقات أخرى. واضح. قال: إذن لفظ الحديث من حيث المعنى: لا يتأتى إلا على لفظ «قبله». من حيث المعنى. ومن حيث سياق الحديث نفسه. قال: وقال رحمه الله: تنبيه. قال الحافظ في الفتح: تنبيه. الوقع في بعض الكتب في هذا الحديث: «كان الله ولا شيء معه». وهو الآن على ما كان. وهذه الزيادة ليست في شيء من كتب الحديث. نبه على ذلك العلامة تقي الدين ابن تيمية. قال: ويقال لهم كذلك: إن الله لم يزل قادرا مريدا عالما حيا. وهذه الأربع صفات ذاتية له. وليس يحتاج الفاعل في كونه فاعلا إلى غير هذه الأربع؛ فهي التي بها تمام الفعل؛ لأنها أركانه التي لا يتحقق بدونها. وإذا كان ذلك، فلماذا نؤخر فعله سبحانه عن وجود الموجب التام لجميع أركانه؟ فإن قلتم: تأخر الفعل؛ لأنه كان ممتنعا في الأزل. وإن كذبتم: بل لم يزل الفعل ممكنا؛ إذ لو كان ممتنعا في الأزل، لم يقبل الوجود فيما لا يزال؛ لأن الممتنع لا ينقلب ممكنا. قال: فإذا علم هذا وتهافتت حجج القوم العقلية والنقلية والتي ظنوها أن حجج لهم. فإذا هي حجج عليهم. فليعلم من ذهب إلى هذا القول. أي القول بتسلسل الحوادث والآثار والمفعولات. قال ابن عبد البر رحمه الله في جامع بيان العلم وفضله: «والذي عليه جماعة أهل السنة: أنه لم يزل بصفاته وأسمائه. ليس لأولية ابتداء. ولا لآخرية انقضاء. وهو على العرش استوى». قال الشيخ الغنيمان في شرحه على كتاب التوحيد: «لما كان شيخ الإسلام يقرر هذا. وهو أن الله لم يزل فاعلا لما يريد. ويريد. ويرد على من يقول: المعنى كان الله ولا شيء معه. أي لا مخلوق ولا فعل ولا مفعول. ثم صار يخلق ويفعل بعد أن لم يكن يفعل ويخلق. وهذا هو قول الجهمية والمعتزلة». لما كان يقرر ذلك ويرد قول الجهمية والمعتزلة. ظن كثير ممن لم يفهم مراده. ولم يعرف مذهب أهل السنة في هذه المسألة. ظن أنه يقول بقدم العالم؛ لأنه يقول بحوادث لا أول لها. لأنهم يسمون أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بإرادته حوادث. وما علم هؤلاء: أن لازم قولهم: أشنع وأفحش. وهو أن الرب تعالى كان معطلا عن الفعل. ثم صار فاعلا لأفعاله بعد أن لم يكن كذلك. مع أن ما قاله شيخ الإسلام: هو مذهب السلف. مثل الإمام أحمد، والداودي، والبخاري، وغيرهم. قال الإمام أحمد في رده على الجهمية: «فلما ظهرت عليه الحجة. قال: إن الله يتكلم. ولكن كلامه مخلوق. قلنا: وكذا بنو آدم كلامهم مخلوق. فقد شبهتهم». انتهى.

شاركنا على