الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 30، ألقاها
يناقش الشارح آراء المعتزلة والجهمية حول صفات الله تعالى ويبين بطلان قولهم وتناقضه. كما يرد على ابن كلاب والأشعري في آرائهم حول هذه الصفات.
يشرح اعتقاد أهل السنة والجماعة في كلام الله تعالى ويبين آراء الجهمية حول صفات الله. كما ينتقد آراء الجهمية الذين نفوا صفات الله تعالى.
أهل السنة والجماعة يردون على الجهمية ويبينون فساد قولهم بامتناع الحوادث مستدلين بحدوث العالم وإمكان قدرة الله. الجهمية يحاولون التخلص من هذا الرد لكن أهل السنة يبينون تناقض قولهم.
يتم تعريف الممتنع الذاتي ويشار إلى رفض الخوض في تفاصيل هذا الموضوع حاليا مع الإشارة إلى تناوله لاحقا. يشير إلى أن الله تعالى أعلى وأعلم.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: والشيخ رحمه الله أشار بقوله «ما زال بصفاته قديما قبل خلقه» إلى آخر كلامه إلى الرد على المعتزلة والجهمية ومن وافقهم من الشيعة، فإنهم قالوا: إنه تعالى صار قادرا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرا عليه؛ لكونه صار الفعل والكلام ممكنا بعد أن كان ممتنعا، وإنه قلب من الامتناع الذاتي إلى الامكان الذاتي. وعلى ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما، فإنهم قالوا: إن الفعل صار ممكنا له بعد أن كان ممتنعا منه. وأما الكلام عندهم فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة، بل هو شيء واحد لازم لذاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قول الشيخ رحمه الله تعالى: «ما زال بصفاته قديما قبل خلقي» إلى آخر كلامه، تقدم التعليق على هذه الفقرة في الدرس الماضي، وإنما أعدنا قراءة فيها لترابطها، أو لترابط كلام بعضه ببعض. وتقدم معنا في الدرس الماضي أن قولهم -أي قول الجهمية ومن سار على سيرهم- قولهم بأن الله تعالى صار قادرا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرا عليه؛ هذا مبناه على ما ذهبوا إليه من تعطيل الله جل وعلا عما يستحقه من الصفات، وعلى زعمهم أنه لو اتصف الله جل وعلا بالصفات لنزم تعدد القدماء. فذهبوا إلى هذا القول الباطل البين البطالن؛ إذا قالوا وعللوا، فقالوا: لكونه صار قادرا على الفعل والكلام بعد أن لم يكن قادرا. ومعنى قولهم «بعد أن لم يكن قادرا» هذا واضح؛ أن فيه تنقصا في حق الله جل وعلا، إذ لو لم يكن قادرا، لازم من هذا أنه كان فترة من الزمن عاجزا؛ لأن من ليس بقادر فهو عاجز. فيعني ذهبوا إلى هذا القول، وصار من لوازم قولهم هذا الباطل. ثم قالوا: لكونه صار الفعل والكلام ممكنا بعد أن كان ممتنعا. وما بني على فاسد فهو فاسد. فهم يقولون: بعد أن قرروا وقعدوا ما قعدوا، قالوا: لكونه صار الفعل -أي في حق الله جل وعلا- والكلام -أي في حق الله جل وعلا- ممكنا بعد أن كان ممتنعا؛ لماذا كان ممتنعا؟ لما تقدم من أنهم لو أثبتوا لله جل وعلا صفات قديمة، للازم أن تكون هذه الصفات قديمة مع الله، فيلزم منهم تعدد القدماء. قالوا: وهذا هو عين الشرك، لذا قالوا: كان ممتنعا الفعل في حق الله، كان ممتنعا، ثم صار ممكنا. لكن هل ذلك الفعل الذي كان ثم صار ممكنا، هل هو صفة لله جل وعلا؟ الجواب: أنه ليس من صفات الله جل وعلا؛ لماذا؟ لما قعدوه، وهو أن ما كان بعد أن لم يكن فهو حادث. بمعنى أن ما سبق بالعدم فهو مخلوق، فلا يقال في صفات الله جل وعلا بأن هذه من صفات الله؛ لأنها مخلوقة. ولو قيل بأنها من صفات الله، للزم على قولهم أن تكون الحوادث في ذات الله جل وعلا، ومن كانت بذاته الحوادث، فيلزم أن يكون حادثا. قالوا: إذن، يستحال أن نثبت هذه الحوادث بأنها صفات لله رب العالمين، فماذا إذن؟ قالوا: نقول بأن هذه الصفات مخلوقة، فعل الله جل وعلا كله مخلوق؛ لأنه حدث بعد أن لم يكن، نزوله، استواءه، كلامه، مجيئه، إرادته، خلقه، إلى غير ذلك من الأفعال؛ سواء كانت اللازمة أو كانت المتعدية، كلها حادثة -أي مخلوقة-. ثم انظروا إلى التعليل الفاسد الباطل، قالوا: لكونه صار الفعل والكلام ممكنا؛ صار الفعل -أي فعل الله جل وعلا- والكلام -أي كلام الله جل وعلا- صار ممكنا بعد أن كان ممتنعا؛ بمعنى كان ممتنعا، والامتناع ها هنا ماذا؟ قال: وإنه انقلب من الامتناع الذاتي، والامتناع الذاتي هو الذي لا يمكن وجوده أبدا. قالوا: ثم انقلب إلى الامكان الذاتي، والامكان الذاتي هو الذي يمكن وجوده وعدمه. والمتأمل في هذا المعنى يرى بوضوح ما وقع فيه هؤلاء من التناقض؛ فحقيقة قولهم أن يقولوا: إن كلام الله جل وعلا وفعل الله جل وعلا كان ممتنعا أو هو ممتنع لذاته، هو ممكن لذاته. وهذا جمع بين النقيضين؛ إذ ما كان ممتنعا لذاته فإنه لا يمكن وجوده، وما كان ممكنا لذاته فإنه لا يمتنع أبدا. فقولهم: إنه كان ممتنعا لذاته ثم صار ممكنا لذاته، كأنهم يقولون: أن الشيء الواحد ممتنع لذاته ممكن لذاته، وهذا جمع بين النقيضين. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، وهذا منه. قال رحمه الله: وعلى ابن كلاب كذلك -أي هذا رد على ابن كلاب والأشعر ومن وافقهما- فإنهم قالوا: إن الفعل صار ممكنا بعد أن كان ممتنعا منه. وأما الكلام عندهم فلا يدخل تحت المشيئة والقدرة، بل هو شيء واحد اللازم لذاته. كما تقدم معنا في الدرس الماضي أن الأشاعرة والكلابية سلموا للجهمية والمعتزلة في أفعال الله جل وعلا؛ سواء كانت المتعدية أو كانت اللازمة، وإنما استثنوا صفة الكلام؛ استثنوا صفة الكلام، فقالوا: بأنها ليست بحادثة، بل هي أزلية؛ لما علموا من تضافر الأدلة وكلام الأئمة في أن من قال بأن القرآن مخلوق فهو كافر. إذن استثنوا الكلام لأجل هذا المعنى، فقالوا: الكلام ليس بحادث، بل هو صفة أزلية لله، لكن جعلوه من صفات الله جل وعلا الذاتية، ولم يجعلوا هذه الصفة كما جعلها أهل السنة والجماعة من الصفات الفعلية التي يفعلها الله متى شاء كيف شاء. فأهل السنة والجماعة يقولون في كلام الله جل وعلا: بأنه باعتبار نوعه هو قديم أزل، وباعتبار أحده وأفراده هو حادث -أي يفعله الله جل وعلا متى شاء كيف شاء- فيكلم من شاء بما شاء كيف شاء سبحانه وتعالى. كلم ربنا جل وعلا الملائكة قبل خلق آدم، ثم بعد خلق آدم كلم آدم، ثم أمر الملائكة بالسجود، ثم كذلك كلم من شاء من خلقه. وهذا يدل على أنه يتكلم متى شاء مع من شاء كيف شاء سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: وأصل هذا الكلام من الجهمية، فإنهم قالوا: إن دوام الحوادث ممتنع، وإنه يجب أن يكون للحوادث مبتدأ، وإنه يجب أن يكون للحوادث مبدأ؛ لامتناع حوادث لا أول لها. فالجهمية كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: هم أول من تكلم في هذا الباب -أي في مسألة صفات الله جل وعلا- وفي إن كان كذلك كلام الله جل وعلا. فكان من هذا الأمر أن ذهبوا إلى هذه المسألة؛ لأجل أن يتوصلوا إلى بدعتهم الشنعاء الباطلة في نفي ما أثبته الله جل وعلا لنفسه من الأسماء والصفات. قالوا: إن دوام الحوادث ممتنع، قالوا: وإنه يجب أن يكون للحوادث مبدأ؛ لامتناع حوادث لا أول لها. وكلامهم كما ترون فيه إطلاق؛ كلامهم كما ترون فيه ماذا؟ إطلاقهم يقول: إن دوام الحوادث ممتنع؛ باعتبار ماذا؟ باعتبار الحوادث، باعتبار أفرادها ونوعها كذلك. وأنه يجب أن يكون للحوادث مبدأ كذلك؛ باعتبار أفرادها ونوعها، قول امتناع حوادث لا أول لها كذلك؛ باعتبار نوعها وأفرادها، فهم لا يميزون ولا يفرقون بين الأفراد والنوع. فالجنس هو مجموعة الأنواع، والنوع هو مجموع الأفراد، والأفراد هو ماذا؟ أحد الفعل أو أحد المخلوقات. فمثلا: زيد وعمر ومحمد هؤلاء أفراد، هؤلاء ماذا؟ أفراد، زيد فرد وعمر فرد ومحمد فرد. فإذا قلنا: بنو آدم، هؤلاء أيش؟ نوع؛ لأنهم مجموعة أفراد، فإذا قلنا: المخلوقات، هيا جنس؛ لأنها مجموعة أنواع، فالنوع يدخل فيه الأفراد، بنو آدم يدخل فيه ذكورا وإناثا، وبنو آدم مع الحيوانات مع الأشجار مع ما خلقه الله جل وعلا من المخلوقات، سمى ماذا؟ مخلوقات. فجنس المخلوقات جنس، أفراد أو نوع، الإنسان نوع، الحيوان نوع، الأشجار نوع، هل تسمى ماذا؟ أنواعا؟ ويدخل تحت هذه أنواع ماذا؟ أفراد. ومعلوم أن الفرد له من الحكم ما ليس للنوع، ما ليس لي النوع. فمثلا عند أهل السنة والجماعة للتوضيح، مثلا باعتبار صفات الله جل وعلا، باعتبار صفات الكلام، صفات الله جل وعلا صفة الكلام، أحد الكلام وأفراد الكلام، هل حكمه كحكم نوعه؟ هيا، أفراد الكلام حادثة بعد أن لم تكن، أما نوع الكلام ماذا؟ أزلي. فإذا فرق بين الفرد وما النوع، وكذلك مثال آخر، خلق الله جل وعلا، خلق الله جل وعلا، أي صفة الخلق لله جل وعلا، باعتبار الأفراد، خلق زيدا، خلق عمرا، خلق شجرا، خلق ما خلق سبحانه وتعالى، باعتبار هذه الأفراد، هذه أفعال تعتبر من الصفات ماذا؟ فعلية، حادثة. لكن نوع الخلق صفة ماذا؟ صفة أزلية ذاتية لله جل وعلا. ففرق بين الفرد والنوع، مثال ثالث في إرادة الله جل وعلا، الله جل وعلا إذا أراد شيئا يقول له ماذا؟ كن فيكون. مثلا أراد الله جل وعلا منا أن نتكلم، أراد الله منا أن نمشي، أن نأكل، أن نفعل ما شاء أن نفعل، هذه أفراد ماذا؟ الفعل، هذه أفراد الفعل، صفة ماذا؟ فعلية. لكن نوع الإرادة حادث أو أزلي؟ هيا أزلي. ففرق بين الفرد وما النوع، ولكن القوم لم يفرقوا بين هذا وذاك، لم يفرقوا بين هذا وذاك، فقالوا ما قالوا. فلذا قال: «لامتناع حوادث لا أول لها»؛ باعتبار الفرد والنوع، قالوا: فيمتنع أن يكون الباري عز وجل لم يزل فاعلا متكلما بمشيئته. يقولون: يمتنع أن يكون الباري لم يزل فاعلا متكلما بمشيئته؛ أي امتناع مخلوقات، يعني الآن يقول: فيمتنع أن يكون الباري عز وجل لم يزل فاعلا متكلما بمشيئته؛ أي لامتناع مخلوقات لا أول لها. قال: «فإنه قال: بل يمتنع أن يكون قادرا على ذلك»؛ يعني قالوا: فيمتنع أن يكون الباري عز وجل لم يزل فاعلا متكلما بمشيئته، يمتنع؛ لماذا؟ يمتنع؛ لأن من كان فاعلا -أي كان يفعل شيئا بعد شيء- فهو ماذا؟ فهو حادث. والله جل وعلا عندهم لا يتصف بصفة الحدوث، قالوا: «بل يمتنع أن يكون قادرا على ذلك»؛ يمتنع أن يكون قادرا على ذلك؛ لماذا؟ قال: «لأن القدر على الممتنع ممتنع»؛ واضح. قال الإمام ابن أبي العز: «قال: وهذا فاسد»؛ أي هذا القول من هؤلاء الجهمية فاسد؛ بني على فاسد فهو ماذا؟ فهو فاسد. قال رحمه الله: «فإنه يدل على امتناع حدوث العالم، وهو حادث»؛ قولهم لامتناع حوادث لا أول لها، فيمتنع أن يكون الله فاعلا، ويمتنع أن يكون الله جل وعلا قادرا. يقول: يلزم من هذا القول يلزم من هذا القول أن يكون العالم ماذا؟ أن يكون العالم موجودا أو معدوما. والحس والواقع ما هو؟ العالم ماذا؟ موجود. قال: «فإنه يدل على امتناع حدوث العالم، وهو حادث»؛ أي وهو ممكن، وهو حادث؛ أي ممكن. قال: «والحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثا فلابد أن يكون ممكنا»؛ فلابد أن يكون ممكنا، إذن ليس بممتنع كما زعم أولئك. فإذا كان ليس ممتنعا كما زعم أولئك، فهل قدرة الله جل وعلا على الممكن ممكن أم لا؟ هيا، هل قدرة الله جل وعلا على إيجاد الممكن ممكن أم لا؟ غير ممكن. هم قالوا: يمتنع امتناع قدرة الله جل وعلا؛ لماذا؟ لأنها متعلقة بماذا؟ بالممتنع، والمتعلق بالممتنع ممتنع. طيب الآن ذهب أهل السنة والجماعة وبيّن أهل السنة والجماعة فساد قولهم بامتناع الحوادث؛ من أين؟ بالعالم بحدوث العالم. قال: «فحدوث العالم يدل على ماذا؟ على أنه ليس بممتنع، بل هو ممكن»؛ وما كان ممكنا يدل على ماذا؟ على أن القدرة التي أوجدته ممكنة أو ممتنعة؟ ممكنة؛ لأن ما تعلق بممكن فهو ماذا؟ فهو ممكن. وما تعلق بالممتنع فهو ماذا؟ فهو ممتنع. وقدرة الله جل وعلا تتعلق بماذا؟ بالممكنات؛ إيجادا أو إعداما. ولا تتعلق بالمستحيلات؛ لماذا؟ لأن المستحيلات يستحال وجودها، ولا تتعلق كذلك بالواجبات؛ لأن الواجبات يستحال ماذا؟ انعدامها. فإذا قدرة الله جل وعلا متعلقها أو متعلقة بماذا؟ متعلقة بالممكنات، وقد ثبت عندنا بالحس والشاهد أن العالم محدث موجود، فكونه محدث موجود يدل على ماذا؟ يدل على إمكانه، على أن الله جل وعلا أوجده بقدرته وفعله. إذن ما ذهبوا من أن حوادث لا أول لها ممتنع، فهذا باطل فاسد. وسيأتي بيان ذلك بأوضح من ذلك. قال رحمه الله: «وهذا فاسد؛ فإنه يدل على امتناع حدوث العالم، وهو حادث». قال: «والحادث إذا حدث بعد أن لم يكن محدثا فلابد أن يكون ممكنا»؛ إلى ها هنا واضح. ثم قال: «والإمكان ليس له وقت محدود»؛ ليس له وقت محدود؛ لماذا؟ قال: «وما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت فيه»؛ واضح. قال: «وليس لإمكان الفعل وجوازه وصحته مبدأ ينتهي إليه»؛ لماذا؟ لأن منتهاه إلى ماذا؟ إلى الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الله جل وعلا الأول الذي ليس قبله شيء. فالأوليات منتهاها إلى الأول الذي ليس قبله شيء، والآخريات منتهاها إلى الآخر الذي ليس بعده شيء. فكما أن الله جل وعلا هو الأول الآخر الذي ليس بعده شيء، هو كذلك الأول الذي ليس قبله شيء. قال: «فيجب أنه لم يزل الفعل ممكنا جائزا صحيحا»؛ لماذا؟ لأن ما من وقت إلا والإمكان فيه ماذا؟ قائم. قال: «فيلزم أنه لم يزل الرب قادرا عليه»؛ فيلزم أنه لم يزل الرب قادرا عليه؛ فيه رد على من؟ على الجهمية القائلين بالامتناع. قال: «فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها»؛ أي باعتبار نوعها، وإلا فأن أفرادها كما هو معلوم ما من فرد إلا وهو مسبوق بماذا؟ مسبوق بالعدم. فقوله رحمه الله: «فيلزم جواز حوادث لا نهاية لأولها»؛ أي باعتبار ما لا باعتبار نوعها، وإلا فالأفراد ما من فرد إلا وهو مسبوق بماذا؟ مسبوق بعدم ومسبوق بغيره. قالت الجهمية ومن وافقهم: «نحن لا نسلم أن إمكان الحوادث لا بداية له»؛ لكن نقول: «إن كان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له»؛ وذلك لأن الحوادث عندنا تمتنع أن تكون قديمة النوع، بل يجب حدوث نوعها ويمتنع قدم نوعها، لكن لا يجب الحدوث بوقت بعينه. قال رحمه الله: وهذا من التخليط، ومن التخبط الذي وقع فيه هؤلاء؛ بسبب أنهم لم يسلكوا الطريق الصحيح القويم المستقيم الذي أراده الله جل وعلا، والذي كان عليه سلف هذه الأمة. فقالوا: «نحن لا نسلم أن إمكان الحوادث لا بداية له»؛ مع أن البرهان واضح جلي، لا البرهان الذي ذكره أهل السنة والجماعة واضح جلي، ومع هذا عاندوا وكابروا. فقالوا: «لا نسلم بهذا الأمر»؛ لماذا؟ قالوا: «لكن نقول: إمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له»؛ يعني تصوروا معي هذه العبارة: يقولون: «إمكان الحوادث بشرط كونها مسبوقة بالعدم لا بداية له». شيء ممكن، هذا أو ليس بممكن؟ شيء مسبوق بعدم، هل ليس له بداية أم له بداية؟ له بداية. وهؤلاء يقولون: هذا ليس له بداية. فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في «منهاج السنة»: «ومضمونه أن ما له بداية ليس له بداية»؛ وضح. قال: «فإن المشروط بسبق العدم له بداية»؛ وإن قدر أنه لا بداية له، كان جمعا بين النقيضين؛ لأن حقيقة قولهم أن يقولوا: لها بداية، ليس لها بداية. فقال رحمه الله: «فيقال لهم: هب أنكم تقولون ذلك، لكن يقال: إمكان جنس الحوادث عندكم له بداية»؛ فإنه صار جنس الحوادث عندكم ممكنا بعد أن لم يكن ممكنا؛ أي أن أصله كان ماذا؟ ممتنعا لذاته، ثم صار ممكنا لذاته. قال: «وليس لهذا الإمكان وقت معين»؛ بل ما من وقت يفرضه العقل إلا والإمكان ثابت قبله؛ واضح. قال: «فيلزم دوام الإمكان»؛ فيلزم دوام الإمكان؛ في الشيء الذي قالوا بأنه ممتنع لذاته. قال: «وإلا لزم انقلاب الجنس من الامتناع إلى الإمكان من غير حدوث شيء»؛ ومعلوم أن انقلاب حقيقة جنس الحوادث أو جنس الفعل أو جنس الإحداث أو ما أشبه هذا من العبارات من الامتناع إلى الإمكان -وهو مصير ذلك ممكنا جائزا بعد أن كان ممتنعا من غير سبب تجدد- وهذا ممتنع في صريح العقل. قال: «وهو أيضا انقلاب الجنس من الامتناع الذاتي إلى الامكان الذاتي»؛ فإن ذات جنس الحوادث عندهم تصير ممكنة بعد أن كانت ممتنعة. قال: «وهذا الانقلاب لا يختص بوقت معين»؛ فإنه ما من وقت يقدر إلا والإمكان ثابت قبله؛ فيلزم أنه لم يزل هذا الانقلاب ممكنا؛ أي كون الشيء الممتنع ذاتا ممكنا ذاتا دائما وأبدا. قال: «فيلزم أنه لم يزل الممتنع ممكنا»؛ وهذا أبلغ في الامتناع من قولنا: لم يزل الحادث ممكنا؛ أيهما أولى أن يقال: الحادث لم يزل ممكنا، أو يقال: الحادث لم يزل ممتنعا؟ الحادث لم يزل ممكنا؛ لأن هذا يوافق صريح المعقول، بل وصحيح المنقول. قال: «فقد لزمهم فيما فروا إليه أبلغ مما لزمهم فيما فروا منه»؛ وهو القول بالإمكان؛ فإنه يعقل كون الحادث ممكنا، ويعقل أن هذا الإمكان لم يزل. وأما كون الممتنع ممكنا، فهو ممتنع في نفسه؛ فكيف إذا قيل: لم يزل إمكان هذا الممتنع؟ أن هذا الممتنع ما زال ممكنا دائما وأبدا؟ قال: «وهذا موصوط في موضعه». والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.