التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 53

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 53، ألقاها

تعريف الكلام والقول عند أهل السنة والجماعة والمبتدعة

يتناول تعريف الكلام والقول عند أهل السنة والجماعة والمبتدعة، حيث يرى أهل السنة أن الكلام يشمل اللفظ والمعنى معًا. يشرح آراء السلف والمتكلمين في هذه المسألة ويبين الحق الذي دلت عليه النصوص الشرعية والعقل.

انتقاد الاستدلال بالبيت الشعري على الكلام النفساني وبيان الحق

يناقش ضعف الاستدلال بالبيت الشعري المنسوب للأخطل على أن الكلام في القلب، ويبين أن هذا الاستدلال باطل. يعرض أدلة من السنة النبوية وإجماع الأمة على أن الكلام الحقيقي هو ما يتلفظ به اللسان.

تعريف الكلام ومسألة خلق القرآن وتفصيل في كلام الله

يناقش تعريف الكلام وفرق بين الكلام النطقي والكلام النفسي، ويبين خطر القول بخلق القرآن. يستدل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ويشرح أهمية اللغة العربية في قراءة القرآن.

تفصيل في كلام الله وصفاته وفرق كلامه عن كلام البشر

يناقش تفاصيل كلام الله وصفاته، ويبرز الفرق بين كلام الله وكلام البشر. يشير إلى أن القرآن كلام الله حقيقة وليس من كلام البشر، ويوضح أن إعجاز القرآن يكون من حيث نظمه ومعناه.

تفسير الحروف المقطعة في أوائل السور القرآنية

يفسر معنى الحروف المقطعة في بداية السور القرآنية، ويشير إلى أن إحدى التفسيرات المحتملة هي أن الله أراد أن يخاطب العرب بلغتهم. يذكر أن بعض السلف فسروا الحروف المقطعة على أنها تحدي للعرب لإتيان بسورة أو آية مثل القرآن.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم على الشارح رحمه الله تعالى، وللناس في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال: أحدها أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا، كما يتناول لفظ الإنسان الروح والبدن معه، وهذا قول السلف. الثاني: أنه اسم للفظ فقط، والمعنى ليس جزء مسمى، بل هو مدلول مسمى، وهذا قول جماعة من المعتزلة وغيرهم. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ذكر الشارح رحمه الله تعالى هنا مسألة، وهي من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم من المبتدعة. فذكر في مسمى الكلام وكذا القول: أن الكلام والقول يطلق على ماذا؟ قال رحمه الله: للناس أربعة أقوال: أحدها أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا، أي أنه إذا قلنا الكلام أو إذا قلنا القول، فإنه يتضمن اللفظ ويتضمن كذلك المعنى. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة، ودل عليه كذلك لغة العرب، وما أجمع عليه السلف من الأمة. وكذلك يدل عليه العقل الصحيح؛ لأنه لا يتصور لفظ دون معنى، أو معنى دون لفظ. لهذا لا يتصور إلا عند من قد ابتلي بما ابتلي به من علم الكلام. فقال ما قال. وإلا إذا رأينا إلى حقيقة هذه المسألة، ونظرنا إلى معناها، لما تصورها الإنسان كيف يكون لفظ من غير معنى؟ لأن اللفظ إذا كان من غير معنى، هل يصدر من عاقل؟ الجماعة ما يصدر من إنسان عاقل، من إنسان يعقل. ما يخرج من رأسه. بل كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى: في الإنسان إذا فعل شيئًا عجيبًا غريبًا، قال: فلان لا يدري ما يخرج من رأسه، على سبيل الذم والقدح في ما قال. فما ظنكم بمن يقول: بأن كلام الله كذلك؟ هيا جماعة، ما ظنكم بمن يقول في كلام الله جل وعلا كذلك: أنه إنما هو لفظ من غير معنى، أو العكس: معنى من غير لفظ، كما سيأتي ذكره؟ فالحاصل أن الحق الذي لا مرية فيه ولا اختلاف بين أهل الحق: أن الكلام والقول هو ما تضمن اللفظ والمعنى. وكما مر معنا ما ذكره الإمام ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته، إذ يقول: «كلامنا لفظ مفيد كاستقم». كلامنا أي كلام أهل العربية، لفظ فهو لفظ، ومفيد أي لفظ ذو معنى. ثم مثل فقال: «كاستقم»، استقم لفظ له معنى واضح. فهذا هو الكلام الذي عليه أهل العربية ممن هم على الفطرة وعلى السلامة. قال رحمه الله تعالى: الثاني: اسم للفظ فقط، والمعنى ليس جزء مسمى، بل هو مدلول مسمى. معناه أن اللفظ يدل على المعنى، لا أن الكلام مجموع اللفظ والمعنى. اللفظ إنما هو يبين ويدل على المعنى. وعلى هذا: معناه أن اللفظ هو حقيقة الكلام، والمعنى ليس هو من الكلام. وإذا أطلق عليه كلام، فإنما يطلق عليه مجازًا. قال رحمه الله: الثالث: أنه اسم للمعنى فقط، وإطلاقه على اللفظ مجاز؛ لأنه ذهب عليه. وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه من الأشاعرة والماتورودية، ومن كان على شاكلتهم ممن يقول: بأن كلام الله جل وعلا نفساني، وأن ما في المصحف إنما هو عبارة أو حكاية عن كلام الله. الأشاعرة يقولون: عبارة، والكلابية يقولون: حكاية عن كلام الله. فإذا ما في القرآن، وإن أطلق عليه بأنه كلام الله، ولكن كلام الله مجازًا. وكلام الله الحقيقي هو المعنى. قال رحمه الله: الرابع: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى. وهذا قول بعض المتأخرين من الكلابية. ومعنى كونه مشتركًا: أي أن اللفظ يطلق على الكلام، أي على اللفظ، والكلام يطلق على الكلام الذي هو القول، أو الكلام يطلق على اللفظ، ويطلق كذلك على المعنى، من باب الاشتراك. ولا يطلق عليهما معًا. أي: ليس هو مجموع اللفظ والمعنى، ولكن هو من باب الاشتراك. كقولنا في العين: أنها للعين الباصرة، ولعين الماء، وللعين الذي هو الذهب، وما شابه ذلك. يقال فيها: بالاشتراك اللفظ، على سبيل البدلية. فقولهم: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى، كما سمعتم: أي يطلق عليه باعتبار الاشتراك. اللفظ أي يقال: اللفظ كلام، والمعنى كلام. لكن هل الكلام هو مجموعة اللفظ والمعنى؟ لا. ففرق بين قول أهل السنة والجماعة: بأنه مجموعة اللفظ والمعنى، وبين قول هؤلاء من الكلابية: أنه مشترك بين اللفظ والمعنى، أي أنه يقال على اللفظ والمعنى بأنه كلام، باعتبار الاشتراك، أو باعتبار المشترك اللفظي. قال رحمه الله: ولهم قول خامس يروى عن أبي الحسن: أنه مجاز في كلام الله، حقيقة في كلام الآدميين؛ لأن حروف الآدميين تقوم بهم، فلا يكون الكلام قائمًا بغير المتكلم، بخلاف كلام الله؛ فإنه لا يقوم عنده بالله، فيمتنع أن يكون كلامه. وهذا مبسوط في موضعه. وهذا الأخير هو خروج من التعمية والتلبيس والتدليس إلى التوضيح والبيان؛ لأن حقيقة قول الأشاعرة: أن القرآن الذي بين أيدينا حقيقة أنه مخلوق، أو أنه من كلام الله حقيقة بأنه مخلوق. لذا قال هنا: أنه مجاز في كلام الله، وحقيقة في كلام الآدميين. ومعنى مجاز في كلام الله: المجاز ما يصح نفيه. إذن ليس هو من كلام الله، فهو مخلوق. فإذن هذا القول فيه تصريح لمذهب الأشاعرة. والقول الأول كان فيه نوع من التعمية. على أن القول الأول أخف من هذا القول؛ لماذا؟ أخف؛ لأن القول الأول جعلوا القول الأول: يعني القول الأول عكس هذا القول تمامًا. لماذا هو عكسه؟ لأن القول الأول: قول هو كلام الله، القرآن كلام الله باعتبار معناه النفساني، فهو حقيقة باعتبار القائم بذات الله عز وجل، ومجاز باعتبار ما في أيدينا. وها هنا عكسه، قالوا: الذي في أيدينا هو كلام من تكلم به حقيقة، أي ليس من كلام الله. والذي هو الكلام النفساني أيضًا، وإن أضيف إلى الله جل وعلا، فإضافته إلى الله عز وجل: إضافة مجازية، أي ليست بحقيقية. وهذا أقرب ما يكون إلى قول جهمية معتزلة. قال رحمه الله: وأما من قال: إنه معنى واحد، واستدل عليه بقول الأخطل: «إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا». وهذه شبه من شبه القوم. يعني شبه شبه من شبه المعتزلة، ثم بعدهم الأشاعرة، وكل من كذب ونفى الكلام عن الله عز وجل، وأن الله تكلم بحرف وصوت حقيقة. يقولون: بأن الكلام يطلق على ما في النفس، وإن لم يتلفظ به، وإن لم يتلفظ به. واستدلوا على هذا بهذا البيت: «إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا». الكلام أين؟ في الفؤاد، ليس ما نطق به اللسان بحرف وصوت، وإنما هو بالفؤاد. قالوا: وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا؛ اللسان إنما جعل دليلا على ما في الفؤاد، أي أن حقيقة الكلام في القلب نفساني، وإنما اللسان يعبر عن ما في القلب. يعني هذا كلام يسوي: أن كلام الله جل وعلا نفساني في نفسه، وما في أيدينا من كلام الله جل وعلا من القرآن، وما كلم الله جل وعلا به من شاء من خلق من ملائكة ورسل: يكون من الكلام الذي حقيقته ليس بكلام، وإنما هو عبارة عن كلام. عبارة عن كلام الله جل وعلا؛ لأنه تعبير عما في نفس الله جل وعلا. وهذا الاستدلال كما ذكر: فاسد، وسيأتي بيان فساده. قال رحمه الله: ولو استدل مستدل بحديث في الصحيحين، لقالوا: هذا خبر واحد، ويكون مما اتفق العلماء على تصديقه وتلقيه بالقبول والعمل به، فكيف وهذا البيت قد قيل: إنه موضوع، منسوب إلى الأخطل، وليس هو في ديوانه. قوله رحمه الله: ولو استدل مستدل بحديث في الصحيحين، لقالوا: أي لقال المعتزلة، ولقالت كذلك الأشاعرة: بأن هذا خبر آحاد، وخبر الآحاد لا يحتج به في باب العقائد. ولو كان الحديث في الصحيحين، وتلقته الأمة بالقبول، لما قبلوا هذا الحديث؛ لأنه خبر آحاد. بينما تراهم يستدلون ببيت شعري لرجل نصراني، والبيت مطعون فيه، أي في نسبة في نسبته إلى ذلك النصراني. فانظر إلى حال الأهواء، إلى حال أهل الأهواء: كيف يقبلون الباطل، ويردون الحق الواضح البين إذا خالف مذهبهم وخالف عقائدهم. قال رحمه الله: وقيل: إنما قال: «إن البيان لفي الفؤاد». وهذا أقرب إلى الصحة. يقول رحمه الله: وقيل: يعني أولًا قال: قد قيل: إنه موضوع. ما معنى موضوع؟ يوضع على الأخطل، وليس هو من كلام الأخطل. والأخطل رجل نصراني. قال: وقيل: بأن الصواب في البيت: أن الصواب في البيت «إن البيان لفي الفؤاد»، وليس «إن الكلام». وفرق بين القول: بأن البيان في الفؤاد، وإنما اللسان يعبر عن ما في القلب، وبين أن يقال: بأن الكلام في القلب، وإنما اللسان يعبر عن الكلام الذي في القلب. فلو صح لكان هذا هو الصحيح. كيف؟ ولم يصح. هذان وجهان. الوجه الثالث: قال رحمه الله: وعلى تقدير صحته عنه، فلا يجوز الاستدلال به؛ فإن النصارى قد ضلوا في معنى الكلام، وزعموا أن عيسى عليه السلام نفس كلمة الله، واتحد اللهوت بالناسوت. أي شيء من الإله بشيء من الناس. أفيستدل بقول نصراني قد ضل في معنى الكلام على معنى الكلام، ويترك ما يعلم من معنى الكلام في لغة العرب؟ وهذا وجه كذلك يبين بطلان قول هؤلاء. وهو أن نقول: لو صح هذا البيت، وثبت يقينًا إلى هذا الأخطل النصراني، فإن نقول: ليس بحجة؛ لماذا؟ ليس بحجة؛ لأنه نصراني، والنصارى قد ضلوا في باب كلام الله جل وعلا. وقالوا: بأن اللاهوت الذي هو الجزء الإلهي حل في الناسوت الذي هو الجزء الإنساني. أي: أن الكلمة حلت في عيسى. فعيسى مجموع من جزئين: روحاني رباني، وإنساني مخلوق. فلو نظرنا إلى هذا الأمر، وإلى القول النصارى، وإلى قول هؤلاء المعتزرة ومن تبعهم من الأشاعر في هذه المسألة: في أن كلام الله جل وعلا: إما أنه خلقه في محل، أو كما قالت هؤلاء الأشاعرة: بأن كلام الله جل وعلا باعتبار معناه: هو كلام الله، وباعتبار لفظه: هو كلام مخلوق. إذن واتحد المعنى باللفظ. فصار كلام الله باعتبار المعنى الذي هو الجزء الإلهي، واللفظ الذي هو الجزء الإنساني. فما أشبه القول بالقول. قال رحمه الله: وأيضًا فمعناه غير صحيح؛ إذ لازمه أن الأخرس يسمى متكلمًا؛ لقيام الكلام بقلبه، وإن لم ينطق به، ولم يسمع منه. وهذا كذلك يبين بطلان قول هؤلاء. الأخرس هل يقول أحد: بأن الأخرس متكلم يتكلم؟ الجواب: لا. وعلى قول هؤلاء: يلزم أن يقولوا: بأن الأخرس يتكلم؛ لأن الكلام عندهم أين يكون؟ في القلب. الكلام يكون في القلب. فإذا أشار إليهم الأخرس بإشارة، فهموا منها مرادهم: يكون هذا كلامًا على قول هؤلاء. قال رحمه الله: والكلام على ذلك مبسوط في موضعه. وإنما أشير إليه إشارة. قال رحمه الله: ويرد قول من قال: بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، قوله صلى الله عليه وسلم: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس». وقال: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة». واتفق العلماء على أن المصل إذا تكلم في الصلاة عامدًا لغير مصلحتها: بطلت صلاته. واتفقوا كلهم على أن ما يقوم في القلب من تصديق بأمور دنيوية، وطلب: لا يبطل الصلاة. وإنما يبطلها التكلم بذلك. فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام. إذن ثبت هاهنا عندنا بالسنة الصحيحة، وإجماع الأمة على أن من تكلم على أن الكلام النفساني: كما زعم هؤلاء أنه كلام النفساني، لا يسمى كلامًا حقيقة. وإلا للزم من هذا أن من حدث نفسه في الصلاة: أن يكون متكلمًا في الصلاة. ومن تكلم في الصلاة بغير إصلاح للصلاة: يكون ما لا تكون صلاته باطلة. فهذا دليل واضح على أن من تكلم كما يقول في نفسه: ليس بكلام. وأن الكلام النفساني ليس بكلام. وإنما يكون كلامًا إذا تلفظ به. قال رحمه الله: وأيضًا ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به». فقد أخبر أن الله عفى عن حديث النفس، إلا أن تتكلم. ففرق بين حديث النفس وبين الكلام. وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به. والمراد حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء. فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة؛ لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب. وهذا كما سمعتم: الحديث واضح صريح، وهو في الصحيحين. والحديث الذي قبله في سنن النسائي وغيره، وإسناده حسن كما قال علام الألباني. والذي قبله في مسلم. وشاهد في هذا الحديث الذي في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها»، ثم قال: «ما لم تتكلم به أو تعمل به». فقوله: «تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها» يدل على أن الكلام النفسي ليس بكلام. لأنه قال: «ما لم تتكلم به». ما حدث به أنفسها ما لم تتكلم به. إذن فرق بين الكلام الذي هو التلفظ بحروف وأصوات، وبين ما كان حديثًا في النفس. وما كان حديثًا في النفس: فلا يقال فيه بأنه كلام مطلقًا. لكلام العرب إذا كان لفظًا ومعنى، ولم يكن في مسمى الكلام نزاع بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان. وإنما حصل النزاع بين المتأخرين من علماء أهل البدع. ثم انتشر. أولًا الحديث الذي أشار إليه: أن معاذًا رضي الله عنه قال: «يا رسول الله وإن لم نؤاخذ بما تكلمت به ألسنتنا؟» الحديث صح هذا الحديث من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه في الصحيح المسند. شيخنا رحمه الله في المجلد الأول صفحة أربعمائة وستين. وفيه أن معاذًا رضي الله عنه قال: «وهل نؤاخذ بما تكلمت به ألسنتنا؟» فذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحديث. فلو جمعنا بين هذا الحديث أيضًا: «إنا لم نؤاخذ بما نتكلم به»، وبين الحديث الأول: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به». ظهر لنا بوضوح أن الكلام إنما ما كان باللسان. أن الكلام إنما ما كان باللسان ملفوظًا بحروف وأصوات، وله معان. وما لم يكن كذلك: أي كان في القلب، فإنه ليس بكلام. وكما ذكر: أن هذه المسألة كان الأئمة بل الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ثم تابعوهم على كلمة واحدة، على كلمة سواء: أن الكلام كلام الله جل وعلا. حتى ظهر الجعد بن درهم، فأظهر مقالته الباطلة: بأن الكلام مخلوق. ثم تتابع المبتدعة على هذه المسألة، وفرعوا عليها فروعًا. قال رحمه الله: ولا ريب أن مسمى الكلام والقول ونحوهما: ليس هو مما يحتاج فيه إلى قول شاعر؛ فإن هذا مما تكلم به الأولون والآخرون من أهل اللغة، وعرفوا معناه كما عرفوا مسمى الرأس واليد والرجل ونحو ذلك. أي: لا يحتاج إلى قول شاعر كما يستدل به ببيت الأخطل؛ لأن هذا أمر من الأمور المسلمة، الأمور البديهية. أن الكلام معروف كما أن الإنسان إذا قيل له: ما معنى الوجه؟ ما معنى اليد؟ لا يحتاج إلى أن يأتي ببيت شعري يقول: الوجه معنى كذا وكذا، أو اليد معناها كذا وكذا؛ لأن الكلام شيء معلوم معروف. قال رحمه الله: ولا شك أن من قال: إن كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى، وأن المتلو المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ: حكاية كلام الله، وهو مخلوق. لقد قال بخلق القرآن، وهو لا يشعر. إن الله يقول: «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله». أفتراه سبحانه وتعالى يشير إلى ما في نفسه، أو إلى المتلو المسموع؟ ولا شك أن الإشارة إنما هي إلى هذا المتلو المسموع؛ إذ ما في ذات الله غير مشار إليه، ولا منزل، ولا متلو، ولا مسموع. وهذا يدلنا على خطر القول: بأن القرآن عبارة أو حكاية عن كلام الله جل وعلا؛ لأن معناه أن كلام الله جل وعلا مخلوق. ومن قال: بأن كلام الله جل وعلا مخلوق، فهو كافر. قال رحمه الله: وقوله: «لا يأتون بمثله». أفتراه سبحانه يقول: «لا يأتون بمثل ما في نفسه مما لم يسمعوه ولم يعرفوه». وما في نفس الله عز وجل: لا حيلة إلى الوصول إليه، ولا إلى الوقوف عليه. يعني حينما تحدى الله جل وعلا العرب: تحدى مشركي العرب في القرآن، إذ قال لهم: قال الله عز وجل: «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله». هل يريد المعنى النفسي الذي في نفس الله جل وعلا الذي لا حيلة لهم إلى الوصول إليه، ولا يستطيعون الوصول إليه؟ فيكون التحدي بمحال على هذا القول؛ لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى ما في نفس الله. فكيف بعد هذا يقال: بأن الله تحدى بأن يأتوا بمثل القرآن الذي في نفسه؟ فدل هذا على أن التحدي إنما هو في القرآن المتلو المقروء المكتوب المحفوظ في الصدور. قال رحمه الله: فإن قالوا: إنما أشار إلى حكاية ما في نفسه، وعبارته وهو المتلو المكتوب المسموع. فأما أن يشير إلى ذاته فلا. فهذا صريح القول: بأن القرآن مخلوق. بل هم في ذلك أكثر من المعتزلة؛ إن حكاية الشيء بمثله وشبهه. وهذا تصريح بأن صفات الله محكية. ولو كانت هذه التلاوة حكاية لكان الناس قد أتوا بمثل كلام الله. فأين عجزهم؟ قال رحمه الله: ويكون التالي في زعمهم قد حكى بصوت وحرف ما ليس بصوت وحرف. وليس القرآن إلا سورًا مسورة، وآيات مسطرة في صحف مطهرة. قال تعالى: «فاتوا بعشر سور مثله مفتريات». بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون. في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة. ويكتب لمن قرأ بكل حرف منه عشر حسنات. قال صلى الله عليه وسلم: «أما إني لا أقول ألف لام ميم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». وهذا الحديث جاء من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه مرفوعًا وموقوفًا. ورجع الحفاظ إلى الوقف. إلا أنه مما يحتمل فيه الرفع. يكون من باب الموقوف الذي يحتمل الرفع. أي: أن يكون حكمه الرفع. والله تعالى أعلى وأعلم. وقد يحتمل احتمال أضعف: أنه من باب الاجتهاد. إلا أن التفصيل والتدقيق في قول: «لا أقول ألف لام ميم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف»: يدل على الاحتمال الأول. والله أعلى وأعلم. قال رحمه الله: وهو المحفوظ في صدور الحافظين، المسموع من ألسن التالين. قال الشيخ حافظ الدين النسفي رحمه الله في المنار: «إن القرآن اسم للنظم والمعنى». وكذا قال غيره من أهل الأصول. وما ينسب إلى أبي حنيفة رحمه الله: أن من قرأ في الصلاة بالفارسية أجزأه. فقد رجع عنه. وقال: لا يجوز القراءة مع القدرة بغير العربية. وقالوا: لو قرأ بغير العربية: إما أن يكون مجنونًا فيداوى، أو زنديقًا فيقتل؛ لأن الله تكلم به بهذه اللغة، والإعجاز حصل بنظمه ومعناه. وهذا يؤيد ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، ويبطل القول من خالف قول أهل السنة والجماعة. فكما أشار إشارة إلى أن أبا حنيفة - وهذا اشتهر عنه وعن أصحابه - أنه يقول للمصلي: أن يقرأ القرآن بغير اللغة العربية. وقيل: أنه رجع عن هذا القول. رجع عن هذا القول، وهو الحق. أي: أنه قال: رجع، أو لم يرجع. إذا لم يرجع فالقول باطل. وإذا رجع فالحمد لله رب العالمين. لذا كما سمعتم: أن الأئمة والعلماء قالوا: لو قرأ بغير العربية: إما أن يكون مجنونًا فيداوى، إنسان لا يعقل مجنون يهذي بما لا يدري. أو زنديقًا فيقتل. قال: لأن الله تكلم به بهذه اللغة، أي: العربية. والإعجاز حصل بنظمه ومعناه. فكيف يستطيع إنسان بغير اللغة العربية أن يأتي بمثل هذا القرآن؟ نقل بعض أهل العلم اتفاق الأئمة إلى أنه لا يجب ترجمة القرآن الترجمة الحرفية. أي: حرفًا حرفًا، وكلمة كلمة، ومعنى تلك الكلمة؛ لأن هذا مما لا يستطاع. ولكن يترجم باعتبار معانيه. باعتبار معانيه، لا باعتبار حروفه حرفًا حرفًا؛ لأن هذا لا يكون. قال رحمه الله: وقوله: «ومن سمعه وقال إنه كلام البشر فقد كفر». لا شك في تكفير من أنكر أن القرآن كلام الله. بل قال: إنه كلام محمد، أو غيره من الخلق: ملكًا كان أو بشرًا. وأما إذا أقر أنه كلام الله، ثم أول وحرف. فقد وافق قول من قال: «إن هذا إلا قول البشر» في بعض ما به كفر. وأولئك الذين استزل لهم الشيطان. وسيأتي الكلام عليه عند قول الشيخ: «ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله». إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله: وقوله: «ولا يشبه قول البشر». يعني أنه أشرف وأفصح وأصدق. قال تعالى: «ومن أصدق من الله حديثًا». وقال تعالى: «قل إن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله» الآية. وقال تعالى: «قل فأتوا بعشر سور مثله». وقال تعالى: «قل فأتوا بسورة مثله». فلما عجزوا وهم فصحاء العرب مع شدة العداوة عن الاتيان بسورة مثله: تبين صدق الرسول صلى الله عليه وسلم أنه من عند الله، وإعجازه من جهة نظمه ومعناه، لا من جهة أحدهما فقط. هذا مع أنه قرآن عربي غير ذي عوج بلسان عربي مبين. أي: باللغة العربية. فنفى المشابهة من حيث التكلم به، ومن حيث النظم والمعنى، لا من حيث الكلمات والحروف. أولًا في قوله في الفقرة الأولى: وقوله: «ومن سمعه وقال إنه كلام البشر فقد كفر». لا شك في تكفير من أنكر أن القرآن كلام الله، أي: من أنكر أن القرآن كلام الله رأسًا وأصلًا كما فعلت الجهمية، فهو كافر. وأما من قال: بأن القرآن كلام الله، ثم فعل ما فعل من التأويل والتحريف كما فعلت كل أبيه والأشاعرة. فالعلماء رحمهم الله تعالى يطلقون على هؤلاء بأنهم من أهل التأويل. فيتوقفون في تكفيرهم. وسيأتي بإذن الله جل وعلا إشارات إلى هذه المسألة. قال رحمه الله: ويرد قول من قال: بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، قوله صلى الله عليه وسلم: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس». وقال: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة». واتفق العلماء على أن المصل إذا تكلم في الصلاة عامدًا لغير مصلحتها بطلت صلاته. واتفقوا كلهم على أن ما يقوم في القلب من تصديق بأمور دنيوية، وطلب: لا يبطل الصلاة. وإنما يبطلها التكلم بذلك. فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام. قال رحمه الله: وأيضًا ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به». فقد أخبر أن الله عفى عن حديث النفس، إلا أن تتكلم. ففرق بين حديث النفس وبين الكلام. وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به. والمراد حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء. فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة؛ لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب. قال رحمه الله: أي: باعتبار معانيه، باعتبار تفسيره. يعني: الحمد لله رب العالمين يقال: الله جل وعلا حمد نفسه في هذه الآية الجليلة. يترجم هكذا بغير لغة العربية. ولا يقال: الحمد لله رب العالمين يترجم حرفيًا: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الرحمن الرحيم. وما شابه ذلك؛ أن هذا لا يكون. قال رحمه الله: وقوله: «ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر». من أبصر هذا: اعتبر، وعن مثل قول الكفار زجر. علم أنه بصفته ليس كالبشر. قال الشارح رحمه الله تعالى: لما ذكر فيما تقدم: أن القرآن كلام الله حقيقة، منه بدأ. نبه بعد ذلك على أنه تعالى بصفاته ليس كالبشر. نفيًا للتشبيه عقيب الإثبات. يعني: أن الله تعالى وإن وصف بأنه متكلم، لكن لا يوصف بمعنى من معاني البشر التي يكون الإنسان بها متكلمًا. فإن الله ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وما أحسن المثل المضروب للمثبت للصفات من غير تشبيه ولا تعطيل: باللبن الخالص السائغ للشاربين، يخرج من بين فرث ودم. والمعطل يعبد عدمًا، والمشبه يعبد صنمًا؛ لماذا؟ يعبد ربًا لا صفة له. ومن كان لا صفة له: فحقيقة أنه عدم. والمشبه يعبد مخلوقًا؛ لأن حقيقة قوله: أنه يقول: أن ربه جل وعلا له كذا وله كذا مثل المخلوق. فحقيقة أنه يعبد مخلوقًا، ويعبد صنمًا. قال رحمه الله: وسيأتي في كلام الشيخ: «ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه». وكذا قوله: «وهو بين التشبيه والتعطيل». أي: دين الإسلام. ولا شك أن التعطيل شر من التشبيه. بما سأذكره إن شاء الله تعالى. وليس ما وصف الله به نفسه، ولا ما وصفه به رسوله: تشبيهًا. بل صفات الخالق كما يليق به، وصفات المخلوقين كما يليق به. وقوله: «فمن أبصر هذا اعتبر». أي: من نظر بعين بصيرته فيما قاله من إثبات الوصف ونفي التشبيه، وعيد المشبه: اعتبر، وانزجر عن مثل قول الكفار. قال رحمه الله: وقوله: «لا يماثل كلام المخلوقين»؛ الأولى أن يقال: «لا يماثل»؛ لما تقدم في أن لفظ المماثلة أقوم وأسلم، بخلاف لفظ الشبه والتشبيه. قوله: «يعني أنه أشرف وأفصح وأصدق» إلى آخر ما ذكر. وهذا يعني كما قال من قال من لئم رحمهم الله تعالى: الفرق بين كلام الله وكلام البشر: كالفرق بين الله وخلقه. قال: الفرق بين كلام الله وكلام خلقه: كالفرق بين الله وخلقه؛ لأن الكلام من صفاته الرب جل وعلا. قوله رحمه الله في قوله تعالى: «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله». وقال تعالى: «قل فأتوا بسورة مثله». قال: «فلما عجزوا وهم فصحاء العرب مع شدة العداوة عن الاتيان بسورة مثله: تبين صدق الرسول صلى الله عليه وسلم أنه من عند الله». أي: أنه مبلغ عن الله جل وعلا. وأنه ليس من كلام البشر، لا من كلام محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهو أفصح البشر. ولا من كلام جبريل عليه السلام: وهو أفضل الملائكة. بل هو من كلام الله رب العالمين. قوله رحمه الله: «وإعجازه من جهة نظمه ومعناه». إعجاز القرآن من جهة نظمه، ومن جهة معناه. ليس من جهة معناه فقط كما قالت الأشاعرة والكلابية. ولكن باعتبار اللفظ والمعنى. والمعنى المعجز باعتبار اللفظ والمعنى. قال رحمه الله: «لا من جهة أحدهما فقط». بل القرآن كما ذكر: معجز باعتبار نظمه ومعناه. قال هذا مع أنه قرآن عربي غير ذي عوج بلسان عربي مبين. أي: باللغة العربية. قال: «فنفى المشابهة من حيث التكلم به». طيب. في هذه العبارة: يعني العبارة هذه: محتملة لاحتمالين. الاحتمال الأول: أن يقال: أي: تكلم بكلام. يعني: فنفى المشابهة من حيث التكلم، أي: من حيث التكلم بكلام الله جل وعلا مطلقًا. الكلام العام: ادخل فيه كل كلام تكلم الله جل وعلا به. وقوله: «ومن حيث التكلم به»: أي: التكلم بالقرآن. هذا احتمال. واحتمال آخر: أنه أراد من حيث التكلم: أي من حيث كيفية تكلم الله بالقرآن. من حيث كيفية تكلم الله بالقرآن. ومن حيث التكلم به نفسه: أي: باعتبار لفظه ومعناه. باعتبار لفظه ومعناه. فإذا على هذا المعنى: يكون نفى المشابهة: نفى المشابهة في الكيفية، وكذا في اللفظ والمعنى. ولعل هذا المعنى: أو هذا الاحتمال أظهر وأقرب. قال رحمه الله: وإلى هذا وقعت الإشارة بالحروف المقطعة في أوائل السور. أي: أنه في أسلوب كلامهم، وبلغتهم التي يتخاطبون بها. ألا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن. كما في قوله: «ألف لام ميم ذلك الكتاب لا ريب فيه». «ألف لام ميم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق» الآية. «ألف لام ميم صاد كتاب أنزل إليك» الآية. «ألف لام ر تلك آيات الكتاب الحكيم». وكذلك الباقي. ينبههم أن هذا الرسول الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه. بل خاطبكم بلسانكم. وهذا المذكور على قول طائفة من السلف. فطائفة من السلف قالوا: إن الله جل وعلا إنما أتى بالحروف المقطعة في أوائل السور؛ ليدل العرب على أن هذا القرآن الذي أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم: هو بلغتهم، بلغة العرب. ثم تحداهم بلغتهم أن يأتوا بآية، أو يأتوا بسورة من لغتهم مثل ما أنزله الله جل

شاركنا على