التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 37

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 37، ألقاها

موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من مسألة الحوادث وأفعال الله

يشرح الشيخ الغنيمان موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من مسألة الحوادث وأفعال الله الاختيارية، ويبين أن ابن تيمية لا يقول بقدم العالم. يؤكد ابن تيمية أن الله فعال أزلا وأفعاله ليست حادثة.

تفصيل أهل السنة في أفعال الله وفرقهم بين النوع والفرد

أهل السنة يفرقون بين نوع أفعال الله وأفرادها، فيعتبرون النوع أزليا والأفراد حادثة. يبين المقطع كيفية التفريق بين النوع والفرد في أفعال الله تعالى وكلامه.

أزلية أسماء الله وصفاته ورد على المخالفين

يناقش المقطع أزلية أسماء الله وصفاته، مستشهدا بكلام الإمام أبي سعيد الدارمي وشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام الطحاوي. يرد الشارح على المعتزلة الذين ينفون صفة الخلق لله قبل وجود المخلوقات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم يقول الشيخ الغنيمان في شرحه على كتاب التوحيد: ولما كان شيخ الإسلام يقرر هذا -وهو أن الله لم يزل فعالا لما يريد- ويرد على من يقول: المعنى كان الله ولا شيء معه، أي: لا مخلوق ولا فعل ولا مفعول، ثم صار يخلق ويفعل بعد أن لم يكن يفعل ويخلق، وهذا هو قول الجهمية والمعتزلة- لما كان يقرر ذلك ويرد على قول الجهمية والمعتزلة، ظن كثيرٌ ممن لم يفهم مراده ولم يعرف مذهب أهل السنة في هذه المسألة، ظن أنه يقول بقدم العالم؛ لأنه يقول بحوادث لا أول لها؛ لأنهم يسمون أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بإرادته حوادث. وما علم هؤلاء أن لازم قولهم أن الرب تعالى كان معطلا عن الفعل، ثم صار فاعلا لأفعاله بعد أن لم يكن كذلك. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، تقدم معنا التعليق على هذا، لكن كان في آخر الدرس، فكان الكلام عليه سريعا، وحاصله: أنه يبين صحة ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة، وهو أن المسألة أصلها ومردها إلى مسألة: هل يفعل الله جل وعلا في الأزل أم لا؟ بمعنى: هل تثبت لله جل وعلا الصفات الفعلية أزلا أم لا؟ ومعلوم أن أهل السنة والجماعة هم الذين يثبتون لله جل وعلا الصفات مطلقا: الذاتية والفعلية، ويقولون بأن الصفات الذاتية والفعلية ملازمة لله جل وعلا، متصف بها أزلا ومتصف بها كذلك أبدا. فكان لأجل هذا الأمر قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذه المسألة: بأن الله جل وعلا يفعل أزلا، ومن لوازم هذا القول: أن الله جل وعلا فعال أزلا، وأن يكون المفعول كذلك لا أول له باعتبار نوعه، مع اعتبار أن المفعولات باعتبار أفرادها وآحادها: ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم. فيقول الشيخ: إن شيخ الإسلام لما كان يقرر أن الله لم يزل فعالا لما يريد، ويرد على من يقول: المعنى كان الله ولا شيء معه، أي: لا مخلوق ولا فعل ولا مفعول، ثم صار يخلق ويفعل بعد أن لم يكن يفعل ويخلق، وهذا قول الجهمية والمعتزلة. ومعنى هذا: أن القائلين بهذا القول مبنى قولهم على أن الله لم يكن فاعلا، الجهمية لماذا منعوا ثبوت أو القول بحوادث لا أول لها؟ الجواب: لأنهم لا يقولون بأن الله جل وعلا فعال أزلا، لا يثبتون لله جل وعلا الصفات الفعلية، بل يقولون: بأن الله جل وعلا فعل بعد أن لم يكن فاعلا. فالشيخ رحمه الله تعالى يقول: لما كان شيخ الإسلام يقرر ذلك ويرد على قول الجهمية والمعتزلة، ظن كثيرٌ ممن لم يفهم مراده ولم يعرف مذهب أهل السنة في هذه المسألة، ظن أنه يقول بقدم العالم. وكيف يتصور متصور أن إنسانا مسلما -فضلا عن عالم- فضلا عن كبير من كبراء العلماء وجليل من أجلتهم يقول بهذا القول؟ إذا قلنا لإنسان يعقل من أهل الإسلام: من عوام المسلمين: هل تقول بقدم العالم؟ بمعنى: أن ثم أزلي مع الله، أي: ثم موجود وجوده مع الله جل وعلا أزلي مع الله، ماذا سيقول؟ سينفي هذا ويقول: هذا كفر، والعياذ بالله. فكيف يستطيع إنسان أن ينسب هذا القول إلى شيخ الإسلام؟ هذا كما سمعتم أن القول بهذا تأباه النفوس والفطر المستقيمة، عوام المسلمين ينفون هذا القول ويبطلونه. ولكن بعض الناس؛ لأنه لم يحقق هذه المسألة، ولم يعلم كذلك حقيقة هذه المسألة، ظن أن شيخ الإسلام رحمه الله حينما يقول: بأن الحوادث لا أول لها باعتبار نوعها لا باعتبار أفرادها، أنه يقول بقدم العالم. مع أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يصرح صراحة واضحة: بأن القول بقدم العالم قول باطل فاسد، أنكره الفلاسفة المحققون من الفلاسفة، فضلا عن غيرهم من أهل الإسلام. فكيف بعد هذا ينسب إلى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذا القول؟ ولكن كما قال: «ظن كثير ممن لم يفهم مراده ولم يعرف مذهب أهل السنة والجماعة»، إذ لو كان حقق المسألة تحقيقا صحيحا، وتصور المسألة تصورا صحيحا، لما شك بصحة ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وببطلان قول كل من خالف ذلك القول. وذلك أن من أثبت لله جل وعلا أفعالا هي من صفاته، وأن هذه الأفعال صفة كمال، وإذا كانت صفة كمال، فثبوت أثرها كذلك من صفة الكمال، ثبوت آثار تلك الأفعال من الكمال. لو علم هذا، لما بقي في شك ولا حيرة في هذه المسألة، ولم يز فيها بين الحق والباطل، وفرق بين المشتبهات، وعلم أن الحق والصواب فيما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وغيره من المحققين. ولكن لما قصر بعض أهل العلم عن فهم هذه المسألة، والتدقيق فيها، والتحقيق لها، اتهموا بعضهم، يعني: خطأ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذه المسألة، والصواب قوله، والصواب قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. لأنهم يسمون أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بإرادته حوادث، أي: الجهمية وما سار على سيرهم، يقولون بنفي الحوادث، يقولون: بأن الحوادث لها أول. وسألت الجهمي: ماذا أردت بالحوادث؟ قال: أفعال الله التي يفعلها، فهم يقولون: أن الفعل والمفعول حادث بعد أن لم يكن، الفعل الذي هو من صفة الله، والمفعول الذي هو المخلوق، يقولون: كله حادث؛ لأن عندهم الأصل: كل متغير فهو حادث، وكل حادث مفتقر إلى محدث، إذن الحوادث عندهم كلها مخلوقة. وتقدم معنا: أن الحوادث صار هذا اللفظ لفظا مجملا، يطلق على المخلوق، ويطلق على ما تتجدد من أفعال الله جل وعلا الاختيارية. فهؤلاء بهذا النفي ينفون الحق والباطل، يقولون: بأن الله جل وعلا لم يكن فاعلا، وأن الحوادث كانت بعد أن لم تكن، معنى هذا: أنه فعل الله جل وعلا حادث، وما كان حادثا فهو قد حصل بعد أن لم يكن حاصلا، وقع بعد أن لم يكن واقعا. إذا قيل لهم: ماذا تريدون بهذا الحوادث؟ يطلقون ويريدون به: الفعل والمفعول، لكن أهل السنة والجماعة: هل يطلقون على الفعل بأنه حادث؟ أي: فعل الله جل وعلا أنه حادث كان بعد أن لم يكن، وأنه مخلوق؟ الجواب: يقولون: الفعل باعتبار كونه صفة لله جل وعلا هو أزلي، وباعتبار نوعه كذلك أزلي، وباعتبار أفراده هو حادث، أي: يفعله الله جل وعلا متى شاء، يفعله الله جل وعلا متى شاء، فيفرقون بين النوع والفرد. أهل السنة والجماعة في أفعال الله جل وعلا يفرقون بين النوع والفرد، نوع أفعال الله جل وعلا أزلي، أفراد أفعال الله جل وعلا حادثة. ومعنى حادثة: أن يحدثها الله، أن يفعلها الله، الحادث بمعنى: أن يفعلها الله متى شاء سبحانه وتعالى. وكذلك في صفة الكلام: إذا قال لنا قائل: ما تقولون في صفة الكلام؟ هل هي صفة حادثة أم أنها أزلية؟ فالجواب: نقول: أن صفة الكلام باعتبار نوعها أزلية؛ لأن الله جل وعلا لم يزل ولا يزال متكلما، وباعتبار أفرادها: باعتبار أحد الكلام حادث، أن الله جل وعلا يتكلم متى شاء، مع من شاء، كيف شاء سبحانه وتعالى. فإذا فرقنا بين الفرد والنوع في أفعال الله جل وعلا، والكلام من أفعال الله جل وعلا، واضح. فلأجل هذه المسألة العظيمة بنيت عليها المسألة الأخرى، وهي مسألة تسلسل الحوادث باعتبار المحدثات؛ لأنه تقدم معنا: أن التسلسل منه ما هو ممتنع، وهو في المؤثرين مستحيل، ومنه ما هو واجب، وهو في أفعال الله جل وعلا، ومنه ما هو ممكن، وهو في المحدثات، أي: المخلوقات. ولكن بعض الناس لما لم يميز بين النوع الأول والنوع الثاني، وقع فيما وقع فيه، لم يميز بين ما هو من أفعال الله، وبين ما هو من المحدثات، فقالوا: كل فعل فهو حادث، وكل حادث فهو مخلوق. وبعض أهل السنة والجماعة وافق الجهمية باعتبار، ولم يوافقهم باعتبار آخر، وافقهم باعتبار أن الحوادث لها مبدأ، لكن ما درى ما معنى الحوادث لها مبدأ، ما علم مراد الجهمية بهذا التعبير، وكذلك مراد المعتزلة، وكذلك مراد الأشعرية والكلابية، ومن سار على هذا السير، ظن أن الحوادث المراد بها المخلوقات. ولكن أولئك أرادوا المخلوقات وأفعال الخالق سبحانه وتعالى، لذا كان من أهل السنة والجماعة من قال بهذا القول، فكانت لهم موافقة لهؤلاء بهذا الاعتبار، ومخالفة لهم باعتبار آخر. بمعنى: أنه يقول: بأن الله جل وعلا فعال لما يريد أبدا وأزلا، فيقول: بأن صفات الله جل وعلا أزلية، ولكن الله فعل بعد أن لم يكن فاعلا. فرق الجهمية: علم أنه ما دام أنه حادث، ما دام أنه محدث، لا بد أن يكون ما دام أنه فعال، لا بد أن يترتب الأثر عليه على ذلك الفعل. الفلاسفة كذلك، ولكن كانوا على طرفين نقيض، الفلاسفة والمتكلمون؛ لأنهم لم يميزوا بين النوع والفرد، لم يميزوا بين نوع الحوادث وبين أفراد الحوادث. فقال الفلاسفة: الكل أزلي قديم بقدم الله جل وعلا، والمتكلمون قالوا: كل حادث بعد أن لم يكن، إذ لو لم نقل ذلك لوقعنا بالقول بقدم العالم. فكانوا على طرفين نقيض، وهل السنة والجماعة وسط بين هؤلاء وهؤلاء؟ فقالوا: بأن الحوادث -أي: المخلوقات- باعتبار نوعها لا أول لها، معناه: أنه ما من زمن يفرضه العقل باعتبار العد والحساب إلا وهو يفرض زمنا قبله. كما تنتهي الآواخر إلى الآخر الذي ليس بعده شيء، باعتبار النوع، أما باعتبار الأفراد: أفراد المخلوقات، ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم. فيقول شيخ الإسلام: أو يقول: وفقنا الله وإياه لطاعته، يقول في هذه المسألة: أن شيخ الإسلام لما كان يقرر أن الله لم يزل فعالا لما يريد، ويرد على من يقول: المعنى كان الله ولا شيء معه، أي: لا مخلوق ولا فعل ولا مفعول، ثم صار يخلق ويفعل بعد أن لم يكن يفعل ويخلق، وهذا قول الجهمية والمعتزلة. قال الإمام أحمد في رده على الجهمية: «فلما ظهرت عليه الحجة، قال: إن الله يتكلم، ولكن كلامه مخلوق، قلنا: وكذا بنو آدم كلامهم مخلوق، فقد شبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق». ففي مذهبكم: قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم، حتى خلق التكلم، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق الله لهم كلاما. وهذا يبين لنا تماما أصل المسألة: أن من قال بأن الله جل وعلا لم يتكلم، معناهم: أنه سبق كلامه بعدم، بمعنى: أنه لم يتكلم أزلا ثم تكلم، ومعنى هذا: أنه حدث له الكلام بعد أن لم يكن. فإذا من قال هذا القول، فقد شبه الخالق بالمخلوق، كما قال إمام أحمد رحمه الله: «وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق الله لهم كلاما»، فإذا شبهتم الخالق بالمخلوق. قال: «وقد جمعتم بين كفر وتشبيه، تعالى الله عن هذه الصفة، بل نقول: إن الله لم يزل متكلما إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق كلاما». إلى أن قال: «ولا نقول: إنه كان في وقت من الأوقات ولا قدرة له حتى خلق لنفسه القدرة»، يعني: تأمل إلى قول الإمام أحمد رحمه الله: «ولا نقول: إنه كان في وقت من الأوقات ولا قدرة له حتى خلق له»، فصار قادرا. يعني: معنى هذا: أن القول بأن الله جل وعلا خلق بعد مدة، ولم يكن خالقا فيها، في تلك المدة، ثم خلق، يلزم من هذا القول: أنه كان في وقته من الأوقات ولا قدرة له؛ لأنه في هذا الزمان ما استطاع أن يخلق، ثم خلق، لم يستطع أن يخلق، ثم خلق. قال: «والذي ليس له قدرة فهو عاجز»، إذن يلزم من القول بأن الله جل وعلا فعل بعد أن لم يكن فعله، أنه كان في ذلك الزمان الذي لم يكن فاعلا، أنه كان عاجزا عن الفعل. وأن الفعل من صفات كماله، وقد تقدم معنا مرارا: أن الحي الفعال المريد القادر المتكلم إذا توفرت هذه الأمور، يلزم أن يثبت على إثرها الأثر، يكون عقب هذه الأمور الأثر. فإن قيل بالتراخي بين الفعل والمفعول، لازم أن تكون ثم فترة بين الفاعل وبين المفعول، لم يكن ذلك الفاعل قادرا، وما لم يكن قادرا، معنى أنه كان عاجزا، ثم صار قادرا. وما هو الذي جعله قادرا بعد أن كان عاجزا؟ لا شيء، وإنما هو الانقلاب كما يقولون: من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، وهذا كلام متناقض باطل كما تقدم. قال الإمام أبو سعيد الدارمي رحمه الله: «والله تعالى وتقدس اسمه، كل أسمائه لم يزل كذلك، ولا يزال، لم تحدث له صفة ولا اسم لم يكن كذلك، خالقا قبل المخلوقين، ورازقا قبل المرزوقين، وعالما قبل المعلومين، وسميعا قبل أن يسمع أصوات المخلوقين، بصيرا قبل أن يرى أعيانه مخلوقة». يعني: في كلام أبي سعيد الدارمي رحمه الله: الإمام الدارمي في رده على الجهمية أو في رده على بشر المريسي، يقول رحمه الله تعالى: في أن أسماء الله كلها أزلية بأزليته، وكذلك صفاته أزلية كذلك بأزلية الله جل وعلا. ثم قال: «لم يزل كذلك»، أي: أن الله جل وعلا متسمي بأسمائه ومتصف بصفاته أزلا وأبدا؛ لأن الإسم تابع للمسمى، والصفة تابعة للموصوف، أزلية بأزلية الله، أبدية بأبديته، لم تحدث له صفة ولا اسم لم يكن كذلك. قال: «خالقا قبل المخلوقين»، بمعنى: أن الله جل وعلا اسم الخالق، والرازق، وإلى غير ذلك، ولو لم يكن ثم مخلوق، ومعنى قول رحمه الله: «لم يكن كذلك»، قال رحمه الله: «خالقا قبل المخلوقين، ورازقا قبل المرزوقين، وعالما قبل المعلومين، وسميعا قبل أن يسمع أصوات المخلوقين» إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. معناه: أن الله جل وعلا متسمي بأسمائه ومتصف بصفاته أزلا وأبدا، لم يحصل له اسم ولم تحصل له صفة بعد أن لم تكن، بل هو بصفاته أزلي سبحانه وتعالى. قال شيخ الإسلام: «لا ننازع بين أهل الملل أن الله سبحانه كان قبل أن يخلق هذه الأزمنة والأمكنة، وأن وجوده لا يجب أن يقارن هذه الأزمنة والأمكنة»، يعني: هذا لا خلاف، يقول شيخ الإسلام: «لا نزاع بين أهل الملل، فضلا عن ملة الإسلام: أن الله سبحانه كان قبل أن يخلق هذه الأزمنة والأمكنة، قبل هذه الأزمنة والأمكنة، كان الله جل وعلا ولم يكن شيء قبله، وأن وجوده لا يجب أن يقارنه هذه الأزمنة والأمكنة، بل هو الأول الذي ليس قبله شيء». قال أبو نعيم في الحلية في ترجمة محمد بن أسلم رحمه الله: «وأما كلامه في النقض على المخالفين من الجهمية والمرجئة فشائع دائع، وقد كان رحمه الله من المثبتة لصفات الله أنها أزلية غير محدثة في كتابه المترجم بالرد على الجهمية». يعني: الشاهد منه: أنه يقول: «وقد كان رحمه الله من المثبتة لصفات الله أنها أزلية»، صفات الله بأنها أزلية: الفعلية والذاتية، غير محدثة، ليبين ما معنى غير محدثة؟ أي: غير مخلوقة. أريد بهذا: أن الله جل وعلا ما دام بأنه متصف بصفاته الفعلية، كما أنه متصف بصفاته الذاتية أزلا، إذن المفعول يكون كذلك أزليا باعتبار نوعه، بأزلية أفعال الله جل وعلا. أو قل: بأن المفعولات أو المحدثات ليس لها أول باعتبار نوعها؛ لأن معنى الأزلي هو ما ليس له أول. ولكن نقول: المحدثات أو قل: المخلوقات باعتبار نوعها لا أول لها، باعتبار أنه ما من وقت يفرضه العقل إلا وهو يفرض وقتا قبله، حتى تنتهي الأوائل إلى الله رب العالمين سبحانه وتعالى. قال شيخ الإسلام في درء التعارض: «وهذا قول من يثبت لله تعالى صفة التخليق والتكوين في الأزل، وإن كان المخلوق حادثا، وهو قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وأهل الكلام والصوفية». ثم قال: «فالذي ذكره البغوي عن أهل السنة: إثبات صفة الخلق لله تعالى، وأنه لم يزل خالقا، وكذلك أبو بكر الكلاباذي في كتابه التعرف لمذهب التصوف، وهو قول جمهور أصحاب أحمد، كأبي إسحاق بن شاقيل، وأبي عبدالله بن حامد، والقاضي أبي يعلى، وغيرهم، كذلك ذكره غير واحد من المالكية، وذكر أنه قول أهل السنة والجماعة». قال شيخ الإسلام في الصفدية: «أن الرب لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال، كما وصفهه أئمة السنة من أنه لم يزل متكلما إذا شاء، ولم يزل حيا فاعلا أفعالا تقوم به، ولم يزل قادرا، وكل ما سواه مخلوق له حادث عنه». قال: «وأن حدوث الأشياء عنه شيئا بعد شيء، فليس فيها شيء كان معه لا قارنه بوجه من الوجوه». وهذا نص في أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ينفي أن يكون ثم مخلوق مقارن وجوده لوجود الله جل وعلا. فقال: «وقد تبين أن مع القول بجواز حوادث لا أول لها، بل مع القول بوجوب ذلك، يمتنع قدم العالم أو شيء من العالم، وظهر الفرق بين دوام الواجب بنفسه القديم الذي لا يحتاج إلى شيء، وبين دوام فعله أو مفعوله وقدر ذلك». قال: «فإن الأول سبحانه قديم بنفسه واجب غني، وأما فعله فشيء بعد شيء»، أي: يكون شيئا بعد شيء، فلا يلزم من هذا القول: بأن ثم مخلوق مقارن لله جل وعلا في وجوده. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «وله معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق»، هذا كما تقدم ذكره: ليس معنى هذا أن الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى ممن يقول: بأن الحوادث لها مبدأ، أو بأن الحوادث لا لها مبدأ. ولكن هو في صدد تقرير: أن الله جل وعلا بأسمائه وصفاته أزلي، وأن أسماء الله جل وعلا أزلية بأزلية الله، وأن صفات الله جل وعلا أزلية بأزلية الله. ولا يراد من هذا القول: بأن الله جل وعلا كان معطلا عن الفعل ثم وجد، فالحاصل: أن كلامه رحمه الله تعالى يمكن أن يوجه على هذا المعنى، ويحتمل أن يوجه على التوجيه الأول الذي أشار إليه الشارح ابن أبي العز رحمه الله تعالى، وحمله على الصواب أولى من حمله على الخطأ، لاسيما مع الإمكان. قال الشارح رحمه الله تعالى: «يعني: أن الله تعالى موصوف بأنه الرب قبل أن يوجد مربوب، وموصوف بأنه خالق قبل أن يوجد مخلوق». قال بعض المشايخ الشارحين: «وإنما قال: له معنى الربوبية، ومعنى الخالق؛ دون الخالقية؛ لأن الخالق هو المخرج للشيء من العدم إلى الوجود لا غير، والرب يقتضي معاني كثيرة: وهي الملك والحفظ والتدبير والتربية، وهي تبليغ الشيء كماله بالتدريج، فلا جرم أتى بلفظ يشمل هذه المعاني، وهي الربوبية». قال ابن أبي العز: «وفيه نظر؛ لأن الخالق يكون بمعنى التقدير أيضا»، إذن: لفظ الخالق يحتمل أكثر من معنى، يحتمل معنى: إيجاد الشيء بعد أن لم يكن موجودا، وكذلك: التقدير. قال الطحاوي رحمه الله: «وكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا، استحق هذا الإسم قبل إحيائهم، كذلك استحق إسم الخالق قبل إنشائهم». قال الشارح رحمه الله: «يعني: أنه سبحانه وتعالى موصوف بأنه محيي الموتى قبل إحيائهم، فكذلك يوصف بأنه خالق قبل خلقهم، إلزاما للمعتزلة ومن قال بقولهم». سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على