الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 59، ألقاها
يتناول المقطع الأول حيرة أهل الكلام والفلاسفة في أمور الثوابت ويحذر من خطر علم الكلام. يُظهر الشيخ خطورة الانغماس في هذا العلم دون ضوابط شرعية.
يناقش الشيخ مسألة رؤية الله تعالى يوم القيامة ويرد على المعتزلة والمشبهة. يستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ويوضح معنى التشبيه في الرؤية.
يشرح المقطع مفهوم الرؤية وصفات الله تعالى ويبين أقسام الناس في هذه المسألة. يؤكد على إثبات صفة الرؤية لله تعالى مع التنزيه عن مشابهة المخلوقات.
يُثني الشيخ على ابن عباس في تفسير القرآن ويذكر دعاء النبي له. يُظهر المقطع عمق فهم ابن عباس للقرآن وتفسيره.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: وكذلك قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: إنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، حيث قال: «لعمري لقد طفت المعاهد كلها، وسيرت طرفي بين تلك المعالم، فلم أر إلا واضع كف حائر على ذقن، أو قارع سن نادم». وكذلك قال أبو المعالي الجويني: «يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ، ما اشتغلت به». وقال عند موته: «لقد خط البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام والعلوم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته، فالويل لابن الجويني». وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي، أو قال: على عقيدة أهل نيسابور. وكذلك قال شمس الدين الخسر شاهي، وكان من أجل تلامذة فخر الدين الرازي، لبعض الفضلاء: وقد دخل عليه يوما، فقال: «ما تعتقده؟» قال: «ما يعتقده المسلمون». فقال: «وأنت منشرح الصدر لذلك، مستيقن به؟» أو كما قال. فقال: «نعم». فقال: «أشكر الله على هذه النعمة، لكني والله ما أدري ما يعتقد، والله ما أدري ما يعتقد، والله ما أدري ما يعتقد». وبكى حتى سال لحيته. والإمام ابن أبي الحديد الفاضل المشهور بالعراق يقول: فيك يا أغلوطة الفكري حار أمري ... وانقض عمري سافرت فيك العقول فما ربحت إلا أذى السفري فلح الله الأولى زعم أنك المعروف ... فلولا فلاحي طيب فضل فلولا فلاحي كذبوا إن الذي ذكر خارج عن قوة البشر الظاهر ما أدري فلاح هل من اللحي وإلا فلاحي وقال الخونقي عند موته: «ما عرفت مما حصلته شيئا سوى أن الممكن يفتقر إلى المرجح»، ثم قال: «الافتقار وصف سلبي؟ أموت وما عرفت شيئا». وقال آخر: «أضطجع على فراشي، وأضع الملحفة على وجهي، وأقابل بين حجج هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر، ولم يترجح عندي منها شيء». ومن يصل إلى مثل هذه الحال، إن لم يتداركه الله برحمته وإلا تزندق. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد: مضى معنا في الدرس الماضي شيء من الكلام على ما وصل إليه أهل الكلام من الحيرة والاضطراب والشك في أمور ثوابت، حتى شك في وجود الله رب العالمين: أهو موجود أم لا؟ ثم أقاموا البراهين والحجج ليدللوا على أن الله جل وعلا موجود. وربما قارع بعضهم الحجة بالحجة من علم الكلام، وما وصل إلى شيء. كما سمعتم في المقروء علينا في هذه المواطن: قد يكون كبيرا في قومه أو في طائفته أو في فرقته، ولكنه حائر. منهم من يقول: «أموت على دين العجائز»، وهو أبو المعالي الجويني، وهو ممن يعظمه الأشاعرة جدا، حتى ذكر بأن بعضهم قال: «لو كان نبي بعد رسول الله لكان أبو المعالي»، لما يعظمون هذا الرجل. والرجل انظر إلى ما وصل إليه من الحيرة، إلى ما يتمنى في آخر المطاف أن يموت على عقيدة أمه وجدته وعقائد عجائز نيسابور. وهذا يدل على أن الحق كل الحق في دين الفطرة التي كان عليه عجائز الإسلام، وأن أهل الكلام ما زدادوا في علم الكلام إلا تخليطا وتخبيطا وحيرة وشكا وبعدا عن الحق المبين الذي أنزله الله جل وعلا على رسوله الكريم. ومن نظر في هذه الأبيات وهذه الأقوال وهذه المقالات، يرى فيها العجب العجاب. وصدق ابن أبي العز رحمه الله تعالى إذ يقول: «ومن يصل إلى مثل هذه الحال، إن لم يتداركه الله برحمته، وإلا تزندق». أي: بسبب هذه الحيرة والشك في الثوابت والقواطع من دين الإسلام. قال رحمه الله تعالى: «ومن طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيميا أفلس، ومن طلب غريب الحديث كذب». وقال الإمام الشافعي رحمه الله: «حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام». وقال: «لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلما يقوله، ولئن يبتل العبد بكل ما نهى الله عنه ما خل الشرك بالله خير له من أن يبتلى بالكلام». وهذا يدلنا على خطر علم الكلام، فهذا الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: اطلع على شيء من علم الكلام، يقول: «ما ظننت مسلما يقوله»، لماذا؟ لأن فيه من الزندقة وفيه من الكفر والعياذ بالله ما يبعد الإنسان عن ربه جل وعلا. وأقل أحواله أن يجعل الإنسان محتارا شاكا في الأمور الثوابت والأمور القواطع كوجود الله رب العالمين: هل الله جل وعلا موجود؟ لابد أن يشك أولا، ثم يبرهن ويقرر أن الله جل وعلا موجود، وتوابع ذلك كثيرة. لذا يقول رحمه الله: «ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما خل الشرك بالله خير له من أن يدخل في علم الكلام»، لماذا؟ لأن هذا كما يقال أقرب الطرق إلى الكفر بالله جل وعلا، بخلاف هذه المعاصي، فإن الإنسان يكون واقعا في الكبائر، فيرجى أن يدخل تحت مشيئة الله. قال رحمه الله: «وتجد أحد هؤلاء عند الموت يرجع إلى مذهب العجائز، فيقر بما أقر به، ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك التي كان يقطع بها، ثم تبين له فسادها أو لم يتبين له صحتها». فيكونون في نهاياتهم، إذا سلموا من العذاب، لمنزلة أتباع العلماء من الصبيان والنساء والأعراب. يعني هؤلاء لما كان مر معنا في كلام أبي المعالي الجويني، يصير حالهم في آخر أمرهم، بعد أن يخوضوا سنين عددا في هذا العلم، ربما عشرين سنة أو ثلاثين أو أربعين سنة، ثم في آخر أمره، إن أراد الله به خيرا، رجع إلى دين الأطفال والعجائز، وصار من أتباع العلماء. ولو أنه استفرغ ذلك الجهد وذلك الوقت في تحصيل علوم الكتاب والسنة، لكان بإذن الله جل وعلا رأسا من رؤوسها. ولكن الله جل وعلا يؤتي فضله من يشاء، والعلم فضل من الله، بل هو من أعظم نعم الله جل وعلا على عباده: العلم بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:164]. فضل من الله يوم أن يوفق الإنسان إلى كتاب الله جل وعلا وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويتفق فيهما. فضل قال رحمه الله: «والدواء النافع لمثل هذا المرض، ما كان طبيب القلوب صلوات الله وسلامه عليه يقوله: إذا قام من الليل يفتتح الصلاة: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لمختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»». خرجه مسلم. وقوله: «والدواء النافع لمثل هذا المرض»، أي: مرض علم الكلام والشكوك والحيرة. قال: «ما كان طبيب القلوب»، ومعنى «ما كان يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم تطبيبا للقلوب ومداواتا للقلوب وشفاءا بإذن الله جل وعلا القلوب». قال: «أنه إذا قام من الليل يفتتح الصلاة، فيقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لمختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». يدعو ربه جل وعلا دعاء متضرع خاضع منكسر إلى ربه جل وعلا، مفتقر إلى الله جل وعلا في الهداية وفي معرفة الحق والصواب. وهذا يحتاجه الإنسان في كل أمر يلتبس عليه، بل قل في كل أمر يحتاج إليه، أن يدعو الله جل وعلا بمثل هذا الدعاء، أن يشرح الله صدره إلى ما هو الحق الذي قد وقع فيه الخلاف بين المختلفين. قال: «خرجه مسلم»، وهو في صحيح مسلم كما ذكر. وبعض أهل العلم تكلم في هذا الحديث من حيث الإسناد، والأظهر والله أعلى وأعلم أن القول فيه قول الإمام مسلم رحمه الله تعالى. قال رحمه الله: «توجه صلى الله عليه وسلم إلى ربه بربوبية جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لمختلف فيه من الحق بإذنه، إذ حياة القلب بالهداية، وقد وكل الله سبحانه هؤلاء الثلاثة بالحياة: جبرائيل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وميكائيل بالقدر الذي هو سبب حياة الأبدان وسائر الحيوان، وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعود الأرواح إلى أجسادها». فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول المطلوب. قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: «ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم، إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين. ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه». قال الشارح رحمه الله تعالى: «يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على المعتزلة ومن يقول بقولهم في نفي الرؤية، وعلى من يشبه الله بشيء من مخلوقاته». فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر»، الحديث. أدخل كاف التشبيه على ما المصدرية أو الموصولة بترون التي تتأول مع صلتها إلى المصدر الذي هو الرؤية، فيكون التشبيه في الرؤية لا في المرء. وهذا بين واضح في أن المراد إثبات الرؤية وتحقيقها ودفع الاحتمالات عنها. وماذا بعد هذا البيان وهذا الإضاحة؟ يعني قوله رحمه الله تعالى: يعني في شرحه لكلام الإمام الطحاوي. قال: «يشير الشيخ رحمه الله إلى رده على المعتزلة ومن يقول بقول في نفي الرؤية، وعلى من يشبه الله بشيء من مخلوقاته»، يعني: على المعاطلة وعلى من يشبه الرؤية بالرؤية برؤية الله، رؤية المخلوقين أو رؤية الله جل وعلا برؤية المخلوقين. فقوله: «فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنكم ترون ربكم كما ترون القمر»، بعض المشبهة ربما فهم من هذا المعنى التشبيه: تشبيه أي المرء بالمرء، تشبيه المرء بالمرء للرؤية بالرؤية كما يقوله أهل السنة والجماعة. لذا قال رحمه الله تعالى: «قال الحديث أدخل الكاف أدخل كاف التشبيه على ما»، أي: في قوله: «إنكم ترون ربكم كما»، فأدخل الكاف على ما، ذا على الماء. وذكر قال: ما المصدرية أو الموصولة، أي: ما في قوله: «إنكم ترون ربكم كما ترون القمر»، إما أن تكون مصدرية، فيكون التقدير: «إنكم ترون ربكم كرؤية القمر»، كرؤية القمر. وإما أن تكون موصولة، فيكون التقدير: «إنكم ترون ربكم كالذي ترون القمر»، كالذي ترون القمر. وعلى كل التقديرين يدل على ماذا؟ يدل على أن المراد تشبيه الرؤية بالرؤية، للمرء بالمرء. وهذا واضح بيِّن واضح جماعة على القول بأنها مصدرية: «إنكم ترون ربكم كرؤية كرؤية القمر»، كرؤية القمر. ليس كالقمر، أي: أن الله كالقمر مثل القمر، لكن كرؤية القمر. إذن شبه الرؤية بماذا؟ بالرؤية. وعلى أنها موصولة: «كالذي كالذي ترون القمر»، أو «كالذي ترونه القمر»، فيشبه القمر بماذا؟ رؤية المؤمنين للقمر، كرؤية الله جل وعلا يوم القيامة. فإذا التشبيه في الرؤية، للتشبيه في ماذا؟ في المرأة: «أنكم ترون ربكم بوضوح كرؤية القمر»، وليس المعنى: «أنكم ترون الله جل وعلا والله جل وعلا كالقمر». وهذا واضح بين لكل ذي عقل وذي لب سليم. فإذا سلط التأويل على مثل هذا النص، كيف يستدل بنص من النصوص؟ وهل يحتمل هذا النص أن يكون معناه: «إنكم تعلمون ربكم كما تعلمون القمر ليلة البدر»؟ أي: كما يقوله النفاة للرؤية، يقولون: في قول النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأحاديث: إن استطاعوا أن يقولوا بأنها آحاد، ردوها بأنها آحاد. إذا رأوها أنها متواترة، قالوا: «الرؤية تأتي بمعنى العلم». «رأى» تأتي بمعنى ماذا؟ علما. و«رأى» تأتي بمعنى علما إذا عديت إلى مفعولين. أما إذا عديت إلى مفعول واحد، فهي تأتي بمعنى ماذا؟ بمعنى الرؤية، بمعنى الرؤية كما في هذا الحديث: «إنكم ترون ربكم»، عدية إلى ماذا؟ إلى مفعول واحد: «ترون ربكم». ولكن العلمية أو ما يعبر عنها النحاة بـ«رأى القلبية» هي التي تتعدى إلى أكثر من مفعول، تتعدى إلى أكثر من مفعول. ما يقولون: هي من أخوات ماذا؟ من أخوات «ظن». قال رحمه الله: «وهل يحتمل هذا النص أن يكون معناه: إنكم تعلمون ربكم كما تعلمون القمر ليلة البدر؟» ويستشهد لهذا التأويل الفاسد بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:1]، ونحو ذلك مما استعمل فيه «رأى» التي من أفعال القلوب. ولا شك أن «ترى» تارة تكون بصرية، وتارة تكون قلبية، وتارة تكون من رؤية الحلم، وغير ذلك. ولكن ما يخلو الكلام من قرينة تخلص أصل معانيه من الباقي. وإلا لو أخل المتكلم كلامه من القرينة المخلصة لأحد المعاني، لكان مجملا ملغزا لا مبينا موضحا. وأي بيان وقرينة فوق قوله: «ترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة، ليس دونها سحاب». فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر أو برؤية القلب؟ وهل يخفى مثل هذا إلا على من أعمى الله قلبه؟ يعني يقول الشيخ رحمه الله تعالى: هب أن «رأى» تأتي بمعنى أفعال القلوب أو بمعنى الرؤية التي بمعنى رؤية المنام. لكن ها هنا قد حفتها قرائن تدل على أن المقصود بالرؤية الرؤية البصرية. ومن هذه القرائن أنه شبه الرؤية بالرؤية، فقال: «كما ترون القمر». فهل معنى «كما تعلمون القمر»؟ إذا قال: نعم. فيقال: وقوله: «ليس بينكم وبينه سحاب»، هل كذلك؟ هل «كما تعلمون القمر ليس بينكم وبينه سحاب»؟ أم أن المقصود الرؤية الحقيقية: رؤية العين؟ واضح هذا جماعة. فقراءة النص احتفت من جميع الوجوه دالة له على أن المقصود بالرؤية ها هنا الرؤية البصرية. على رحمه الله. فإن قالوا: ألجأنا إلى هذا التأويل حكم العقل بأن رؤيته تعالى محال، لا يتصور إمكانها. فالجواب: أن هذه دعوة منكم خالفكم فيها أكثر العقل، وليس في العقل ما يحيلها. بل لو عرض على العقل موجود قائم بنفسه لا يمكن رؤيته، لحكم بأن هذا محال. يعني: المحال في كون الرؤية محال، لا في كون الرؤية ممكنة. واضح جماعة. لماذا؟ لأن الله جل وعلا موجود، بل هو واجب الوجود. فإذا قيل لي: أي عاقل من كان موجودا؟ هل يمكن أن يرى أم لا؟ فيقول: ماذا؟ ممكن أن يرى، من حيث الإمكان. واضح جماعة. فكون هذا القائل يقول: في أن الله جل وعلا موجود، ولكن لا يمكن أن يرى، بل رؤيته محالة. فكلامه محال، لأنه يلزم أن يكون الموجود ليس بموجود، لأن ما يمتنع رؤيته يمتنع أن يكون موجودا. قال رحمه الله: «وقوله: لمن اعتبرها منهم بوهم»، أي: توهم أن الله تعالى يرى على صفة كذا، فيتوهم تشبيها. ثم بعد هذا التوهم، إن أثبت ما توهمه من الوصف، فهو مشبه. وإن فالرؤية من أصلها لأجل ذلك التوهم، فهو جاحد معطل. بل الواجب دفع ذلك الوهم وحده، ولا يعم بنفيه الحق والباطل، فينفيهما. ردا على من أثبت الباطل. بل الواجب رد الباطل وإثبات الحق. وهذا يبين لنا أن الناس في مسألة الرؤية، كغيرها من الصفات، على ثلاثة أقسام: منهم المبالغ في إثباتها، فيشبه الرؤية: رؤية الله جل وعلا برؤية المخلوق. ومنهم من يعيب رؤية المخلوق، فيقول: بأن الله جل وعلا مثل المخلوق في ماذا؟ في كونه مرئيا، مثله باعتبار ماذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم لما شبه القمر، أي: أن الله جل وعلا مثل القمر، أن الله مثل القمر مرئي مثل القمر، لا أن رؤيته بوضوح مثل القمر. وفي الطرف الآخر: المعطلة، قالوا: هذا يدل على ماذا؟ يدل على التشبيه. فماذا نصنع؟ نقول: الرؤية مستحيلة. والحق بين هؤلاء وهؤلاء: نثبت ما أثبت الله جل وعلا لنفسه، إثباتا من غير تمثيل، وننزه الله جل وعلا عما نزه به نفسه، تنزيها من غير تعطيل. كما قال سبحانه وتعالى عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11]، فهو سميع بصير، وسمعه وبصره ليس مثل سمع وبصر المخلوقات. فنثبت الحق وننفي الباطل. قال رحمه الله: «وإلى هذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله بقوله: ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه». فإن هؤلاء المعتزلة يزعمون أنهم ينزهون الله بهذا النفي. وهل يكون التنزيه بنفي صفة الكمال؟ فإن نفي الرؤية ليس بصفة كمال، إذ المعدوم لا يرى. وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرأي له: إدراك إحاطة، كما في العلم. فإن نفي العلم به ليس بكمال، وإنما الكمال في إثبات العلم ونفي الإحاطة ونفي الإحاطة به علما. فهو سبحانه لا يحاط به رؤية، كما لا يحاط به علما. وهو يرى ويعلم، لكن لا يحاط به رؤية ولا يحاط به علما. قال رحمه الله: «وقوله: أو تأولها بفهم»، أي: ادعى أنه فهمت فهم لها تأويل يخالف ظاهرها. ظاهرها أي: ادعى أنه فهم لها تأويل يخالف ظاهرها، وما يفهمه كل عربي من معناها. فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل: أنه صرف اللفظ عن ظاهره. وبهذا تسلط المحرفون على النصوص، وقالوا: «نحن نتأول ما يخالف قولنا». فسموا التحريف تأويلا تزيينا له وزخرفة ليقبل. وقد ذم الله الذين زخرفوا الباطل. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:112]. والعبرة للمعاني لا للألفاظ. فكم من باطل قد أقيم عليه دليل مزخرف يورث به دليل الحق. وكلامه هنا نظير قوله فيما تقدم: «لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا». ثم أكد هذا المعنى بقوله: «إذا كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين». ومراده ترك التأويل الذي يسمونه تأويلا، وهو تحريف. ولكن الشيخ رحمه الله تأدب وجادل بالتي هي أحسن، كما أمر الله تعالى بقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:125]. وليس مراده ترك كل ما يسمى تأويلا، ولا ترك شيء من الظواهر لبعض الناس لدليل راجح من الكتاب والسنة. وإنما مراده ترك التأويلات الفاسدة المبتدعة المخالفة لمذهب السلف، التي يدل الكتاب والسنة على فسادها، وترك القول على الله بلا علم. فمن التأويلات الفاسدة: تأويل أدلة الرؤية، وأدلة العلوم: أنه لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا. ثم قد صار لفظ التأويل مستعملا في غير معناه الأصلي. يعني يريد الشارح رحمه الله تعالى بهذا: أن المتأخرين صاروا يطلقون على التحريف تأويلا، هو تحريف الحقيقة: تحريف اللفظ عن معناه الحقيقي. ولكن سموه ماذا؟ تأويلا. لأنه إذا قالوا: وسموه تحريفا لنفرت منه النفوس والأسماء. ولكن سموه بما؟ تأويلا. لأن التأويل قد جاء في نصوص الكتاب والسنة مدح التأويل والثناء على أهل التأويل. فأتوا بهذا اللفظ: لفظ التأويل. ولكن خصوا هذا اللفظ بمعنى خاص، ليس المعنى الشرعي. ولكن معنى خاص: ما هو هذا المعنى؟ إخراج اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر. وأن الضوابط غير مراد: حقيقته عندهم تحريف. معنى التأويل عند المبتدعة: معناه حقيقة التحريف. ولكن سموه تأويلا لأجل ماذا؟ أن يروج. فلا يستنكر بين الناس، بل يقبلوه. ويقولون: هذا قد مدحه الله وأثنى عليه. وهذا كذلك أثنى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على أصحاب «كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:7]، على قراءة الوصل». هذا ثناء. «وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم»، يقولون: «آمنا به كل من عند ربنا». وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين. والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين. لو لم يكن كذلك، لما كان فرق بينهم وبين غيرهم من أهل الإيمان. لأن المؤمن إذا لم يعلم شيئا، ماذا يقول؟ «آمنا بالله». فإذا كان الراسخ في العلم يقول هذا، فما الفرق إذن بينه وبين غيره؟ قال رحمه الله: «وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله». وهذا الأثر ثابت عنهم رضي الله عنه وأرضى. رواه عنه ابن جرير في تفسيره، برواية: «أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله»، من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد عنه. وقد تقدّم مرارا: أن رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في التفسير، أن الواسطة بينهما معروفة. قال رحمه الله: «ولقد صدق رضي الله عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له، وقال: «اللهم فقّهه في الدين، وعلمه التأويل». رواه البخاري وغيره. ودعاؤه صلى الله عليه وسلم لا يرد. قال مجاهد: «عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره، أغفِه عند كل آية، وأسأله عنها». وقد تواترت النقول عنه: أنه تكلم في جميع معاني القرآن، ولم يقل عن آية: إنها من المتشابه الذي لا يعلم أحد تأويله إلا الله. وهذا يدلنا على ماذا؟ على أن القرآن من أوله إلى آخره له معاني تدرك، يدركها العلماء: الراسخون في العلم. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.