التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 64

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 64، ألقاها

آراء الناس في الشفاعة وتعارضها

ذكر ثلاثة أقوال للناس في الشفاعة، منها قول المشركين والغلاة، وقول المعتزلة والخوارج، وقول أهل السنة والجماعة. تظهر هذه الآراء تباين الفهم حول الشفاعة.

شروط وحدود الشفاعة في الإسلام

يشترط في الشفاعة إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له، كما يحذر من الاستشفاع بطريقة غير شرعية أو القسم بغير الله. توضح هذه الشروط حدود الشفاعة.

التوسل في الدعاء وأنواعه المشروعة وغير المشروعة

يناقش مفهوم التوسل ويبين أنواعه، مشيرا إلى أن التوسل بجاه النبي أو الصالحين يعتبر ابتداعا، بينما التوسل بدعاء النبي أو الصالحين مشروع. يظهر هذا التمييز بين أنواع التوسل.

تفاصيل التوسل وأشكاله المختلفة

يشرح أن التوسل قد يكون بدعاء الوسيلة أو شفاعته أو بمحبته، وقد يكون بالإقسام به أو بذاته، وهو ما كرهه العلماء. يوضح هذا الفصل تفاصيل التوسل.

التفريغ النصي الكامل

قال الشارح رحمه الله تعالى: ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال. فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا. والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الكبائر. قال الشارخ رحمه الله تعالى: ها هنا أقوال الناس في مسألة الشفاعة، فذكر ها هنا ثلاثة أقوال. الأول: فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة المشايخ -أي كغلاة الصوفية وكغلاة الشيعة- هؤلاء من أصحاب الغلو في مشايخهم وفي ساداتهم وكبرائهم يعظمونهم تعظيما كتعظيم الله رب العالمين جل وعلا. لذا كما قال رحمه الله: يجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا، أي أن من يعظمونهم من الأشياخ والسادات والكبراء يزعمون أنه شفيع لهم عند الله رب العالمين، وأن شفاعته متقبلة وجوبا على الله رب العالمين لمكانة ذلك الشافع عند الله. كشفاعة أهل الدنيا بعضهم لبعض. وهذه الشفاعة هي التي يسميها العلماء بالشفاعة الشركية، التي يفعلها المشركون. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم عن هؤلاء: ﴿قَالُوا مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، فهؤلاء يعبدون هؤلاء الشفعاء، ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، وماذا يقولون؟ يقول هؤلاء شفعاؤنا عند الله، أي أن هؤلاء لهم كان ولهم مقام يشفعون لهم به عند الله رب العالمين. قال رحمه الله: والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الكبائر. والقول الثاني: قول المعتزلة، المعتزلة ينفون شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر، وجمهورهم يقرون ببقية الشفاعات، وبعضهم ينفي الشفاعة مطلقا. وهؤلاء قد أبعدوا عن الحق بعدا كبيرا. فالحاصل أن المعتزلة والخوارج لأنهم وعيدية ويقولون في أصحاب الكبائر أنهم خالدون مخلدون في نار جهنم، فإنهم لا يقولون بأن الشفاعة ثابتة لنبينا صلى الله عليه وسلم ولغيره من الملائكة والمؤمنين في أهل الكبائر الذين دخلوا النار أن يشفعوا فيهم لأجل أن يخرجوا منها. ويستدلون على ذلك بالأدلة الدالة على انتفاء الشفاعة عن أهل الإشراك، فلم يميزوا بين الشفاعة المشروعة وبين الشفاعة الممنوعة. قال رحمه الله: وأما أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر، وشفاعة غيره، لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويحد له حدا كما في الحديث الصحيح حديث الشفاعة: «إنهم يأتون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى، فيقول لهم عيسى عليه السلام: اذهبوا إلى محمد، فإنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأذهب فإذا رأيت ربي خررت له ساجدا، فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن، فيقول: أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع، واشفع تشفع، فأقول: ربي أمتي، فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أنطلق فأسجد فيحد لي حدا -ذكرها ثلاث مرات-». قوله رحمه الله تعالى: وأما أهل السنة والجماعة فيقرون بشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة المتكاثرة، ومنها الحديث المذكور. قال رحمه الله تعالى: «وشفاعة غيره، لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويحد له حدا»، أي لا يشفع أحد حتى يأذن الله له، لا كما قال المشركون والغلاة في الأشياخ أنه تجب على الله جل وعلا أن يقبل شفاعة الشافع. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، فلا يملك الشفاعة أحد من الخلق إلا من أذن الله جل وعلا له بأن يشفع بإذن الله جل وعلا، وبعد أن يرضى الله جل وعلا عن الشافع وعن المشفوع له. قال الله جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، يأذن لمن يشاء، وأيضا يرضى عن الشافع ويرضى عن المشفوع، فهذه شروط الشفاعة الثلاثة: إذن من الله رب العالمين بالشفاعة، ولا تكون إلا برضا عن الشافع ورضا عن المشفوع له. قال رحمه الله: وأما الاستشفاع بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره في الدنيا إلى الله تعالى في الدعاء، ففيه تفصيل. فإن الداعي تارة يقول: بحق نبيك أو بحق فلان، يقسم على الله بأحد من مخلوقاته، فهذا محذور من وجهين: أحدهما أنه أقسم بغير الله، والثاني اعتقاده أن لأحد على الله حقا. ولا يجوز الحلف بغير الله، وليس لأحد على الله حق إلا ما أحقه على نفسه. قال: كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وكذلك ما ثبت في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: «أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم»، فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئا كما يكون للمخلوق على المخلوق. قال: فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم، وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن يقسم به، ولا أن يسأل بسببه ويتوسل به؛ لأن السبب هو ما نصبه الله سببا. وكذلك الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الماشي إلى الصلاة: «أسألك بحق من شفعك هذا وبحق السائلين عليك»، فهذا حق السائلين هو أوجبه على نفسه. قال: «ولقد أحسن القائل: ما للعباد عليه حق واجب، كلا ولا سعي لديه ضائع، إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله، وهو الكريم الواسع». قوله رحمه الله تعالى: وكذلك الحديث الذي في المسند من حديث أبي سعيد في قول الماشي إلى الصلاة: «أسألك بحق من شفعك هذا وبحق السائلين عليك»، قال: فهذا حق السائلين، وهو أوجبه على نفسه. ما هو حق السائلين؟ قال الله ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، فهذا حق وعد الله جل وعلا به، والله لا يخلف الميعاد. قال رحمه الله: فهو الذي أحق للسائلين أن يجيبهم وللعابدين أن يثيبهم. وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا به لعلهم يرشدون. قال رحمه الله: ولقد أحسن القائل: ما للعباد عليه حق واجب، كلا ولا سعي لديه ضائع، إن عذبوا فبعدله أو نعموا فبفضله، وهو الكريم السميع. قال رحمه الله: فإن قيل: فأي فرق بين قول الداعي بحق السائلين عليك وبين قوله بحق نبيك أو نحو ذلك؟ فالجواب: أن معنى قوله بحق السائلين عليك: أنك وعدت السائلين بالإجابة، وأنا من جملة السائلين، فأجب دعائي. بخلاف قوله بحق فلان، فإن فلانا وإن كان له حق على الله بوعد صادق، فلا مناسبة بين ذلك وبين إجابة دعاء هذا السائل. قال: فكأنه يقول: لكون فلان من عبادك الصالحين، أجب دعائي. وأي مناسبة في هذا؟ وأي ملازمة؟ وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخِفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن أحد من الأئمة، وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل التي يكتبها الجهال والطرقية. قال: والدعاء من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على السنة والاتباع لا على الهوى والابتداع. قال رحمه الله: وتارة يقول: بجاه فلان عندك أو يقول: نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك، ومراده: لأن فلان عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة، فأجب دعاءنا. وهذا أيضا محذور؛ فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لفعلوه بعد موته. قال: وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه، يطلبون منه أن يدعو لهم، وهم يؤمنون على دعائه كما في الاستسقاء وغيره. فلما مات قال عمر رضي الله عنه لما خرجوا يستسقون: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا»، معناه بدعائه هو ربه وشفاعته وسؤاله، ليس المراد أننا نقسم عليك به أو نسألك بجاهه عندك. قال: إذ لو كان ذلك مرادا لكان جاه النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وأعظم من جاه العباس. وهذا يبين لنا المعنى المذكور: أنه لو كان مشروعا السؤال بالجاه، لسئل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم، ولتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته. والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم بعد أن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتوسلون إلى الله رب العالمين بدعاء العباس. قال رحمه الله: وتارة يقول: باتباعي لرسولك ومحبتي له وإيماني به وسائر أنبيائك ورسلك وتصديقي لهم ونحو ذلك، فهذا من أحسن ما يكون في الدعاء والتوسل والاستشفاع. قال: فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به فيه إجمال، غلط بسببه من لم يفهم معناه. فإن أريد به التسبب به لكونه داعيا وشافعا، وهذا في حياته، أو لكون الداعي محبا له مطيعا لأمره مقتديا به، وذلك أهل للمحبة والطاعة والاقتداء، فيكون التوسل إما بدعاء الوسيلة وشفاعته، وإما بمحبة السائل واتباعه. قال: أو يراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه. وكذلك السؤال بالشيء قد يراد به التسبب به لكونه سببا في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام به.

شاركنا على