التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 98

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 98، ألقاها

الرد على استدلالات المعتزلة بآيات القرآن

يناقش استدلال المعتزلة بآيات قرآنية على خلق الله لأفعال العباد، ويبين أن هذه الآيات تدل على خلق الله للمخلوقات. يشرح آراء أهل السنة والجماعة في تفسير هذه الآيات.

الرد على شبهة التعارض بين خلق الذنوب والعقوبة

يتناول الرد على شبهة تعارض خلق الله للذنوب وتعذيب العباد عليها، ويوضح أن الذنوب الوجودية عقوبة للعباد على ذنوب سابقة. يبين أن العبد يعاقب على عدم فعل ما خلق له.

مفهوم الشر والعدل الإلهي

يناقش مفهوم الشر والعدل الإلهي في العقوبة والمكافأة، ويوضح أن الشر ليس منسوبًا إلى الله. يؤكد أن أفعال العباد خلق الله ولكنها أيضًا أفعال حقيقية لهم.

تعريف الكسب ومسؤولية الفرد

يُعرّف الكسب بأنه الفعل الذي يعود على فاعله بنفع أو ضرر، ويربط بين مفهوم الكسب ومسؤولية الفرد عن أفعاله كما ورد في القرآن الكريم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: وعما استدل به المعتزلة بقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، فمعنى الآية أحسن المصورين المقدرين، والخلق يذكر ويراد به التقدير، وهو المراد هنا بدليل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي الله خالق كل شيء مخلوق، فدخلت أفعال العباد في عموم كل. وما أفسد قولهم في إدخال كلام الله تعالى في عموم كل، والذي هو صفة من صفاته، يستحيل عليه أن يكون مخلوقًا، وأخرجوا أفعالهم التي هي مخلوقة من عموم كل. وهل يدخل في عموم كل إلا ما هو مخلوق؟ فذاته المقدسة وصفاته غير داخلة في هذا العموم، ودخل سائر المخلوقات في عمومها. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، هذه تتمة لما مضى معنا في الدرس الماضي، أي من ذكر شبه الجبرية وشبه القدرية في هذا الباب. فذكر رحمه الله تعالى أن المعتزلة يستدلون بقول الله جل وعلا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، فقالوا: معنى الآية أحسن المصورين المقدرين. والخلق يذكر ويراد به التقدير، وهو المراد هنا بدليل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي الله خالق كل شيء مخلوق، فدخلت أفعال العباد في عموم كل، بمعنى أن قول الله جل وعلا: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ فيه دلالة على أن الله جل وعلا خالق كل شيء، ومن جملة هذه المخلوقات أفعال العباد. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، ولا نقول: إن «ما» مصدرية، إذ سياق الآية يأباه. لأن إبراهيم عليه السلام إنما أنكر عليهم عبادة المنحوت، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله تعالى، وهو ما صار منحوتًا إلا بفعلهم، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقًا لله تعالى. ولو لم يكن النحت مخلوقًا لله تعالى، لم يكن المنحوت مخلوقًا له، بل الخشب أو الحجر لا غير. أهل السنة والجماعة عند هذه الآية لهم قولان: منهم من يقول بأن «ما» مصدرية، ويختارها ويقويها، ومنهم من يقول بأن «ما» موصولة، ويختارها ويقويها. فالحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية ذكر القولين، واختار أن الأظهر بأنها مصدرية. وإذا كانت مصدرية، يكون التقدير: والله خلقكم وعملكم، ويكون المعنى: والله خلقكم وعملكم الذي به عملتم هذه الأصنام. والوجه الثاني وهو الذي اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى، وقواه، وضعف القول الثاني، أي القول بأنها مصدرية، اختار ابن القيم أنها موصولة، والتقدير: والله خلقكم والذي تعملونه، أي والذي تعملونه، فيكون المعنى: والله خلقكم والذي تعملونه من الأصنام. ففيه إثبات كذلك أفعال عباد مخلوقة، لأنهم عملوها بأيديهم، والله خلقكم والذي تعملونه، فهم الذين عملوا تلك الأصنام، ففيه إضافة العمل إلى من؟ إلى العباد، ففيه إثبات أن العباد هم الذين فعلوا تلك الأصنام التي هي مخلوقة، والذي خلق لهم الفعل من هو؟ الله جل وعلا. ثم ادعى كل من المعتزلة والأشاعرة أن العلم الضروري يبطل ما ادعاه الآخر من الضرورة، غير مسلم، بل كلاهما صادق فيما ادعاه من العلم الضروري. وإنما وقع غلطهما في إنكاره ما مع الآخر من الحق. فإنه لا منافاة بين كون العبد محدثًا لفعله، وكون هذا الإحداث وجب وجوده بمشيئة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، فقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ إثبات للقدر، بقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ بمعنى أن الله هو الملهم، الذي صار به العبد فاعلًا للهدى أو للشر. وهذه شبهة أخرى من شبه القوم التي فرقتهم، بل مزقتهم كل ممزق، وهي أنهم قالوا: كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم، وهو خلقها فيهم؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله فيهم؟ وهذا السؤال لم يزل مطروحًا في العالم على ألسنة الناس، وكل منهم يتكلم في جوابه بحسب علمه ومعرفته، وعنه تفرقت بهم الطرق. وطائفة أخرجت أفعالهم عن قدرة الله تعالى، كالقدرية. وطائفة أنكرت الحكم والتعليل، وسدت باب السؤال، كالجبرية المحضة. وطائفة أثبتت كسبًا لا يعقل، جعلت الثواب والعقاب عليه، كالأشاعرة. وطائفة التزمت لأجل وقوع مقدور بين قادرين، ومفعول بين فاعلين. والجواب الصحيح عنه أن يقال: إنما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية، وإن كانت خلقًا لله تعالى، فهي عقوبة له على ذنوب قبلها، فالذنب يكسب الذنب. ومن عقاب السيئة السيئة بعدها. فالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب، يقال: هو عقوبة أيضًا على عدم فعل ما خلق له، وفطر عليه. إن الله سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتعليمه والإنابة إليه. فلما لم يفعل، عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي، فإنه صادف قلبًا خاليًا قابلا للخير والشر. ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده، لم يتمكن منه الشر. فما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، وقال إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. والإخلاص خلوص القلب من تأله ما سوى الله تعالى، وإرادته ومحبته، فخلص لله، فلم يتمكن منه الشيطان. وأما إذا صادفه فارغًا من ذلك، تمكن منه بحسب فراغه، فيكون جعله مذنبًا مسيئًا في هذه الحال عقوبة له على عدم هذا الإخلاص. فإن قيل: فذلك العدم من خلقه فيه، أي عدم الإخلاص والمحبة لله رب العالمين؟ قيل: هذا سؤال فاسد، فإن العدم المحض لا يفتقر إلى تعلق التكوين والإحداث به. فإن عدم الفعل ليس أمرًا وجوديًا حتى يضاف إلى الفاعل، بل هو شر محض. والشر ليس إلى الله سبحانه، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث الاستفتاح: «لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك». وكذا في حديث الشفاعة. وقيل: ليس هناك ترك هو كف النفس ومنعها عما تريده وتحبه، فهذا قد يقال: إنه أمر وجودي. وإنما هنا عدم وخلو من أسباب الخير، وهذا العدم هو محض خلوها مما هو أنفع شيء لها. والعقوبة على الأمر العدمي هي بفعل السيئات، لا بالعقوبات التي تناله بعد إقامة الحجة عليه بالرسل. فلله فيه عقوبتان: أحدهما جعله مذنبًا خاطئًا، وهذه عقوبة عدم إخلاصه وإنابته وإقباله على الله. وهذه العقوبة قد لا يحس بألمها ومضرتها لموافقتها شهوته وإرادته، وهي في الحقيقة من أعظم العقوبات. والثانية العقوبات المؤلمة بعد فعله للسيئات. فلا يكون سبحانه بمنعهم من ذلك ظالمًا، وإنما يكون المانع ظالمًا إذا منع غيره حقًا لذلك الغير عليه. وهذا هو الذي حرمه الرب على نفسه، وأوجب على نفسه خلافه، أي في قوله في الحديث القدسي: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا». فمنع الحق ظلم، ومنع الفضل والإحسان عدل، وهو سبحانه العدل في منعه، كما هو المحسن المنان بعطائه. فإن قيل: فإذا كان العطاء والتوفيق إحسانًا ورحمة، فهلا كان العمل له والغلبة كما إن رحمته تغلب غضبه؟ قيل: المقصود في هذا المقام بيان أن هذه العقوبة المترتبة على هذا المنع، والمنع المستلزم للعقوبة، ليس بظلم، بل هو محض العدل. وهذا سؤال عن الحكمة التي أوجبت تقديم العدل على الفضل في بعض المحال. وقد تولى الله سبحانه الجواب عنه بقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وليس في الحكمة اطلاع كل فرد من أفراد الناس على كمال حكمته في عطائه ومنعه، بل إذا كشف الله عن بصيرة العبد حتى أبصر طرفًا يسيرًا من حكمته في خلقه وأمره، وثوابه وعقابه، وتخصيصه وحرمانه، وتأمل أحوال محال ذلك، استدل بما علمه على ما لم يعلمه. فإن قيل: إذا حكمتم باستحالة الإيجاد من العبد، فإذا لا فعل للعبد أصلا؟ قيل: العبد فاعل لفعله حقيقة، وله قدرة حقيقة، قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، وأمثال ذلك. والله تعالى إنما يعذب عبده على فعله الاختياري، إن فعل معصية، فهو الفعل حقيقة، واستحق على ذلك الفعل العقوبة. فالحاصل أن فعل العبد فعل له حقيقة، ولكنه مخلوق لله تعالى، ومفعول لله تعالى، ليس هو نفس فعل الله. ففرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق. وإلى هذا المعنى أشار الشيخ رحمه الله بقوله: «وأفعال العباد خلق لله، وكسب من العباد». أثبت للعباد فعلًا وكسبًا، وأضاف الخلق لله تعالى. والكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله منه نفع أو ضرر، كما قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على